الثلاثاء 9 ديسمبر 2025
تناول مقال تحليلي نُشر على مدونة الصحافي البريطاني المتخصص في القرن الأفريقي مارتن بلوت، انتقادات حادة لأداء السياسي الإثيوبي غيتاتشو رِدّا في برنامج "Head to Head" على قناة الجزيرة، معتبراً أن اختياره لغة ملتبسة بشأن ما جرى في تيغراي يهدد بتطبيع الإفلات من العقاب على الجرائم التي ارتُكبت خلال الحرب.
المقال، الذي كتبته الناشطة والباحثة سِلام كيدانِه من لندن، يرى أن غيتاتشو أظهر رباطة جأش وقدرة عالية على المناورة أمام أسئلة المحاور مهدي حسن، لكنه في المقابل تراجع عن المواقف الحادة التي عُرف بها عندما كان يتحدث سابقاً عن "إبادة جماعية" في الإقليم، واكتفى بالحديث عن "جرائم مرتبطة بالإبادة" وترك مسألة تسمية المسؤولين للقضاء وحده. وتصف الكاتبة هذا التحول بأنه "انسحاب من الوضوح" لصالح غموض سياسي محسوب.
وتنتقد كيدانِه بشكل خاص تبرير غيتاتشو بأن خطر اندلاع حرب جديدة في تيغراي تراجع لأن القادة اليوم "لديهم قلوب"، معتبرة أن هذا المنطق يتجاهل الوقائع الأساسية للحرب؛ فهؤلاء القادة أنفسهم، وفق المقال، لم يُظهروا هذه "القلوب" عندما استُهدِف المدنيون وفرض الحصار وتجويع المنطقة. وتقول إن الرهان على "حسن نية" من قادوا الحرب ليس أساساً مقبولاً لضمان السلام في المستقبل.
مع ذلك، يقرّ التحليل بسياق معقّد يعمل ضمنه غيتاتشو رِدّا، بوصفه سياسياً تيغراوياً يتحرك داخل منظومة إثيوبية ما زالت شديدة الخطورة، حيث البقاء السياسي – وأحياناً الشخصي – غير مضمون. وتطرح الكاتبة احتمال أن يكون الرجل يحاول البقاء قريباً من مراكز صنع القرار لضمان دور في تنفيذ اتفاق بريتوريا أو الدفع التدريجي نحو شكل من أشكال العدالة الانتقالية من داخل السلطة.
لكن المقال يشدد على أن تفهّم هذه الحسابات لا يجعل الموقف "مبدئياً" أو مقنعاً أخلاقياً. وتقول كيدانِه إن هناك لحظات تصبح فيها البراغماتية السياسية شبيهة بالتواطؤ، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمجازر الجماعية. فالعدالة – من وجهة نظرها – ليست "فن الممكن" بل واجب أخلاقي لا يجوز تخفيف شروطه أو تعديل لغته لإرضاء توازنات السلطة.
وتدعو الكاتبة إلى خيارين واضحين أمام أي سياسي تورّط في إدارة مرحلة الحرب أو التفاوض بعدها: إما تسمية الظلم بوضوح والمطالبة بمحاسبة المسؤولين حتى لو دفع ثمناً شخصياً، أو الإقرار بحدود القدرة داخل السلطة والانتقال إلى موقع أقل نفوذاً لكن أكثر اتساقاً مع المبدأ. أما محاولة الجمع بين الحفاظ على الموقع السياسي وتخفيف نبرة الحديث عن الجرائم، فتُعد في رأيها "مشيًا على الحبل" ينتهي إلى تعزيز ثقافة الإفلات من العقاب.
ويحذر المقال من ترك ملف العدالة في تيغراي رهناً بوعود مؤسسات مستقبلية أو "نية طيبة" لدى قادة أثبتوا سابقاً أن ضبط النفس الأخلاقي ليس ما يوجّه قراراتهم. وتؤكد الكاتبة أن العدالة الانتقالية تتطلب شجاعة وتسمية واضحة للمسؤولية، وأن تأجيلها باستمرار يهدد بتحويلها إلى مطلب مستحيل عملياً.
وتختم سِلام كيدانِه بالقول إن الطريق إلى سلام حقيقي في إثيوبيا لن يُفتح عبر الصمت أو الغموض أو الحذر البلاغي، بل عبر مواجهة الحقيقة وتثبيت حق الضحايا في الاعتراف والمعاقبة والإنصاف. أما تليين الخطاب حول ما جرى في تيغراي، بحجة الحفاظ على مساحة سياسية داخل النظام، فيحمل – برأيها – خطر أن يتحول السياسيون أنفسهم إلى أدوات في محو معاناة لا تزال تطالب بالعدالة.