تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 8 فبراير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

إقليم كردفان خارطة المواجهات الجديدة ... هل تغير مسار الحرب في السودان؟

20 ديسمبر, 2025
الصورة
إقليم كردفان خارطة المواجهات الجديدة ... هل تغير مسار الحرب في السودان؟
Share

دخلت الحرب السودانية عامها الثالث، حيث لم تعد خارطة العمليات العسكرية ثابتة كما كانت في بداية المواجهات في أبريل/نيسان 2023. فبعد أكثر من عام من تمركز الاشتباكات العسكرية في الخرطوم، مع امتدادها الكثيف في إقليم دارفور غربي السودان، برز إقليم كردفان في الموجة الثالثة من الحرب كجبهة جديدة في مسرح العمليات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، والقوات والمجموعات التي تقاتل في صفوف الطرفين. وهو ما فتح الأبواب أمام العديد من التساؤلات الجوهرية حول دلالات هذا الانتقال، ومدى تأثيره المحتمل على مسار الحرب من النواحي السياسية والعسكرية والإنسانية.

هذا التحول في الموجة الثالثة من الحرب الدائرة حاليًا لا يمكن قراءته فقط من زاوية كونه مجرد توسّع جغرافي لساحة المواجهات العسكرية، بل يُقرأ أيضًا في سياق كيفية تشكّل خريطة الحرب نفسها في كردفان، ذلك الإقليم الذي ظلّ على مدار تاريخ السودان في قلب التوازنات بين المركز والهامش. فالخارطة الجديدة لمسرح المواجهات تتطلب قراءة معمّقة لتأثيرها على ميزان القوى والمعادلة السياسية المقبلة.

كردفان… العقدة العسكرية والجغرافيا التي تصنع المعركة

تُعد كردفان، التي تبلغ مساحتها 376,145 كلم مربعًا، مقاطعة سابقة في وسط السودان، تم تقسيمها عام 1994 إلى ثلاث ولايات اتحادية: شمال كردفان وجنوب كردفان وغرب كردفان. وفي أغسطس/آب 2005 أُلغيت ولاية غرب كردفان، وقُسّمت أراضيها بين ولايتي شمال وجنوب كردفان، كجزء من تنفيذ اتفاق السلام الشامل بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان، حتى تمت إعادة إنشاء ولاية غرب كردفان لاحقًا في يوليو/تموز 2013.

لا يحقق التقدم العسكري حسمًا حقيقيًا، بقدر ما يراكم الخسائر البشرية والاقتصادية، ويُنهك خطوط الإمداد والإرادة السياسية. فطبيعة الإقليم الجغرافية، واتساع رقعته، وتشابك مجتمعاته، تجعل أي سيطرة مؤقتة هشّة وقابلة للانكسار، بينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر من حصار ونزوح وانهيار للخدمات الأساسية

تتمتع كردفان بموقع استراتيجي بالغ الأهمية، فهي تشكّل حلقة وصل بين وسط وغرب السودان، كما تتحكم في العديد من الطرق الحيوية التي تربط دارفور بالخرطوم، وتمتد جنوبًا نحو ولايات النيل الأبيض وجنوب كردفان. هذه الجغرافيا جعلت الإقليم، منذ عقود، منطقة عبور اقتصادي واجتماعي، لكنه اليوم تحوّل إلى واحدة من أهم وأكثر مناطق العمليات العسكرية حساسية لأطراف الاقتتال في السودان.

تعتمد كردفان بشكل كبير جدًا على تربية الماشية والزراعة، كما تُعد من مناطق إنتاج المحاصيل الاستراتيجية مثل الصمغ العربي والسمسم. لكن تصاعد المواجهات أسفر عن إغلاق عدة محاور رئيسية للإمداد والتجارة، مما أدى إلى شح السلع الأساسية في الأسواق المحلية. كما أغلقت قوات الدعم السريع طرقًا حيوية تمتد من شرق وشمال البلاد إلى ولايات كردفان، مثل طريق جبل موية ونقاط العبور عبر سنجة.

عمليات عسكرية تعمّق أزمة الاقتصاد الكردفاني

يرى الخبير الاقتصادي أحمد بن عمر أن ذلك أدى إلى انخفاض الإمدادات بشكل حاد، فارتفعت أسعار السلع الغذائية بصورة متسارعة. فقد شهدت أسواق مدينتي كادقلي والدلنج زيادات تفوق 100٪، ووصلت بعض الأسعار إلى مستويات تفوق 1000٪ مقارنة بما قبل الحرب. ويؤكد، في حديثه لـ«جسيكا بالعربي»، أن سعر جوال السكر (50 كلغ) تضاعف تقريبًا من نحو 80 ألف جنيه سوداني إلى 180 ألف جنيه في جنوب كردفان، في حين ارتفع سعر البصل من 65 ألفًا إلى 95 ألف جنيه سوداني.

يواجه السكان في كردفان اختفاءً متزايدًا للسلع، إذ أفاد تجار بأن بعض المواد، مثل الذرة، باتت شبه منعدمة في الأسواق لعدة أيام، بسبب إغلاق طرق الإمداد وتكثيف المضايقات على التجار. ويرافق ذلك نقص حاد في السيولة النقدية، فتسبّب إغلاق فروع المصارف في بعض ولايات كردفان في حالة من «التجارة الصامتة»، حيث يلجأ المواطنون إلى مقايضة البضائع.

قد لا تكون كردفان مجرد جبهة جديدة، بل الفصل الأخير في مسار الحرب الحالية: إما أن تُكتشف حدود القوة العسكرية وتُفرض وقائع سياسية جديدة، أو تنزلق البلاد إلى مرحلة أكثر كلفة من النزاع بلا منتصر

تشير التقارير إلى أن بيع السلع عبر التطبيقات المصرفية يتم بعلاوة تتراوح بين (10 إلى 30%) مقارنة بالنقد، الأمر الذي يرفع فعليًا الأسعار ويتسبب في مزيد من التضخم المحلي. وقد أدت هذه العوامل إلى إضعاف قدرة الأسر على الحصول على المؤن الأساسية، وزيادة معاناة المدنيين في ظل غياب الإمدادات الخدمية، مما يرفع احتمالية مخاطر اقتصادية بعيدة المدى حال استمرار القتال.

يقول بن عمر إن استمرار المواجهات من المتوقع أن يعمّق أزمة الاقتصاد الكردفاني والسوداني بصورة عامة. فقد كشف البنك الدولي عن انكماش حاد للاقتصاد الوطني بنسبة نحو (29.4٪) عام 2023، وبنسبة (13.5٪) عام 2024، مع توقعات بارتفاع معدلات الفقر المدقع إلى نحو (71٪) من السكان. ويُرجع ذلك أساسًا إلى تدهور القطاعات الإنتاجية، مشيرًا إلى أنه في حال استمرار الظرف الحالي، قد تخسر البلاد مواسم زراعية إضافية، مما يقلّص الإنتاج المحلي ويزيد الاعتماد على الاستيراد في ظل صعوبة التمويل.

كردفان ساحة استنزاف مفتوح لكل الأطراف

تمثّل كردفان اليوم ساحة مواجهات دامية ذات استنزاف مفتوح لكل الأطراف المتقاتلة، حيث لا يحقق التقدم العسكري حسمًا حقيقيًا، بقدر ما يراكم الخسائر البشرية والاقتصادية، ويُنهك خطوط الإمداد والإرادة السياسية. فطبيعة الإقليم الجغرافية، واتساع رقعته، وتشابك مجتمعاته، تجعل أي سيطرة مؤقتة هشّة وقابلة للانكسار، بينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر من حصار ونزوح وانهيار للخدمات الأساسية. وبذلك، قد لا تكون كردفان مجرد جبهة جديدة، بل الفصل الأخير في مسار الحرب الحالية: إما أن تُكتشف حدود القوة العسكرية وتُفرض وقائع سياسية جديدة، أو تنزلق البلاد إلى مرحلة أكثر كلفة من النزاع بلا منتصر.

التحول في الموجة الثالثة من الحرب الدائرة حاليًا لا يمكن قراءته فقط من زاوية كونه مجرد توسّع جغرافي لساحة المواجهات العسكرية، بل يُقرأ أيضًا في سياق كيفية تشكّل خريطة الحرب نفسها في كردفان، ذلك الإقليم الذي ظلّ على مدار تاريخ السودان في قلب التوازنات بين المركز والهامش

ويرى محللون أن كردفان باتت في آنٍ واحد ساحة استنزاف وأرضًا حاسمة للمعركة الدائرة حاليًا. ويقول الناشط والمحلل السياسي عاطف نواي إن: "الجيش ارتكب خطأً استراتيجيًا بحشد معظم قواته فيها، بينما اعتمدت قوات الدعم السريع على تكتيك الانسحاب والالتفاف، مستفيدة من معرفتها بالأرض"، ما أدى إلى تكرار سقوط مناطق محاصَرة، وتلاشي متحركات عسكرية كانت قد أعلنت سابقًا انتصارها إعلاميًا.

ويضيف نواي، في حديثه لـ«جسيكا بالعربي»، أن كردفان تمثّل العمود الفقري للجيش، ومع اتساع الحصار واحتمال سقوط مدن رئيسية، قد يفقد الجيش مصادره البشرية في ظل تراجع ثقة السكان، وخطاب تعبوي فاشل كشف كلفة الاستنفار. مبيّنًا أن الانتهاكات واستهداف المدنيين والخطاب القبلي أسهمت في خلق غضب شعبي وثورة صامتة، ويرى نواي أن قوات الدعم السريع قد تستفيد من الكثافة السكانية في كردفان وسهولة التجنيد.

وينظر الصحفي صلاح دامبا، في حديثه لـ«جسيكا بالعربي»، إلى أنه لا توجد حتى الآن دلالات سياسية واضحة لانتقال الحرب إلى كردفان، لكن ظروف الجيش السوداني ووضعه الحالي قد تجعله غير قادر على اتخاذ قرار بمفرده، حتى وإن عادت المواجهات مرة أخرى إلى الخرطوم. وهو أمر متوقع في ظل تراجعه في مدينة بابنوسة وحقل هجليج، وقد يتراجع في جنوب وشمال كردفان حال استمرت الحرب.

ويبدو واضحًا حتى الآن أن انتقال المواجهات العسكرية إلى أرض كردفان لم يعد تطورًا ثانويًا، بل مؤشرًا على مرحلة جديدة من النزاع، مرحلة تتشابك فيها الجغرافيا بالسياسة، والميدان بالإنسان، في إقليم دخل خط النار. ويبقى السؤال الجوهري: هل تمثّل كردفان نقطة تحوّل حاسمة في الحرب الحالية، أم مجرد جبهة جديدة في صراع طويل؟ حيث لا تزال الإجابة مفتوحة على عدة سيناريوهات؛ فإما أن يتحوّل الإقليم إلى ساحة تستنزف أطراف الاقتتال، أو إلى ورقة ضغط تدفع نحو إعادة التفكير في الحلول، حتى تصبح كردفان كخارطة جيدة للمواجهات التي قد تغير مسار الحرب الحالية.

المزيد من الكاتب