السبت 14 مارس 2026
إن أي هجوم إيراني أو تصعيد عسكري في بحر العرب أو باب المندب سيشكل صدمة اقتصادية إقليمية لدول القرن الأفريقي وشرق أفريقيا. التأثير لن يكون عسكريًا فحسب، بل اقتصاديًا واجتماعيًا واسع النطاق، يشمل ارتفاع الأسعار، ضغط العملات، تراجع النمو، وزيادة احتمالات عدم الاستقرار الداخلي. وفي حالة استمرت الأزمة لوقت أطول، فقد تدخل بعض الدول ـ خصوصًا السودان والصومال وإثيوبيا ـ في مرحلة تضخم مرتفع وأزمة ميزان مدفوعات تتطلب دعمًا ماليًا عاجلًا.
يمثل كل من بحر العرب وباب المندب محورين حيويين في منظومة التجارة والطاقة العالمية، حيث يمر عبر باب المندب ما يقدّر بنحو 10–12٪ من التجارة البحرية العالمية، إضافة إلى 6–8 ملايين برميل نفط يوميًا في الظروف الطبيعية. وفي حالة وقوع تصعيد عسكري أو استهداف للملاحة في هذه الممرات سيؤدي إلى ارتفاع كبير في تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار النفط، وتعطّل سلاسل الإمداد. دول القرن الأفريقي وشرق أفريقيا — خصوصًا جيبوتي وإثيوبيا والصومال وإريتريا والسودان وكينيا — ستكون من أكثر المناطق تأثرًا بسبب اعتمادها الكبير على الواردات وضعف هوامشها المالية.
تُعد هذه الممرات نقطة ربط بين الخليج العربي وأوروبا وشرق أفريقيا. في حالات التوتر:
ترتفع أقساط التأمين البحري من أقل من 1٪ إلى 2–3٪.
قد تزيد تكاليف الشحن البحري بنسبة 30–100٪.
تتحول السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح، مما يزيد زمن الرحلة 10–15 يومًا.
ترتفع أسعار النفط عالميًا بنسبة 15–30٪ في حال التصعيد المتوسط.
يعتمد اقتصاد جيبوتي بشكل رئيسي على الموانئ والخدمات اللوجستية المرتبطة بحركة التجارة عبر البحر الأحمر وباب المندب، كما تمر عبر موانئها أكثر من 90٪ من تجارة إثيوبيا الخارجية. في حال انخفاض حركة السفن بنسبة 40٪ نتيجة أي تصعيد في باب المندب أو بحر العرب، قد تتراجع إيرادات الموانئ والخدمات المرتبطة بها بنسبة تتراوح بين 5٪ و15٪ سنويًا، مما ينعكس مباشرة على ميزان المدفوعات ويزيد الضغط على العملة المحلية والمالية العامة.
أما إثيوبيا، وهي دولة حبيسة تعتمد بصورة شبه كاملة على موانئ جيبوتي لتأمين تجارتها الخارجية، فأي ارتفاع في تكاليف الشحن أو التأمين قد يرفع تكلفة الاستيراد بنسبة 25–40٪، وهو ما سينعكس داخليًا في شكل تضخم إضافي يتراوح بين 8٪ و15٪، خصوصًا في أسعار الوقود والسلع الغذائية. وفي حال استمرار الأزمة لفترة ممتدة، قد يتراجع معدل النمو السنوي بما بين 1 إلى 2 نقطة مئوية نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف القدرة الشرائية.
بدوره يعتمد اقتصاد الصومال على الواردات الغذائية والوقود بشكل كبير، لذا أي اضطراب في خطوط الملاحة سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الوقود بنسبة 30–40٪، ما سينعكس مباشرة على تكاليف النقل وأسعار الغذاء. وقد يضيف ذلك ما يصل إلى 10٪ تضخمًا إضافيًا، مع ارتفاع احتمالات التوترات الاجتماعية والأمنية نتيجة الضغط المعيشي في بيئة اقتصادية وأمنية هشة أصلًا.
ستواجه إريتريا، ذات الاقتصاد المحدود والاحتياطيات الأجنبية الضعيفة، ارتفاعًا في أسعار السلع الأساسية يتراوح بين 15٪ و25٪. هذا الارتفاع سيزيد الضغط على النقد الأجنبي، ويقيد القدرة على تمويل الواردات، مما قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي حاد إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة.
أما السودان الذي يعتمد على ميناء بورتسودان في البحر الأحمر لتأمين تجارته الخارجية، فإن ارتفاع تكاليف الشحن وأسعار الطاقة قد يزيد فاتورة استيراد الوقود والقمح بنسبة 20–35٪. ومع الوضع الاقتصادي الهش أصلًا، قد يؤدي ذلك إلى تضخم إضافي يتجاوز 10٪ فوق المستويات الحالية، فضلًا عن ضغط كبير على العجز التجاري وتكاليف الدعم الحكومي.
كينيا، أكبر اقتصاد في شرق أفريقيا، والتي تعتمد على ميناء مومباسا كمركز تجاري إقليمي، فمن المرجح أن تشهد ارتفاعًا في تكلفة الوقود يتراوح بين 15٪ و30٪. وقد يؤدي ذلك إلى زيادة التضخم بنسبة 3–6٪ إضافية، مع احتمال تراجع النمو الاقتصادي بنحو 0.5 إلى 1 نقطة مئوية، إضافة إلى ضغوط على العملة المحلية نتيجة زيادة الطلب على الدولار لتمويل الواردات المرتفعة التكلفة.

ارتفاع مستويات الدين الخارجي لتمويل الواردات
اضطراب في الملاحة أو زيادة في تكاليف التأمين والشحن عبر باب المندب سينعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية في دول مثل جيبوتي والصومال وإثيوبيا. هذه الدول تعتمد بدرجات متفاوتة على الواردات الغذائية والوقود، وأي ارتفاع في التكلفة سيؤدي إلى اتساع عجز الميزان التجاري. ومع محدودية الموارد المحلية، قد تضطر الحكومات إلى الاقتراض الخارجي لتأمين احتياجاتها الأساسية، ما يفاقم مستويات الدين العام ويزيد هشاشة اقتصاداتها أمام الصدمات.
تراجع الاستثمار الأجنبي بسبب المخاطر الجيوسياسية
جذب القرن الأفريقي خلال السنوات الماضية استثمارات في الموانئ والبنية التحتية والمناطق اللوجستية، مستفيدًا من موقعه الاستراتيجي. لكن تصاعد التوترات المرتبطة بإيران أو أي فاعل إقليمي آخر سيعيد تصنيف المنطقة كبيئة عالية المخاطر. وعادة ما يفر المستثمرون من المناطق غير المستقرة، ما يعني تجميد مشاريع جديدة أو تأجيلها، وارتفاع كلفة التأمين على الاستثمارات القائمة. لتكون النتيجة تباطؤ النمو الاقتصادي وفقدان فرص عمل، كانت هذه الدول تراهن عليها لتخفيف معدلات الفقر والبطالة.
احتمالية عودة نشاط القرصنة البحرية
الاضطراب الأمني في الممرات البحرية قد يخلق فراغًا تستغله شبكات الجريمة المنظمة. منطقة خليج عدن شهدت سابقًا موجات من القرصنة، ومع أي تراجع في التنسيق الدولي أو انشغال القوى الكبرى بصراعات أوسع، يمكن أن تتجدد هذه الظاهرة. عودة القرصنة لن تضر فقط بالتجارة الدولية، بل ستضرب الاقتصادات المحلية المرتبطة بالموانئ والنقل البحري، وتزيد من عسكرة السواحل، ما يفاقم التوترات الإقليمية.
زيادة التوترات السياسية الداخلية نتيجة الضغوط الاقتصادية
ارتفاع الأسعار ونقص السلع وتراجع فرص العمل تشكل بيئة خصبة للاحتجاجات والاضطرابات الاجتماعية، في دول تعاني أصلًا من هشاشة مؤسساتية وصراعات داخلية، ما قد يحول الضغوط الاقتصادية إلى أزمات سياسية حادة. كما قد تستغل قوى داخلية أو خارجية هذا المناخ لتعزيز نفوذها، ما يعمق الانقسامات ويقوض جهود الاستقرار.