تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأربعاء 12 أغسطس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

إصلاح جوهري لآلية التمويل.. هل ينجح تكتل شرق أفريقيا في تجاوز أزمته المالية؟

5 يوليو, 2026
الصورة
إصلاح جوهري لآلية التمويل.. هل ينجح تكتل شرق أفريقيا في تجاوز أزمته المالية؟
Share

تواجه مجموعة شرق أفريقيا (EAC) واحدة من أخطر أزماتها المالية منذ إعادة تأسيسها عام 2000، في ظل تزايد العجز المالي وتراكم المتأخرات المستحقة على الدول الأعضاء، بالتزامن مع توسع التكتل ليضم ثماني دول بعد انضمام جمهورية الكونغو الديمقراطية عام 2022 والصومال عام 2024.

أقرت قمة رؤساء دول المجموعة، التي انعقدت في مدينة أروشا التنزانية في مارس/آذار 2026، بأن النمو المؤسسي والسياسي للمجموعة لم يصاحبه تطور مماثل في آليات التمويل، ما أدى إلى ضغوط متزايدة على ميزانية المؤسسات الإقليمية وبرامج التكامل الاقتصادي. ووفقاً للبيانات الرسمية، بلغت المتأخرات المالية المستحقة على الدول الأعضاء نحو 89.4 مليون دولار بحلول يوليو/تموز 2026، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ المنظمة.

تشير الوثائق المالية لمجموعة شرق أفريقيا إلى أن أزمة التمويل الحالية ترتبط بشكل مباشر بالتوسع السريع في عضوية التكتل، حيث أضيفت إلى المجموعة دول تواجه تحديات اقتصادية وأمنية كبيرة، مثل جنوب السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية والصومال.

وفقاً لآخر الإحصاءات، تتصدر جمهورية الكونغو الديمقراطية قائمة الدول المتأخرة في السداد بمتأخرات بلغت 27.7 مليون دولار، تليها بوروندي بنحو 22.7 مليون دولار، ثم جنوب السودان بحوالي 21.8 مليون دولار، بينما بلغت المتأخرات المستحقة على الصومال، أحدث أعضاء المجموعة، نحو 10 ملايين دولار. وفي المقابل، تمكنت كينيا وتنزانيا وأوغندا ورواندا من الوفاء بالتزاماتها المالية بصورة كاملة خلال العام المالي الحالي.

وقد انعكست الأزمة المالية بصورة مباشرة على أداء المؤسسات الإقليمية التابعة للمجموعة، بما في ذلك أمانة المجموعة في أروشا، والبرلمان التشريعي لشرق أفريقيا، ومحكمة العدل التابعة للمجموعة، فضلاً عن برامج البنية التحتية والتكامل الاقتصادي. وأقر مسؤولو المجموعة بأن التأخر المستمر في تحويل المساهمات أدى إلى تعطيل أو تأخير تنفيذ عدد من المشروعات الاستراتيجية، خاصة تلك المتعلقة بشبكات النقل العابرة للحدود، وتطوير الممرات التجارية، وربط أسواق الطاقة، وبرامج التحول الرقمي الإقليمي. كما تزايد اعتماد بعض المؤسسات على التمويل الخارجي من الشركاء الدوليين، وهو ما أثار مخاوف بشأن استقلالية القرار الإقليمي على المدى الطويل.

في محاولة لاحتواء الأزمة، اعتمدت قمة رؤساء الدول الأعضاء في مارس/آذار 2026 إصلاحاً مالياً جوهرياً يعد الأكبر منذ تأسيس المجموعة، يقوم على تغيير آلية احتساب مساهمات الدول الأعضاء. وبموجب النظام الجديد، ستُحسب 50٪ من المساهمات بصورة متساوية بين جميع الدول، بينما سيتم احتساب النصف الآخر وفقاً للقدرة الاقتصادية لكل دولة، بدلاً من النظام السابق الذي كان يعتمد بصورة أكبر على المساهمات المتساوية. كما وافقت القمة على منح إعفاءات تصل إلى 50٪ من بعض المتأخرات المتراكمة، في محاولة لتشجيع الدول المتعثرة على العودة إلى الالتزام المالي الكامل. ومن المقرر أن يدخل النظام الجديد حيز التنفيذ اعتباراً من السنة المالية 2026/2027.

يأتي هذا الإصلاح في وقت تستعد فيه مجموعة شرق أفريقيا لإطلاق استراتيجيتها التنموية السابعة للفترة 2026-2031، والتي تتضمن خططاً طموحة لتعميق التكامل الاقتصادي، وتعزيز التجارة البينية، وتسريع تنفيذ مشاريع البنية التحتية الإقليمية، والمضي قدماً في مشروع الكونفدرالية السياسية لشرق أفريقيا. غير أن عدداً من الخبراء الإقليميين حذروا من أن نجاح هذه الأهداف سيظل مرهوناً بقدرة المجموعة على معالجة أزمتها المالية البنيوية، خصوصاً أن التوسع الجغرافي والمؤسسي للتكتل رفع من تكاليف الإدارة والتشغيل بصورة تفوق الزيادة في الإيرادات الذاتية.

يرى مراقبون أن الأزمة الحالية تعكس التحدي الأساسي الذي تواجهه مشاريع التكامل الإقليمي في أفريقيا: فبينما يمنح التوسع السياسي والجغرافي التكتلات الإقليمية ثقلاً اقتصادياً واستراتيجياً أكبر، فإنه يفرض في الوقت نفسه أعباءً مالية ومؤسسية متزايدة، خاصة عندما تضم هذه التكتلات دولاً تعاني من نزاعات أو أزمات اقتصادية مزمنة. وبالنسبة لمجموعة شرق أفريقيا، التي أصبحت تضم أكثر من 330 مليون نسمة، وتمثل أحد أكبر التكتلات الاقتصادية في القارة، فإن نجاح الإصلاحات المالية الجديدة قد يحدد ما إذا كانت المجموعة ستتمكن من التحول إلى سوق إقليمية متكاملة، أم أنها ستواجه خطر التباطؤ المؤسسي وتراجع مشاريع التكامل التي شكلت أساس مشروعها السياسي والاقتصادي خلال العقود الماضية.