تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 13 يونيو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

اشتباكات في مقديشو عشية احتجاج للمعارضة تفاقم أزمة الانتخابات في الصومال

4 يونيو, 2026
الصورة
Somalia’s election crisis takes a dark 1991 turn
© BO
Share

اندلعت اشتباكات عنيفة، بعد ظهر اليوم، في أجزاء من العاصمة الصومالية مقديشو، بينها مديرية هولوداغ، على خلفية التوتر المتصاعد قبيل احتجاج كانت قوى المعارضة تعتزم تنظيمه. ما جرى لم يكن مجرد حادث أمني عابر، بل تصعيد سياسي مسلح في لحظة دستورية شديدة الهشاشة، حيث تتنازع الحكومة والمعارضة أصل الشرعية نفسها.

رئيس الوزراء الأسبق حسن علي خيري، الذي انتقل في وقت سابق من اليوم إلى هولوداغ استعدادًا للاحتجاج، قال إنه تعرّض لهجوم أثناء وجوده هناك. كما أعلن الرئيس الأسبق شريف شيخ أحمد أن مقر إقامته تعرّض لهجوم أيضًا. وحتى وقت كتابة هذه المادة، ما زالت الاشتباكات مستمرة، ولم تصدر حصيلة رسمية للقتلى.

الحكومة الفيدرالية الصومالية قدّمت رواية مختلفة تمامًا. فقد اتهمت ما وصفتهم بـ"عناصر ميليشيا مسلحة تابعة للمعارضة" بمهاجمة منشأة للشرطة في مديرية هولوداغ، وإطلاق أسلحة ثقيلة باتجاه مناطق سكنية قريبة. وقالت الحكومة إن هذه العناصر "أخفت هوياتها"، وإن رئيس الوزراء الأسبق حسن علي خيري هو من نظّمها، مضيفة أن المجموعة أُدخلت إلى المنطقة في الليلة السابقة واستهدفت مباشرة منشأة تابعة لمركز شرطة هولوداغ.

وجاء في بيان الحكومة: "تؤكد الحكومة الفيدرالية الصومالية أنها لن تتسامح مع أي محاولة لتقويض أمن العاصمة، أو تعطيل عمل قوات الأمن، أو بث الخوف وعدم الاستقرار بين السكان"

المتحدث باسم الشرطة الصومالية، الذي ظهر في إفادة إعلامية، قال إن ميليشيا هاجمت قوات الشرطة المتمركزة عند نقطة تفتيش، مضيفًا أن "قوات الشرطة ردت على الهجوم". ويعني وصف الطرف الآخر بالميليشيا أن الحكومة لا تتعامل مع ما حدث بوصفه احتجاجًا سياسيًا خرج عن السيطرة، بل بوصفه تحديًا مسلحًا لسلطة الدولة.

وزير الدفاع الصومالي أحمد معلم فقي ذهب أبعد من ذلك، إذ شبّه المعارضة بقوات الدعم السريع في السودان، وهي قوات وُجهت إليها اتهامات بارتكاب فظائع واسعة في مناطق سودانية. وكتب فقي: "زعامة الحرب في القرن الحادي والعشرين وإحياء ثقافة الميليشيات في عام 2026 أمور تجاوزها الزمن".

في المقابل، قال حسن علي خيري، في منشور على حسابه الرسمي في وسائل التواصل الاجتماعي، إن الحكومة هاجمت مقر إقامته بينما كان اجتماع تشاوري يُعقد هناك. وحمّل الرئيس حسن شيخ محمود "المسؤولية الكاملة" عن الهجوم. وأضاف خيري أن هناك قتلى وجرحى، لكنه لم يقدّم أرقامًا محددة، ولم يكن بالإمكان التحقق بشكل مستقل من عدد الضحايا أو المصابين.

وقال خيري: "نتقدم بأحر التعازي إلى أسر الضحايا، وندعو للمصابين بالشفاء العاجل". واتهم الرئيس محمود بمحاولة قمع التجمع السلمي، واصفًا الهجوم بأنه "اعتداء جسيم على الحقوق الدستورية للمواطنين الصوماليين".

وأضاف خيري أن "مستقبل الصومال يجب أن يُبنى على الحوار والتوافق والنظام الدستوري، لا على القوة والقمع"، مؤكدًا أن "المسؤولين عن ذلك سيُحاسبون".

الرئيس الأسبق شريف شيخ أحمد، الذي قال إن مقر إقامته تعرّض للهجوم أيضًا، تحدث إلى وسائل الإعلام بينما كانت الاشتباكات لا تزال دائرة. وقال إن أفراد حمايته تعرضوا لهجوم، واتهم الحكومة بتنفيذ "مداهمات ليلية". وأضاف أنهم لن يخضعوا لـ"الترهيب"، وأنهم سيدافعون عن أنفسهم.

إدانة الهجوم لم تقتصر على خيري وشريف. فقد أدان رئيس الوزراء الأسبق عبدي فرح شردون، والوزير السابق عبد الرحمن عبد الشكور، ما وصفاه بالاعتداء على قادة المعارضة. وقال شردون في بيان: "أدين بشدة الهجوم المسلح الذي نُفذ الليلة ضد مقر إقامته في مقديشو. التحريض والانقسام ليسا حلًا".

كما أصدرت سلطات جوبالاند بيانًا "أدانت فيه بشدة" الهجوم، واتهمت إدارة الرئيس حسن شيخ محمود برفض العودة إلى خارطة طريق انتخابية متفق عليها، وبالفشل في بناء توافق حول النزاع الانتخابي الآخذ في التعمق داخل البلاد.

وتأتي الاشتباكات قبل يوم واحد فقط من احتجاج كانت قوى المعارضة تخطط لتنظيمه في مقديشو. وهذه هي المحاولة الثانية للمعارضة خلال الأسابيع الأخيرة لتنظيم احتجاج واسع في العاصمة. ففي الشهر الماضي، وقبل أيام من انتهاء ولاية الإدارة الحالية في 15 مايو، كانت المعارضة قد دعت إلى مظاهرات في مقديشو، لكن تلك التحركات أُربكت بعد انتشار كثيف للقوات الحكومية في العاصمة، بما في ذلك قرب مقار إقامة عدد من شخصيات المعارضة. وشوهدت مدرعات وعناصر أمنية في مناطق رئيسية من المدينة، ما رفع مستوى التوتر بدل احتوائه.

الأزمة الحالية لم تولد اليوم. فالخلاف كان يتراكم منذ أشهر، ويتمحور حول تعديل الدستور، وطبيعة النظام الانتخابي المقبل، والسؤال الأشد حساسية: هل ما زال الرئيس حسن شيخ محمود يملك تفويضًا دستوريًا، أم أن ولايته انتهت؟

الإدارة الحالية تتمسك بتمديد ولايتها عامًا إضافيًا بموجب الإطار الدستوري الجديد، رغم رفض قوي من المعارضة وعدد من الولايات الفيدرالية المؤثرة. الرئيس محمود يقول إن ولايته تنتهي في عام 2027، بينما يرى خصومه أن هذا يخالف مدة الأربع سنوات التي انتُخب على أساسها. لذلك لم يعد كثير من قادة المعارضة يصفونه بالرئيس، بل بـ"الرئيس السابق"، في رسالة سياسية واضحة مفادها أ الخلاف لم يعد على إجراءات الانتخابات فقط، بل على شرعية السلطة القائمة.

هنا تكمن خطورة اللحظة. في الأنظمة المستقرة، يُحسم الخلاف الانتخابي عبر محاكم أو مؤسسات تحكيمية أو برلمان قادر على إنتاج تسوية. أما في الحالة الصومالية الحالية، فالمؤسسات نفسها جزء من النزاع، والدستور موضع خلاف، والنموذج الانتخابي بلا توافق.

ولم يتحقق أي اتفاق حتى الآن حول النموذج الانتخابي. الإدارة الحالية تواصل الدفع باتجاه نظام "صوت واحد لشخص واحد"، وهو من حيث المبدأ مطلب جذاب في بلد عانى طويلًا من صيغ تقاسم السلطة الضيقة. لكن المشكلة ليست في الشعار، بل في طريقة فرضه. فالانتخابات التي نُظمت مؤخرًا في ولاية جنوب غرب الصومال جاءت بعد ضغوط عسكرية ساعدت على إزاحة الرئيس الإقليمي وتنصيب مسار سياسي جديد. لذلك بقيت تلك الانتخابات موضع جدل واسع، ورفضتها قوى المعارضة.

وتصاعد التوتر في جنوب غرب الصومال هذا الأسبوع، بعدما شنّت قوات موالية للرئيس الإقليمي المعزول هجمات على المدينة. وترى المعارضة أن العنف هناك يبرهن على خطورة فرض ترتيبات انتخابية من دون توافق سياسي. وهي ترفض العملية الانتخابية في جنوب غرب الصومال كما ترفض الخطة الانتخابية الأوسع التي تدفع بها إدارة الرئيس محمود.

الدرس الواضح من جنوب غرب الصومال ليس أن الانتخابات المباشرة فكرة خاطئة. العكس قد يكون صحيحًا على المدى الطويل. لكن أي نظام انتخابي، مهما بدا ديمقراطيًا على الورق، يصبح عامل تفجير إذا استُخدم لتغيير قواعد السلطة في منتصف النزاع ومن دون قبول الأطراف الرئيسية.

في وقت سابق من هذا الأسبوع، دعت سفارات غربية في مقديشو ونيروبي القادة السياسيين الصوماليين إلى العودة إلى المفاوضات والاتفاق على خطة واضحة للانتخابات المقبلة. وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين، عبّرت بعثات دبلوماسية عدة، إلى جانب بعثة الاتحاد الأوروبي وبعثة الأمم المتحدة الانتقالية في الصومال، عن قلقها من المناخ السياسي في البلاد، وحثت جميع الأطراف على التوصل إلى اتفاق يخدم مصالح الشعب الصومالي. كما شجعت القادة على وضع استقرار البلاد أولًا خلال هذه المرحلة الحساسة، وتجنب أي خطوات قد تزيد الاحتقان السياسي.

لكن الدعوات الدولية، حتى الآن، لم توقف الانزلاق. فقد فشلت محادثات متعددة، بينها جولة بوساطة شركاء دوليين، في إنتاج تسوية. وكان التصعيد متوقعًا بعد ذلك. اشتباكات اليوم، رغم أن تفاصيلها النهائية لم تتضح بعد، تمثل قفزة مقلقة من الخلاف السياسي إلى الاحتكاك المسلح داخل العاصمة.

استدعاء عام 1991 في عنوان الأزمة لا يعني أن الصومال عاد حرفيًا إلى تلك اللحظة. لكن التشابه المقلق يكمن في نمط سلطة مركزية محل نزاع، يقابله قادة سياسيون يتحركون بحمايات مسلحة، بيما تسود اتهامات متبادلة بالخيانة والتمرد، وغياب مرجعية دستورية يقبل بها الجميع.

حتى الآن، لا تزال حصيلة القتلى والجرحى غير مؤكدة. الرئيس الحالي، والمنتهية ولايته، حسن شيخ محمود، يصر على تمديد عام إضافي، والمعارضة ترفض شرعيته وتتعامل معه كرئيس انتهت ولايته فعليًا.a