الثلاثاء 9 ديسمبر 2025
في قلب القرن الأفريقي، حيث يعانق البحر الأحمر سفوح جبال إريتريا الوعرة، ينهض كتاب "إريتريا وطني" لبرهان أبرهي بوصفه شهادة نابضة على رحلة الثورة الإريترية من وعدٍ بالحرية إلى واقعٍ يثقله الاستبداد. يقدّم المؤلف، وزير المالية الأسبق الذي اعتُقل عقب نشره الكتاب عام 2018، سرداً صادقاً لتجربته داخل منظومة الحكم بقيادة أسياس أفورقي، كاشفاً تحوّل الحلم الوطني إلى قيود تخنق شعباً بأكمله.
لا يكتفي الكتاب بتوثيق الأحداث، بل يغوص في تحليل عميق يضيء جذور الأزمة، ويدعو إلى تغيير سلمي يستلهم دروس التاريخ ويحفظ كرامة الإريتريين. وفي ظل موجات الهجرة الواسعة والتوترات الإقليمية المتصاعدة، يبقى هذا العمل منارة فكرية ترسم ملامح وطنٍ مأمول، تسعى إلى إعادة الروح لأمة تستحق مستقبلاً أكثر عدلاً وحرية.
يبدأ برهان أبرهي كتابه بالعودة إلى جذور الثورة الإريترية، مستعرضاً مراحل الاستعمار الإيطالي والنضال الطويل ضد الهيمنة الإثيوبية، لكنه لا يتوقف عند البطولة وحدها؛ بل يكشف كيف تحوّل هذا التاريخ إلى ذريعة لتبرير القبضة الحديدية في الداخل. ويرى أن الموقع الجغرافي لإريتريا، بما يحمله من أهمية على البحر الأحمر وثراء الموارد، كان "لعنة جيوسياسية" جذبت الأطماع، وأفرزت أشكالاً جديدة من السيطرة.
كما يؤكد أن الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة (PFDJ) بددت وعود الاستقلال حين عطلت دستور 1997، في أول انحراف عن روح الثورة التحررية. وفي مقارنة دقيقة، يوضح كيف أن هذا المسار يشبه ما حدث في الصومال، حيث مكّن الاستبداد من انهيار الدولة، محولاً حركة التحرير إلى أداة قمع داخلي.
يتعمق أبرهي في شهادته الوزارية، مشاركاً القارئ تفاصيل عمله وزيرا للمالية خلال سنوات التوتر الإقليمي، وكيف كان يدير ميزانية دولة محاصرة بالضغوط الخارجية والاضطرابات الداخلية. وينتقد سياسات أسياس أفورقي باعتبارها "فوضى مدبّرة"، تُقدِّم السيطرة على حساب التنمية، وتخنق كل مبادرة لإصلاح اقتصادي حقيقي. ويقارن المؤلف تجاربه برؤى كتب أخرى، مثل: "إريتريا عند مفترق الطرق" لأندبرهان ولدجيورجيس، التي تكشف بدورها ملامح قائد يرفض الشراكة المؤسسية، ويُقصي كل من يعترض. كما يشير إلى تشابهات مع إثيوبيا ما قبل اتفاق 2000، حين قادت الصراعات إلى عزلة مريرة، محذراً من أن تجاهل الدستور كان الخطوة الأولى نحو ديكتاتورية شبيهة بتلك التي عاشها السودان قبل سقوط نظام عمر البشير.
يتوقف الكاتب عند دور الشتات الإريتري، الذي يرى أنه مفتاح لتعويض النزيف البشري الذي خلفته الهجرة والخدمة العسكرية القسرية. ويقارنه بتجربة تنزانيا بعد الاستقلال، حين أسهمت الكفاءات العائدة في دفع عجلة البناء الوطني
يربط الكتاب بين هذا الماضي المثقل بالانحرافات والحاضر المتوتر، مؤكداً أن "الخيانة الأولى" للدستور تحولت إلى جرح مفتوح يعمّق معاناة الإريتريين حتى اليوم. وتشير تحليلاته إلى أن هذا الانسداد السياسي يعيد إنتاج أزمات المنطقة، خاصة مع التوترات المستمرة في أفار وتيغراي، ما يهدد اتفاقيات هشة مثل: "اتفاق بريتوريا" 2022.
يستدل تأكيدا على ما يطرحه في الكتاب بتحوّل الجبهة الشعبية من حركة تحررية إلى سلطة تفرض الخدمة العسكرية المفتوحة بلا أفق، في مشهد يشبه الفوضى الليبية حين أدى غياب المؤسسات إلى انهيار شامل. وفي ضوء هذه الصورة القاتمة، يدعو أبرهي إلى تأسيس حكومة انتقالية تضع البلاد على طريق التعافي، وتعيد الثقة إلى وطن يحتاج إلى مصالحة شاملة تعيد لحمته الوطنية.
عرّج الكتاب على الاقتصاد الإريتري باعتباره محوراً جوهرياً لأزمة الدولة، موضحاً كيف أدّت سياسات الرئيس أفورقي إلى تبديد موارد البلاد الطبيعية من معادن وزراعة، رغم ما تمتلكه من إمكانات واعدة. ويصف سنواته في إدارة الميزانية كمحاولة لإنقاذ اقتصاد هش يعتمد بصورة مفرطة على تحويلات المهاجرين، في ظل غياب رؤية تنموية حقيقية تُخرج البلاد من دائرة الاعتماد على القطاعات التقليدية. يقارن هذا الوضع بدولة جيبوتي التي أحسنت استثمار موقعها البحري، بينما دفعت إريتريا ثمن العزلة التجارية الناتجة عن التوترات مع الجيران، لتتحول ثرواتها إلى عبء بدل أن تكون رافعة للتنمية.
كما يركز الكاتب على القطاعات الحيوية مثل: التعدين والزراعة، محذراً من إهمال القطاع الأخير رغم كونه مصدر رزق غالبية السكان. ويشير إلى أن سوء الإدارة وتكرار موجات الجفاف أديا إلى مجاعات مؤلمة كان يمكن تجنبها بسياسات رشيدة. كما يلفت إلى أن استمرار الصراعات الإقليمية يعمّق هشاشة الاقتصاد، مقارناً ذلك بتجربة رواندا التي حققت نهضة قوية بفضل الاستقرار السياسي والحوكمة الرشيدة. ومن داخل الكتاب، يبرز دعوته إلى إشراك الشتات الإريتري في عملية الإصلاح، مستلهماً تجربة السودان بعد البشير وما قبل التوترات الحالية، حيث لعب العائدون في ذلك الوقت دوراً محورياً في إعادة البناء، في وقت تواجه فيه إريتريا عقوبات وفساداً يشلان أي تقدّم حقيقي.
يربط الكتاب بين هذا الماضي المثقل بالانحرافات والحاضر المتوتر، مؤكداً أن "الخيانة الأولى" للدستور تحولت إلى جرح مفتوح يعمّق معاناة الإريتريين حتى اليوم
إن الأزمة الاقتصادية لا يمكن فصلها عن منظومة القمع التي فرضها النظام، إذ أفرزت الخدمة العسكرية المفتوحة موجات هجرة واسعة تشبه ما حدث في ليبيا حين خلق الاستبداد فراغاً اجتماعياً خطيراً. كما يحذر من خطورة "هروب العقول" الذي يحرم البلاد من طاقاتها الشابة، ويُضعف قدرتها على النهوض. ومن خلال شهادته قبل اعتقاله، يدعو إلى انتقال سياسي سلمي يوقف النزيف البشري والاقتصادي قبل الوصول إلى نقطة الانهيار. بهذا يصبح الكتاب نداءً عاجلاً لإنقاذ الثروات الوطنية من قبضة النظام، وإعادة توجيهها لبناء مستقبل جدير بتضحيات الإريتريين.
في خاتمة الكتاب، يوجّه الكاتب نداءً حاسماً لإسقاط نظام أسياس أفورقي سلمياً عبر الجمعية الوطنية، واصفاً حكمه بأنه من الأقسى عالمياً، مسترجعا لحظة تحدّيه للرئيس في مناظرة تلفزيونية عام 2018، حين حذر من أن استمرار الاستبداد قد يدفع البلاد إلى مصير مشابه للصومال التي انزلقت إلى حرب أهلية. كما يلفت إلى خطر اندلاع صراع جديد مع إثيوبيا في ظل التوترات القائمة، مقدماً قائمة ببدائل محتملة للقيادة، كثير منهم تعرّض للسجن أو لقوا حتفهم. ويؤكد أن مستقبل البلاد مرهون بجرأة الشباب وقدرتهم على مقاومة القمع.
يضع الكتاب خريطة طريق للسلام، تحدد ملامح خطة انتقالية تعيد بناء المؤسسات وتوقف النزيف البشري. بهذه الرؤية، يضع المؤلف حجر الأساس لعهد قد يتجاوز المأساة نحو دولة تستعيد كرامة شعبها
يتوقف الكاتب مطولاً عند دور الشتات الإريتري، الذي يرى أنه مفتاح لتعويض النزيف البشري الذي خلفته الهجرة والخدمة العسكرية القسرية. ويقارن هذا الدور بتجربة تنزانيا بعد الاستقلال، حين أسهمت الكفاءات العائدة في دفع عجلة البناء الوطني. ويحذر من التفكك الاجتماعي الذي يصيب الأسر الإريترية، في مشهد يعيد إلى الأذهان آثار الحروب في السودان، داعياً إلى مصالحة شاملة لا تستثني أحداً. ويبرز هذا التحليل حجم الإلحاح الذي تفرضه التوترات المتصاعدة في تيغراي وما حولها.
يختم أبرهي بربط الماضي المثقل بالجراح بمستقبل يمكن إنقاذه، إن توفرت الإرادة السياسية للعبور من الاستبداد إلى المصالحة الوطنية. ويستشهد بتقارير حقوقية توثّق حجم القمع، مؤكداً أن استمرار الوضع الراهن قد يدفع المنطقة إلى حافة حرب إقليمية. وفي سياق عام 2025، يتحول الكتاب إلى خريطة طريق للسلام، محدداً ملامح خطة انتقالية تعيد بناء المؤسسات وتوقف النزيف البشري. بهذه الرؤية، يضع المؤلف حجر الأساس لعهد قد يتجاوز المأساة نحو دولة تستعيد كرامة شعبها.
في نهاية المطاف، يبرز كتاب "إريتريا وطني" منارة في عتمة الاستبداد، يذكِّر بأن الاستقلال الحقيقي يتطلب ديمقراطية وحرية. من زنزانته، يُلْقِي برهان أبرهي بذور التغيير، محفزاً الشعب والشتات على إعادة صياغة المصير. إن استجابة الأجيال الجديدة لهذه الدعوة قد تحول إريتريا إلى نموذج نهوض أفريقي، قبل فوات الأوان في وجه التحديات الإقليمية.