السبت 6 ديسمبر 2025
في إحدى السنوات مرت بلادنا بضائقة شديدة، ارتفعت الأسعار وكانت النقود عزيزة، عجز الكثيرون عن توفير الاحتياجات الأساسية، وعجز بعض المرضى عن شراء الأدوية، وخلال عملي الصيدلاني، كنت أتأرجح كثيرا ما بين ضميري الإنساني المتعاطف مع من لا يملكون المال، وبين متطلبات استمرار العمل في مؤسسة ربحية لا تحتمل الخسارة.
كنت أستغرب كثيرا من الطلب العالي من النساء، على المستحضرات التي انحرف استخدامها من الأغراض العلاجية إلى استخدامات تجميلية- بحسب رؤية من يستخدمنها- وغالبا ما يعطين هذه المستحضرات أسماءً شعبية، قد تسأل امرأة متوسطة الوزن عن حبة لزيادة الوزن، وتسأل أخرى عن بخاخ لإنبات الخصل أو لإنبات لحية تسمى "حُوتة"، أتساءل ببلاهة: "ما الذي جعل اللحية من معايير جمال النساء؟ لدرجة أن التي لا تستطيع شراء البخاخ تستخدم صبغة سوداء على الجلد حتى تلحق بركب النساء ذوات اللحى"، وتسأل إحداهن عن حقنة لتغيير اللون، أقول لها: لا أعرف، ثم أنصحها بأن تتقبل لونها (وغالبا ما يكون جميلا)، ثم أشير إلى لوني، وأقول لها إنه لم يُعقني عن أي شيء، وتسأل أخرى عن حبة لزيادة الطول، وأجعل من نفسي مثالا، وأقول لها بأن قصر قامتي لم يسبب لي أية مشكلة، وتعاتبني أخرى بعدم اهتمامي بمستحضرات التجميل، فأنسى الجانب الاقتصادي لعملي، وأتمسك بواجبي الثقافي الذي يرفض أن أتعامل مع المرأة فقط وكأنها ماكينة للنقود، فأقول لها ما تقصدينه مستحضرات تشويه، إذا كنا دقيقين. قد يبدو كلامي لهن مقنعا، ولكني أراهن لا يردن مقاومة قوة أخري أكبر منهن، نعم، إنهن مقهورات، وإلا فما الذي يدفع امرأة تعاني أسرتها من ضائقة معيشية، وتستقطع من ميزانيتها الشحيحة لتشتري بخاخا لإنبات اللحية!
مسألة الشكل مهمة جدا بالنسبة للمرأة، فقد ارتبطت في العقل الجمعي بالزواج والوظيفة والترقي، وهذا ما يجعل النساء قلقات بشأن مظهرهن، وقد يقعن فرائس لقيم جمالية متضاربة، فهن يسعين إلى عولمة أجسادهن مع الحفاظ على المعايير المحلية.
معايير الجمال النسائي في أفريقيا تتميز بخصوصية ثقافية عميقة الجذور، تختلف جوهرياً عن المعايير الغربية أو العالمية التي تهيمن على وسائل الإعلام والتسويق، وتختلف كذلك من مجتمع إلى آخر، في العديد من المجتمعات الأفريقية، يرتبط الجمال التقليدي بأشكال جسدية مثل: الأرداف الممتلئة والخصر النحيل والصدر المعتدل، وهي معايير مدعومة بموروثات قبلية وتراثية، تقيس الجمال بأبعاد تجمع بين القوة الصحية والقدرة على الإنجاب، مما يعكس قيم اقتصادية واجتماعية قديمة ترتبط بالوفرة والازدهار، ولم تكن هنالك مبالغة في الحصول على هذه الصفات، ولم يكن للنساء هوس أن يكن جميعا متساويات شكلياً، وكان بعض التسمين يتم بطريقة طبيعية، أو بالتركيز على بعض الأطعمة أو المنتجات المحلية، في ظروف خاصة كتسمين العروس في السودان وموريتانيا.
أما الآن، وبغرض تسريع العملية، تلجأ بعض النسوة لتحقيق ذلك بوسائل خطيرة كالحقن أو الحبوب أو عمليات تكبير الأرداف BBL ذات نسبة الوفيات المرتفعة. أما لون البشرة الداكن فيعتبر في سياقات كثيرة معياراً للجمال والهوية العرقية الأصيلة، مغايراً لما تروج له منتجات تفتيح البشرة ذات الجذور الاستعمارية. وفي بعض القبائل، مثل ماساي، تمطيط شحمة الأذن وارتداء الزينة الثقيلة يعتبران من علامات الجمال التي تجسد مكانة المرأة داخل مجتمعها. كما أن ممارسات مثل: حلق الرأس أو مد جلد الشفاه ودهن الجسم بألوان طبيعية تعبر عن التنوع والتعدد الثقافي للمعايير الجمالية الأفريقية.
مع توسع تأثير العولمة ووسائل الإعلام الحديثة، تبرز صراعات نفسية واجتماعية بين معايير الجمال المحلية والأخرى المستوردة. تظهر دراسات أن الإعلام الأفريقي المقروء والمرئي غالباً ما يميل إلى تعزيز الصور الجمالية الأوروبية من حيث لون البشرة أو شكل الشعر المستقيم وملمسه الناعم، ما يخلق إحساساً بالاغتراب أو عدم القبول الذاتي بين النساء الأفريقيات، وبالتالي، ثمة استجابة نسائية متباينة بين الاحتفاء بالقيم الذاتية واستعمال منتجات تجميل تعكس ضغط استلاب ثقافي، وهو ما يجعل من صناعة الجمال ساحة للصراع بين التمكين الثقافي واستمرار التبعية الجمالية.
هذه الديناميات الثقافية والاجتماعية تُفسّر جزئياً سبب استمرارية الطلب الكبير على منتجات تبييض البشرة، وحقن تكبير الأثداء والأرداف، والشعر المستعار، التي تتخطى كونها مجرد تجارة لتصبح امتداداً لنظام اجتماعي يصوغ السلطة والهوية من خلال التحكم بالصورة الجسدية النسائية في القارة.
هذا العبء الصحي يتحول إلى تكلفة اقتصادية غير مباشرة عبر فقدان أيام العمل، وتكاليف العلاج، وزيادة الضغط على الموازنات الصحية في دول تعاني أصلا من محدودية الإنفاق الطبي للفرد
تُظهر الدراسات أن معايير الجمال المفروضة تخلق ضغطاً نفسياً متزايداً على النساء، مما يؤدي إلى اضطرابات تقدير الذات وزيادة القلق الاجتماعي، ويحفز اللجوء المفرط لاستخدام مستحضرات تجميل خطرة سعياً لمواكبة المتطلبات الثقافية والجمالية. وتعمل الصور المفلترة على أنستغرام، والإعلانات التلفزيونية على زيادة الشعور بالاحتياج، والسوق ابن الاحتياج.
تمارس الميديا سلطة ضمنية على أجساد النساء، وفهمهن لجمال الذات، وتجبرهن على الاقتداء بالنموذج الغربي الذي تجسده النجمات باعتباره الشكل الأسمى للجمال البشري، وكل شكل عدا ذلك إنما هو انحراف للطبيعة عن مسارها الصحيح، وعلى النساء أن يصححن هذا بمنتجات سحرية وفرتها لهن الشركات التي تحرص على إسعادهن بشتى الطرق (كما تدعي)، لتكون كل واحدة منهن نجمة هي الأخرى، ولكن نجمة في سماء الاستهلاك فقط.
لقد تحولت صناعة الجمال- أو التشويه بحسب نظرتي- إلى منظومة اقتصادية ضخمة تحرسها مؤسسات إعلامية ذات قدرات جبارة، لتستنزف الدخل الفردي، وتعيد تشكيل أولويات الإنفاق داخل الأسر، فالتجميل (التشويه) لم يعد تعبيرا فرديا عن الذوق، بل أصبح سعيا وراء صورة مستوردة، ترسخ الشعور بالنقص أكثر من إكسابها لمن يستخدمها أية إضافة جمالية، وكلما ظنت إحداهن أنها استوفت شروط الكمال، ظهرت لها نقائص أخرى، وهكذا عليها أن تلهث وراء المزيد، وستجد ضالتها عند الشركات التي تسعى إلى إسعادها، وبهذا تتوسع السوق باستمرار، دون أن تحقق أي شيء له جدوى في حياة النساء، سوى وهم المواكبة.
تحقق سوق التجميل أرباحا طائلة تقدر بمليارات الدولارات، وتتضارب البيانات حول الحجم الحقيقي للإنفاق على هذه المستحضرات، لأنها متاحة عبر الأسواق الشعبية والمنصات الإلكترونية، ما يعني استمرار تدفق رأس المال إلى سوق موازية يصعب ضبط حجمها ماليا، لكن تقديرات منظمات بيئية تصفها بمليارات الدولارات عالميا.
وتشير بيانات سوقية حديثة إلى أن إيرادات سوق الجمال والعناية الشخصية في أفريقيا وحدها قد تتجاوز 65–70 مليار دولار في 2025، مع نمو سنوي مستمر، ما يعني أن مليارات الدولارات تُضَخ سنويا في منتجات مرتبطة بصورة الجسد والهوية الشكلية.
تُظهر الدراسات أن معايير الجمال المفروضة تخلق ضغطاً نفسياً متزايداً على النساء، مما يؤدي إلى اضطرابات تقدير الذات وزيادة القلق الاجتماعي، ويحفز اللجوء المفرط لاستخدام مستحضرات تجميل خطرة سعياً لمواكبة المتطلبات الثقافية والجمالية
تذكر بعض التقارير أن سوق مستحضرات تفتيح البشرة في الشرق الأوسط وأفريقيا قد حقق إيرادات تقدَّر بنحو 927.7 مليون دولار عام 2023، مع توقع أن يصل إلى حوالي 1.2 مليار دولار بحلول 2030، بمعدل نمو سنوي يقارب 3.8٪، ما يعني إنفاقا يقارب 0.9–1 مليار دولار سنويا على تفتيح البشرة في هذه المنطقة وحدها. وفي 2024 تُقدِّر تقارير أخرى حجم سوق "عوامل تفتيح البشرة" في الشرق الأوسط وأفريقيا بنحو 866.7 مليون دولار، مع توقع نموه إلى 1.55 مليار دولار في 2033، وهو ما يؤكد استمرار الطلب المرتفع على هذه المنتجات رغم التحذيرات الصحية.
ففي جنوب إفريقيا وحدها، قُدّر حجم سوق منتجات تفتيح البشرة بحوالي 89 مليون دولار في عام 2024، مع توقعات بأن يرتفع إلى قرابة 151 مليون دولار بحلول 2033، بمعدل نمو سنوي يفوق 6٪، وهو ما يوضح قوة الطلب المحلي على هذه الفئة من المنتجات. أما في نيجيريا فقد قدّر تقرير متخصص حجم سوق منتجات تبييض البشرة فيها بنحو 55.7 مليون دولار أمريكي في 2024، مع توقع وصوله إلى قرابة 97.6 مليون دولار في 2033 (معدل نمو سنوي يفوق 6٪).
أما بالنسبة للشعر المستعار والامتدادات، فيُظهِر تقرير عن سوق الباروكات والامتدادات المجدولة أن منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تستحوذ على نحو 130.3 مليون دولار من المبيعات في 2024 ضمن سوق عالمي يقدَّر بحوالي 6.5 مليار دولار، مع نمو إقليمي متوقَّع يقارب 7.9٪ سنوياً حتى 2031. وتقدِّر دراسة أخرى أن سوق الشعر المستعار والامتدادات في الشرق الأوسط وأفريقيا يمكن أن يصل إلى نحو 807.5 مليون دولار في 2030، ما يعني أن الإنفاق في منتصف العقد الحالي يدور في حدود مئات ملايين الدولارات سنويا على الشعر المستعار وحده. وتُعد جنوب أفريقيا ونيجيريا من بين الدول الكبرى في سوق الباروكات بالقارة، وأكبر الاقتصادات وأكثر الدول استخداماً لمجمل مستحضرات التجميل والشعر باستمرار.
لا شك أن مبيعات المواد المستعملة لزيادة الوزن أو تكبير الصدر والأرداف (حبوب، حقن، وفيلرات للتكبير الجسدي)، لا تقل عن سابقاتها من المنتجات، ولكن لا توجد تقديرات خاصة بأفريقيا وحدها، لأنها تباع في السوق الموازي، ويمكننا المقارنة بالنظر إلى سوق الحشوات والتكبير الجسدي عالميا، والذي يُقدَّر بنحو 1.16 مليار دولار في 2024، مع نمو متسارع قد يرفعه إلى أكثر من 7 مليارات دولار بحلول 2035، مع الأخذ في الاعتبار أن السمنة ليست من المعايير الغربية للجمال، هذه الأرقام جزء من الطلب القادم من دول أفريقية ذات طبقات وسطى صاعدة.
إن النقد الثقافي مهم جدا للحفاظ على الهوية الأفريقية، وعلى كرامة الأفريقيات حتى لا تتحول أجسادهن إلى كتلة لحمية تشكلها دعايات التجميل كما يشكل النحات التماثيل
لكن ما الذي تجنيه النساء من وراء ذلك الجمال المتوهم؟ والإجابة: آثار جانبية خطيرة، فمستحضرات تبييض البشرة تحتوي على مواد خطيرة، مثل: الزئبق والهيدروكوينون، ولها آثار جانبية عديدة، مثل: اعتلال الكلى واضطرابات عصبية ومشكلات جلدية مزمنة واضطراب هرموني. أما إساءة استخدام الستيرويدات والهرمونات ومكملات التسمين تؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم والسكري واضطراب الدورة الشهرية، ومضاعفات كبدية وكلوية، بجانب اضطرابات نفسية مرتبطة بتذبذب الوزن وصورة الجسد.
هذه الأضرار تزداد حدة بسبب غياب المتابعة الطبية، وتداول وصفات "مجرَّبة" بين الصديقات أو المؤثرات على المنصات الرقمية، ما يرفع احتمالات التسمم الدوائي ومضاعفات طويلة الأمد. هذا العبء الصحي يتحول إلى تكلفة اقتصادية غير مباشرة عبر فقدان أيام العمل، وتكاليف العلاج، وزيادة الضغط على الموازنات الصحية في دول تعاني أصلا من محدودية الإنفاق الطبي للفرد.
هذه الظواهر قد يستهين بها الأفراد، لكن مكمن خطورتها يكمن في الأثر التراكمي، فضياع مثل هذه الثروات مقابل الوهم الجمالي وآثاره الصحية، لا يقل خطورة عن سرقة ثروات أفريقيا والمرآة التي تنظر بها إلى نفسها والبوصلة التي تحدد لها إلى أين ستمضي بعيدا عن إملاءات الآخرين.
نحتاج اليوم إلى معالجات منهجية عديدة: فكرية وثقافية وسياسية، وقد قامت بعض المبادرات التي تدعو إلى التحرر من النظرة الاستعمارية للجسد الأفريقي. إن النقد الثقافي مهم جدا للحفاظ على الهوية الأفريقية، وعلى كرامة الأفريقيات حتى لا تتحول أجسادهن إلى كتلة لحمية تشكلها دعايات التجميل كما يشكل النحات التماثيل. وقد قادت دول أفريقية عدة جهود تعديل "اتفاقية ميناماتا" لفرض حظر عالمي أكثر صرامة على تداول مستحضرات التبييض المحتوية على الزئبق، مع التأكيد على أن الحظر على مستوى التصنيع لا يكفي ما دام البيع عبر الإنترنت والأسواق غير الرسمية مستمرا. واتخذت دول مثل رواندا والكاميرون ونيجيريا خطوات قانونية لحظر أو تقييد منتجات التفتيح المحتوية على مواد خطرة، لكن التطبيق العملي يواجه تحديات الفساد، وضعف الرقابة الجمركية، وانتشار التجارة غير الرسمية.