تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 17 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

إريتريا.. الحليف الصامت لإيران في البحر الأحمر

5 أبريل, 2026
الصورة
إريتريا.. الحليف الصامت لإيران في البحر الأحمر
Share

مع اتساع رقعة المواجهة عقب اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، لم يعد المشهد مقتصرًا على أطرافه المباشرة، بل أخذ في التشكل ضمن شبكة أوسع من التحالفات المعلنة والضمنية. فبينما سارعت قوى حليفة لطهران، مثل حزب الله ومؤخراً جماعة الحوثي، إلى إعلان انخراطها المباشر في الصراع، برز في المقابل نمط موازٍ من الدعم غير المعلن، تقوده أطراف إقليمية تتحرك في هامش الرمادية الاستراتيجية.

في هذا السياق، تكتسب إريتريا أهمية خاصة، ليس فقط بحكم موقعها الجغرافي المشرف على الضفة الأفريقية للبحر الأحمر والمقابلة للسواحل اليمنية، بل أيضًا لكونها تمثل نقطة ارتكاز محتملة لعمليات الإسناد غير المباشر، سواء عبر تسهيل الحركة اللوجستية أو توفير عمق جغرافي لأنشطة يصعب رصدها، بما يعزز قدرة إيران وحلفائها على توسيع نطاق التأثير في مسرح العمليات البحري.

إيران وإريتريا..... تموضع استراتيجي في معادلات البحر الأحمر

كشف تقرير في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أن إيران تقوم بتزويد إريتريا بطائرات مسيّرة وتكنولوجيا ذات صلة، يمكن أن تسهم في تعزيز القدرات العملياتية، وربما تمهّد لإدماج هذه الأصول في أنماط هجومية ضمن عمليات البحر الأحمر. وفي هذا السياق، أكد تقرير أن إيران أعادت منذ عام 2024 ترسيخ موطئ قدم لها داخل إريتريا، وذلك عقب فترة من الانكفاء النسبي بفعل ضغوط دولية. ولم يقتصر هذا الحضور على الأطر التجارية التقليدية، بل امتد إلى استخدام مينائي عصب ومصوع في وظائف تتجاوز النشاط المدني الروتيني، بما يعكس توجهاً نحو توظيف هذه المنشآت ضمن شبكات الدعم اللوجستي والعسكري غير المباشر.

تستند العلاقات بين إريتريا وإيران إلى جذور ممتدة تعود إلى أواخر ثمانينيات القرن الماضي، حين التقى قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الإيراني، بالرئيس الإريتري أسياس أفورقي عام 1989، في سياق تبلور تفاهمات أولية ركزت على دعم القدرات العسكرية الإريترية مقابل تواجد إيراني في محيط باب المندب. ومع تصاعد التقارب الإسرائيلي–الإثيوبي منذ عام 2004، اتجهت أسمرة إلى تعميق تعاونها مع طهران كجزء من موازنة إقليمية مضادة. تجلى هذا المسار بوضوح في زيارة أفورقي إلى طهران عام 2008. وقد أعلن أسياس أفورقي دعم بلاده لحق إيران في تخصيب اليورانيوم، منتقدًا التدخلات الغربية في برنامجها النووي، ومؤكدًا أن معالجة المخاطر المرتبطة به ينبغي أن تتم ضمن الإطار الإقليمي بين الدول المعنية.

يتضح أن إريتريا لم تعد مجرد دولة هامشية على سواحل البحر الأحمر، بل تحولت إلى فاعل صامت ضمن شبكة النفوذ الإقليمي التي تقودها إيران

في هذا السياق، عمل الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، خلال حكمه الذي انتهى عام 2013، على إعادة توجيه بوصلة السياسة الخارجية الإيرانية نحو أفريقيا لكسر العزلة الدولية. ففي ظل تصاعد الضغوط الغربية والأمريكية على طهران، كثّف نجاد من حضوره في القارة، وهو ما عكسته جولاته في عدد من الدول الأفريقية عام 2009، مستفيدًا من البيئة الدينية والاجتماعية في القارة. واكتسبت العلاقة مع أسمرة طابعًا استراتيجيًا، تُرجم بتوقيع سلسلة من الاتفاقيات الثنائية، كان أبرزها منح الحكومة الإريترية لإيران حق السيطرة الحصرية على مصفاة النفط الإريترية في أواخر عام 2008، في خطوة عكست مستوى غير مسبوق من الثقة السياسية والتداخل الاقتصادي، ورسّخت حضور طهران على البحر الأحمر.

تشير صحيفة هآرتس العبرية إلى أن الرئيس الإريتري أسياس أفورقي أتاح لسفينة "MV Saviz"، التابعة للحرس الثوري الإيراني، العمل داخل المياه الإقليمية الإريترية قرب أرخبيل دهلك، خلال الفترة ما بين 2016 و2020، في مؤشر على عمق الترتيبات غير المعلنة بين إريتريا وإيران. غير أن هذا الوجود لم يمر دون تحديات، إذ تعرضت السفينة لهجوم في أبريل/نيسان 2021 نُسب إلى إسرائيل، ما دفع أسمرة إلى اتهام تل أبيب بانتهاك سيادتها. وجاءت هذه الحادثة ضمن نمط أوسع من حرب الظل البحرية بين إيران وإسرائيل، حيث تبادل الطرفان استهداف السفن في مسارح متعددة خلال هذه الفترة.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، احتجزت سلطات إريتريا ثلاث سفن أذربيجانية عقب دخولها مياهها الإقليمية، في خطوة بدت لافتة في ظل غياب أي سجل سابق من التوترات بين أسمرة وأذربيجان. ووفق ما أوردته تقارير، كانت هذه السفن تحمل معدات ذات طابع عسكري، شملت رادارات وذخائر مخصصة لطائرات مسيّرة. يكتسب هذا التطور دلالات أوسع، إذ يُنظر إلى أذربيجان بوصفها أحد الشركاء المقربين من إسرائيل، ما يفتح الباب أمام تفسير الخطوة الإريترية باعتبارها انعكاسًا غير مباشر لتنامي النفوذ الإيراني في دوائر صنع القرار بأسمرة.

تلفت هآرتس إلى أن إيران تُعد الشريك الأكثر حضورًا في علاقاتها مع إريتريا، تليها كل من الصين وروسيا، في إطار شبكة علاقات تميل إلى موازنة الضغوط الغربية. يظهر هذا التموضع بوضوح في سلوك الرئيس أسياس أفورقي، إذ رغم انتقاداته المتكررة لكل من إسرائيل والولايات المتحدة، امتنع عن إدانة جماعة الحوثي وطهران خلال حرب ال 12 يومًا في يونيو/حزيران 2025، أو حتى الحرب الجارية الآن، ما يعكس حسابات سياسية تتجاوز الخطاب العلني. وتربط الصحيفة هذا الموقف بجملة من الاعتبارات الداخلية، في مقدمتها التدهور الاقتصادي الذي تعانيه. ففي ظل اقتصاد محدود يعتمد بدرجة كبيرة على قطاع التعدين والتحويلات المالية، يتضح أن أسمرة تسعى إلى توظيف علاقاتها الإقليمية كوسيلة لتعويض الضغوط الاقتصادية.

إريتريا ودور الحوثيين في تعزيز النفوذ الإيراني

تُعد العلاقة بين جماعة الحوثي وإريتريا امتدادًا طبيعيًا لشبكة التحالفات الأوسع بين إيران وأسمرة، حيث تستفيد طهران من هذا المحور لتعزيز قدرات الحوثيين عبر أروقة إقليمية معقدة لتهريب الأسلحة ومكوناتها. ويظهر هذا بوضوح قبل انخراط الحوثيين المباشر في الحرب إلى جانب إيران، في 28 مارس/آذار 2026، عندما أفادت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا بوصول أفراد إيرانيين إلى مدينة الحديدة على متن مركب شراعي انطلق من مناطق القرن الأفريقي. ورغم تكثيف الولايات المتحدة لحملات الاعتراض البحرية في محاولة لتضييق الخناق على هذه الشبكات، تشير المعطيات إلى أن جهودها لم تنجح في إغلاق خطوط التهريب بالكامل.

مع تصاعد التقارب الإسرائيلي–الإثيوبي منذ عام 2004، اتجهت أسمرة إلى تعميق تعاونها مع طهران كجزء من موازنة إقليمية مضادة

في هذا السياق، كشف القيادي في حزب العدالة والتنمية الإريتري المعارض، شكري أحمد، عن إنشاء معسكرات تدريب إيرانية على الأراضي الإريترية منذ عام 2009. وأوضح أن هذه الخطوة جاءت عقب توقيع اتفاقية تعاون بين إريتريا وإيران في نفس العام، والتي فتحت قنوات لتدفق الأسلحة عبر أسمرة إلى اليمن، ما أتاح للحوثيين الوصول إلى دعم لوجستي واستراتيجي متواصل. وأشار أحمد إلى وجود ثلاثة معسكرات رئيسية يديرها الحرس الثوري الإيراني لتدريب الحوثيين، يقع الأول قرب ميناء عصب، والثاني على الساحل الشمالي، والثالث في منطقة ساوا، وهو ما أكّدته شركة الاستشارات الأمنية الأمريكية ستراتفورد. وتبرز هذه المعسكرات كعنصر محوري في قدرة إيران على توسيع نفوذها البحري واللوجستي في البحر الأحمر وخليج عدن.

عام 2015، تأثرت شبكة التحالفات بين إيران وجماعة الحوثي وإريتريا، مع تصعيد الحرب التي قادتها الإمارات والسعودية ضد الحوثيين في اليمن، وذلك بعد أن فتحت إريتريا مدينة عصب لاستضافة قاعدة عسكرية إماراتية. وفي أبريل/نيسان 2015، زار الرئيس أسياس أفورقي السعودية، ولاحقًا وقّعت إريتريا عقد إيجار ميناء عصب لصالح السعودية والإمارات لمدة 30 عامًا، مصحوبًا بمساعدات مالية خليجية. ونتيجة لهذه التحولات، قطعت إريتريا علاقاتها الدبلوماسية مع إيران في يناير/كانون الثاني 2016، في خطوة سعت السعودية لاستغلالها لتقويض النفوذ الإيراني في دول القرن الأفريقي.

إريتريا وتسهيل النفوذ الإيراني في ظل التنافس مع إسرائيل

أكد موقع Horn Review الإثيوبي أن إيران تنقل الطائرات المسيرة والتقنيات العسكرية إلى السودان عبر إريتريا، ففي يونيو/حزيران 2025 أكدت مصادر استخباراتية وصول طائرات من طراز مهاجر 6 وأنظمة TB2 إلى السودان عبر مطار أسمرة. وليست السودان وحدها، إذ أن إيران تستخدم مينائي عصب ومصوع الإريتريين لتسهيل شحنات عسكرية إلى اليمن، ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2025 هبطت طائرة في مصوع كانت تحمل طائرات بوينغ 747 وطائرات إيل 62، ما حول موانئ إريتريا إلى مركز محوري لعمليات إيران الإقليمية، ويمثل امتدادًا لآليات الدعم التي توفرها أسمرة للحوثيين وسواهم من الحلفاء في المنطقة.

تحولت موانئ إريتريا إلى مركز محوري لعمليات إيران الإقليمية، ويمثل امتدادًا لآليات الدعم التي توفرها أسمرة للحوثيين وسواهم من الحلفاء في المنطقة

في سياق التنافس الإقليمي على محور البحر الأحمر وخليج عدن، تتقاطع الديناميات الإريترية مع النفوذ الإيراني والحوثي مع مصالح إسرائيل في المنطقة. فقد أقامت إريتريا علاقات دبلوماسية مع إسرائيل منذ عام 1993، لكنها تدهورت عام 1998 بعد اتهام أسمرة بانحيازها لإثيوبيا خلال الحرب الإريترية الإثيوبية، قبل أن تتحسن مجددًا لاحقًا. ووفق تقارير، أنشأت إسرائيل قاعدة عسكرية في أرخبيل دهلك الإريتري، والتي اعتُبرت ثاني أكبر قاعدة بحرية إسرائيلية خارج حدودها، في محاولة للسيطرة على مضيق باب المندب ومواجهة النفوذ الإيراني المتنامي عبر إريتريا والحوثيين. غير أن الهجمات التي شنها الحوثيون عام 2023 دفعت إسرائيل إلى إخلاء القاعدة، ما دفع تل أبيب إلى تعزيز وجودها في القرن الأفريقي عبر الاعتراف بـصوماليلاند كدولة مستقلة في 26 ديسمبر/ كانون الثاني 2025، وهو ما قد يمهد لإنشاء منشآت عسكرية إسرائيلية جديدة، ويبرز مدى تعقيد المحاور العسكرية واللوجستية في البحر الأحمر في مواجهة النفوذ الإيراني والحوثي.

يتضح أن إريتريا لم تعد مجرد دولة هامشية على سواحل البحر الأحمر، بل تحولت إلى فاعل صامت ضمن شبكة النفوذ الإقليمي التي تقودها إيران. فالدور الإريتري لا يُقاس بحجم الإعلان السياسي، بقدر ما يتجلى في طبيعة الوظائف غير المباشرة التي تؤديها، سواء عبر تسهيل خطوط الإمداد، أو توفير منصات لوجستية، أو احتضان أنشطة يصعب تتبعها في بيئة بحرية معقدة.