تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 7 يونيو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
كتب

إرث الاستعمار وعثرات الاستقلال: قصة التنمية المتعثرة في أفريقيا

20 مايو, 2026
الصورة
إرث الاستعمار وعثرات الاستقلال: قصة التنمية المتعثرة في أفريقيا
Share

تتناثر في أنحاء أفريقيا بقايا مشروعات كثيرة انتهت إلى الفشل. ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية، أطلقت الحكومة البريطانية خطة واسعة لزراعة الفول السوداني على مساحة 3.5 مليون فدان في تنجانيقا، تنزانيا اليوم. وسُخِّرت لهذا المشروع كتائب من الجرافات، من بينها نحو ستمئة دبابة شيرمان جرى تعديلها لإزالة الأحراش. وبُنيت مدينة جديدة، وتوافد الخبراء، لكن لم تُبع في النهاية حبة فول سوداني واحدة. وبعد إنفاق 36 مليون جنيه إسترليني، أي ما يعادل نحو مليار جنيه اليوم، تخلّت الحكومة عن المشروع. ولم يكن ذلك المثال الوحيد؛ فقد كلّف مشروع آخر لتحويل غامبيا إلى بلد منتج للبيض خمسة ملايين جنيه، من دون أن تُصدَّر بيضة واحدة.

على الرغم من الإخفاقات والعثرات والمظالم التي رافقت سبعين عاما من الحكم الاستعماري الأوروبي، فإن الإرث الاستعماري ترك أيضا شبكة واسعة من البنى التحتية، شملت السكك الحديدية والطرق والموانئ والمشروعات الكهرومائية والمستشفيات والمدارس.

لقد ساهمت هذه المنشآت في إرساء أسس اقتصادات حديثة. كما أحدث التعليم الغربي، وانتشار القراءة والكتابة تحولات عميقة في مجتمعات أفريقيا المدارية. ومع الوقت، أصبحت المستعمرات الأفريقية مصدرا مهما لمحاصيل زراعية، مثل: القطن والكاكاو والبن. وظلت ساحل الذهب، أي غانا، أكبر منتج للكاكاو في العالم طوال أربعين عاما، في حين كانت نيجيريا، عند استقلالها عام 1960، أكبر مصدّر عالمي للفول السوداني ومنتجات النخيل.

في حقبة الاستقلال، ابتداء من خمسينيات القرن العشرين، حافظ الاقتصاديون الغربيون ووكالات التنمية على نفوذ واسع في توجيه الحكومات الأفريقية بشأن الاستراتيجيات الاقتصادية وخيارات الاستثمار. وقد دافع هؤلاء عن التصنيع الذي تقوده الدولة بوصفه الطريق إلى النمو، وتحسين مستويات المعيشة، مستندين إلى أفكار كانت رائجة في أوروبا آنذاك حول مزايا التأميم ودور الدولة في إدارة الاقتصاد.

بسبب جهلها الواسع بالداخل الأفريقي الشاسع، لجأت هذه القوى إلى رسم خطوط مستقيمة على الخريطة، شاقّة طريقها عبر عدد لا يحصى من المجتمعات الأفريقية، وجامعة داخل الإقليم الواحد مئات الجماعات المتنوعة والمستقلة، التي لا يجمعها تاريخ أو ثقافة أو لغة أو دين

تلقّف القادة الأفارقة هذه المهمة بحماسة، فأطلقوا عددا كبيرا من مؤسسات الدولة، شملت المرافق العامة، والصناعات التحويلية، ومشروعات التجارة والنقل والزراعة. كما أنفقوا ببذخ على مشروعات رمزية تستهدف إظهار الهيبة، مثل: القصور الرئاسية ومراكز المؤتمرات وشركات الطيران والفنادق والطرق الكبرى. غير أن معظم هذه المشروعات كان سيئ التخطيط، ضعيف الإدارة، متخما بالعمالة، خاسرا، وسرعان ما غرق في الديون.

في ثمانينيات القرن العشرين، وبعد عقدين من التراجع الاقتصادي، دفعت الوكالات الغربية باتجاه استراتيجية جديدة، تقوم على الاعتماد على القطاع الخاص وقطاع الأعمال، لا على الدولة، بوصفهما المحركين الرئيسيين للنمو الاقتصادي.

في سلسلة من المقالات ذات النبرة الاستفزازية والمرحة، تجادل برونوين إيفريل، المؤرخة في جامعة كامبريدج، بأن التدخل الغربي في أفريقيا، على مدى قرنين، انطلق غالبا من نيات حسنة تتعلق بما عُدّ ضروريا لمكافحة الفقر، وتعزيز التنمية الاقتصادية. لكنه، في الوقت نفسه، فرض تصورات غربية عن النمو والثروة والدَّين، متجاهلا التقاليد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الأفريقية.

ترى إيفريل أن محاولات إصلاح الاقتصادات الأفريقية فشلت لأنها قامت على فرضية مضللة، مفادها أن هذه الاقتصادات لا تحتاج إلا إلى أن تصبح أكثر شبهًا بالاقتصادات الغربية. وتكتب في هذا السياق: "كانوا يعتقدون أن هناك مجموعة من القوانين الاقتصادية الكونية التي يمكن تطبيقها في أي مكان".

على الرغم من الإخفاقات والعثرات والمظالم التي رافقت سبعين عاما من الحكم الاستعماري الأوروبي، فإن الإرث الاستعماري ترك أيضاً شبكة واسعة من البنى التحتية، شملت السكك الحديدية والطرق والموانئ والمشروعات الكهرومائية والمستشفيات والمدارس

تعرض إيفريل حججها بسلاسة ووضوح، وبوصفه عملا في البحث التاريخي، يتألق كتاب أفريكونوميكس في مواضع كاشفة، ولا سيما في المقاطع التي ترسم بدايات الاتصال بين الأوروبيين والمجتمعات الأفريقية في القرن التاسع عشر. غير أن الأدلة التي تختارها المؤلفة تبدو شديدة الانتقائية وضيقة التركيز؛ إذ تغيب عنها الصورة الأوسع. فهي لا تشرح، مثلًا، كيف كان يمكن لأفريقيا أن تتطور من دون التكنولوجيا والخبرة ورأس المال الغربي، وهي عناصر جاءت، بطبيعة الحال، محمّلة بحزمة من الذهنيات الأجنبية، وسوء الفهم، والأحكام المسبقة.

يغيب عن الكتاب أيضا أي إقرار كاف بدور القادة الأفارقة في تحديد مصائر دولهم، وبالأضرار الجسيمة التي ألحقتها أنظمة كثيرة بشعوبها. وتكفي حالتان لتوضيح هذه النقطة. فقد دخلت غانا عهد الاستقلال عام 1957، وهي واحدة من أغنى البلدان المدارية في العالم؛ إذ امتلكت جهازا إداريا كفؤًا، وقضاء محايدا، وطبقة وسطى مزدهرة، وآفاقًا اقتصادية واعدة. وإلى جانب كونها أكبر منتج للكاكاو في العالم، وامتلاكها احتياطيات ضخمة من النقد الأجنبي تراكمت خلال طفرة الكاكاو في خمسينيات القرن العشرين، كانت غانا تمتلك أيضا الذهب والأخشاب والبوكسيت. لكن، خلال عقد واحد فقط، أصبحت البلاد مفلسة فعليًا، مثقلة ببنية صناعية ضخمة ومترهلة وخاسرة، وقد دفعتها أوهام زعيمها كوامي نكروما الخلاصية وأساليبه الدكتاتورية إلى الفقر والفساد.

في تنزانيا، كان جوليوس نيريري يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه قائدا استثنائي القدرة، مكرسا لقضية التغلب على الفقر. وقد صاغ مُثله الاشتراكية بوضوح لافت، حتى أصبح من أكثر المفكرين والكتّاب تأثيرًا في أفريقيا في زمانه. كما أكسبته نزاهته الشخصية ونمط حياته المتواضع إعجابًا واسعًا في الغرب، وجلبت لبلاده مساعدات أجنبية كبيرة. وبحلول سبعينيات القرن العشرين، كانت تنزانيا تحصل على مساعدات أجنبية للفرد أكثر من أي بلد أفريقي آخر. ومع تشتت 95 ٪ من سكانها في مناطق ريفية، واعتمادهم على زراعة الكفاف، قرر نيريري زيادة الإنتاج عبر جمع الفلاحين في قرى اشتراكية مكتفية ذاتيًا، تتمتع بخدمات أفضل.

بعد إنفاق 36 مليون جنيه إسترليني، أي ما يعادل نحو مليار جنيه اليوم، تخلّت الحكومة عن المشروع. ولم يكن ذلك المثال الوحيد؛ فقد كلّف مشروع آخر لتحويل غامبيا إلى بلد منتج للبيض خمسة ملايين جنيه، من دون أن تُصدَّر بيضة واحدة

كان من المفترض أن يكون هذا المشروع، المعروف باسم أوجاما، أي "الأسرية" أو "روح العائلة"، طوعيًا. غير أن نيريري، وقد ضاق ذرعًا ببطء التقدم، أمر بإعادة توطين سكان الريف جميعا قسرا. وبين عامي 1973 و1977، نُقل نحو 11 مليون شخص إلى قرى جديدة، فيما مثّل أكبر حركة جماعية للسكان في تاريخ أفريقيا. وقد نُفذ جانب كبير من هذه العملية بالإكراه والعنف. وكادت الاضطرابات الناتجة عنها أن تنتهي بكارثة؛ إذ انهار إنتاج الغذاء، وبرز شبح المجاعة. وفي النهاية، اضطرت حكومة نيريري إلى الاعتماد على الأموال الغربية والمساعدات الغذائية لإنقاذ الموقف.

أخيرًا، وبالنظر إلى العنوان الفرعي لكتاب أفريكونوميكس، يبدو لافتًا أن برونوين إيفريل لا تذكر المثال الأشد فداحة على الجهل الغربي. فقد وقع ذلك خلال «التدافع على أفريقيا» في أواخر القرن التاسع عشر، حين اجتمعت القوى الاستعمارية الأوروبية، بريطانيا وفرنسا وبلجيكا والبرتغال وألمانيا، لتقرير حدود الأقاليم الجديدة التي كانت تعتزم إنشاءها. وبسبب جهلها الواسع بالداخل الأفريقي الشاسع، لجأت هذه القوى إلى رسم خطوط مستقيمة على الخريطة، شاقّة طريقها عبر عدد لا يحصى من المجتمعات الأفريقية، وجامعة داخل الإقليم الواحد مئات الجماعات المتنوعة والمستقلة، التي لا يجمعها تاريخ أو ثقافة أو لغة أو دين. وقد قال رئيس الوزراء البريطاني اللورد سالزبري أمام جمهور في لندن: "لقد كنا نتبادل الجبال والأنهار والبحيرات، ولم يكن يعيقنا إلا عائق صغير، هو أننا لم نكن نعرف على وجه الدقة أين تقع". ومنذ ذلك الحين، لا تزال الدول الأفريقية الحديثة تكابد تبعات ذلك الإرث.