الجمعة 12 ديسمبر 2025
شهدت جمهورية بوروندي، وهي دولة صغيرة تقبع في وسط شرق أفريقيا، انتخابات تشريعيَّة ومحليَّة متزامنة في الخامس من يونيو/ حزيران الجاري، لاختيار نوَّاب الجمعية الوطنيَّة (المجلس الأدنى للبرلمان) وأعضاء المجالس المحليَّة بعد انقضاء مدة ولايتهم البالغة خمس سنوات. تأتي هذه الانتخابات لأول مرةٍ بصورة منفصلة ومستقلة عن الانتخابات الرئاسيَّة المُقرر عقدها بعد عامين، نتيجة التعديلات الدستوريَّة التي تم الاستفتاء عليها عام 2018 والتي قضت بتمديد الولاية الرئاسيَّة من خمس إلى سبع سنوات.
جرت الانتخابات التشريعيَّة البورونديَّة، التي أشرفت عليها بعثة الاتحاد الأفريقي لمراقبة الانتخابات المُكونة من ثلاثين مراقبًا ينتمون إلى 21 دولةً، في أجواء خالية من المُنافسة السياسيَّة الحقيقية نتيجة إقصاء المُعارضة، وفي سياق داخلي يضج بالتحديات الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، فالبلاد تُعاني أزمةً اقتصاديَّة متفاقمة، وتشهد ارتفاعًا في مستويات التضخم، ونقصًا كبيرًا في السلع ومحدودية احتياطيات العملات الأجنبيَّة. يُضاف إلى ذلك تواصل انتهاكات حقوق الإنسان من قبل السُلطات البورونديَّة، لاسيَّما ضد مُعارضي الحزب الحاكم، من خلال الاعتقالات التعسفية، ومواصلة ابتزاز وترهيب الحقوقيين والناشطين السياسيين.
ينص الدستور البوروندي، الذي أُقرّ في استفتاءٍ عام 2005، على أنَّ الجمعية الوطنيَّة تتألف من مائة عضو يتم انتخابهم مباشرةً باستخدام نظام التمثيل النسبي القائم على القوائم الحزبيَّة لمدة خمس سنوات، بالإضافة إلى عدد من النوَّاب الآخرين يتم اختيارهم بالاقتراع السري، على أن يُراعى توازن التوزيع العرقي؛ بحيث يكون 60٪ من النوَّاب من جماعة الهوتو و40٪ من جماعة التوتسي العرقيَّة، إلى جانب ثلاثة نوَّاب على الأقل من عرقية التوا، ولضمان التمثيل في الجمعية الوطنيَّة يشترط الدستور أن تحصد الأحزاب والائتلافات السياسيَّة وكذلك المُرشحين المُستقلين 2٪، على الأقل، من مجموع الأصوات الانتخابيَّة.
اعتمدت بوروندي قانونًا جديدًا للانتخابات قضى بزيادة رسوم الترشّح، ومنع المُرشَّحين المُستقلين من التسجيل لخوض الاستحقاقات التشريعيَّة ما لم يكونوا أعضاءً في حزب سياسي لمدة عام على الأقل
بِموجب قانون تعديل حدود المُقاطعات والبلديات الذي أعتمده البرلمان عام 2023، تم تقليص عدد المُقاطعات البورونديَّة من 18 مُقاطعة إلى 5 مُقاطعات فقط، وتشمل هذه المقاطعات كل من بورونجا وبوتانييرا وبوهوموزا وبوجومبورا، إضافةً إلى مُقاطعة جيتيغا، كما تضمَّن القانون أيضًا تخفيض عدد البلديات من 119 إلى 42 بلدية، وتُمثَّل كل مُقاطعة بعددٍ من النوَّاب في الجمعية الوطنيَّة حسب تعدادها السكاني، فنجد أنَّ مُقاطعتي بوجمبورا و بوتانييرا تُمثَّلان بأكبر حصَّة من المقاعد بإجمالي 23 مقعدًا لكل منهما، تليهما مُقاطعة جيتيغا بـ 21 مقعدًا، ثم بورنجا بـ 17 مقعدًا، أما مُقاطعة بوهوموزا فيُخصص لها 16 مقعدًا.

التقسيم الإداري الجديد لجمهورية بوروندي
طبقًا لقانون تعديل حدود المُقاطعات
انتهجت السُلطات البورونديَّة مُنذ مطلع 2024 عدة إجراءات كان الهدف منها إقصاء المُعارضة وإزاحة الخصوم السياسيين للحزب الحاكم؛ المجلس الوطني للدفاع عن الديمقراطيَّة (CNDD)، قبل إجراء الانتخابات. ففي يناير/ كانون الثاني 2024 أتهمت وزارة الداخليَّة حزب المُعارضة الرئيسي، المؤتمر الوطني من أجل الحرية (CNL)، بارتكاب مُخالفات تتعلق بطريقة تنظيم اجتماعاته ما دفعها إلى تعليق عمل الحزب، قبل أن يتم الإطاحة بزعيمه أجاثون رواسا (Agathon Ruasa) أثناء وجوده في الخارج، وفي أبريل/ نيسان من العام نفسه اعتمدت بوروندي قانونًا جديدًا للانتخابات قضى بزيادة رسوم الترشّح، ومنع المُرشَّحين المُستقلين من التسجيل لخوض الاستحقاقات التشريعيَّة ما لم يكونوا أعضاءً في حزب سياسي لمدة عام على الأقل.
لم يقف الأمر عند هذا الحد؛ حيث قرَّرت اللجنة الوطنيَّة المُستقلة للانتخابات (CENI)، في ديسمبر/ كانون الأول 2024، وأيدتها في ذلك المحكمة الدستوريَّة، منع ائتلاف بوروندي للجميع (بوروندي بوا بوس) من خوض الانتخابات التشريعيَّة في يونيو/ حزيران 2025، وادعت اللجنة أنَّ ثلاثةً من مُرشحي الائتلاف الأربعة هم نواب حاليون في المجلس الوطني للحرية، وهو ما يُعد مُخالفًا لقانون الانتخابات الذي يحظر على المُرشحين تمثيل حزب مُعلَّق.
كان واضحًا أنَّ الهدف من تلك الإجراءات تقويض المُنافسة الحزبيَّة واستبعاد الخصوم الرئيسيين ومنعهم فعليًّا من الترشّح كمُستقلين، وعلى رأسهم اجاثون رواسا، الذي حلّ ثانيًا في سباق الانتخابات الرئاسيَّة الأخيرة التي عُقدت قبل خمس سنوات؛ حيث حصل على 24.19٪ من إجمالي الأصوات، بينما فاز مُرشح الحزب الحاكم إيفاريست ندايشيميي (Évariste Ndayishimiye) بأغلبية ساحقة.
توجَّه قرابة ستة ملايين ناخب بوروندي، يقيمون داخل البلاد وخارجها، نحو مراكز الاقتراع في الخامس من يونيو لاختيار نوَّاب الجمعية الوطنيَّة وأعضاء المجالس المحليَّة، ووفقًا للنتائج الأوليَّة، التي أعلنت عنها اللجنة الوطنيَّة المُستقلة للانتخابات في 11 يونيو/ حزيران الجاري، لم تكُن هناك أيّ مُفاجئة في ظل اجراء الانتخابات بلا مُعارضة؛ حيث تمكَّن الحزب الحاكم، المجلس الوطني للدفاع عن الديمقراطيَّة، من الفوز بجميع مقاعد الجمعية الوطنيَّة ومُعظم مقاعد المجالس المحليَّة.
بلغَّت نسبة فوز الحزب الحاكم 96.5٪ من الأصوات (مقابل 68٪ في انتخابات 2020)، متبوعًا بحزب الاتحاد من أجل التقدم الوطني (UPRONA) في المركز الثاني بنسبة 1.38% من الأصوات (مقابل 2.44٪ في انتخابات 2020)، ونظرًا لأن الدستور البوروندي وقانون الانتخابات يشترطان حصول الأحزاب السياسيَّة وقوائم المُرشَّحين المُستقلين على 2٪ من الأصوات على المُستوى الوطني لضمان تمثيلهم في الجمعية الوطنيَّة، فقد أعلنت اللجنة الوطنيَّة للانتخابات أنَّ الحزب الحاكم سيكون الحزب السياسي الوحيد الذي سيُشارك في الجمعية الوطنيَّة الجديدة وبالتالي ستؤول إليه جميع المقاعد المائة.
في بيان لرئيس اللجنة الوطنيَّة المُستقلة للانتخابات، بروسبر نتاهورواميي (Prospe Ntahorwamiye)، أعلَّن أنَّ الجمعية الوطنيَّة المُقبلة ستضم إلى جانب المائة عضو المُنتخبين مباشرةً، أحد عشر نائبًا آخرين يتم اختيارهم بالاقتراع السري، من بينهم ثمانية أعضاء مُنتمين إلى عرقية الهوتو ويمُثلون الحزب الحاكم، ليصل إجمالي الهوتو إلى 65 نائبًا في مُقابل 43 نائبًا من التوتسي، لضمان الحفاظ على التوازن العرقي الذي ينص عليه الدستور الوطني (60٪ على الأقل من الهوتو و40٪ من التوتسي)، إلى جانب ثلاثة نوَّاب لتمثيل عرقية التوا.
على الرغم من إشادة الاتحاد الأفريقي وبعثة المُراقبة التابعة له بالسير السلمي للانتخابات ونزاهتها، إلا أنَّ تقارير صادرة عن منظمة هيومن رايتش ووتش أشارت إلى أنَّ الانتخابات التشريعيَّة شابتها خروقات وأعمال ترهيب ومُخالفات وقعت خلال الفترة التي سبقت الانتخابات وأثناء التصويت، تمثَّلت في منع مُمثلي أحزاب المُعارضة وكذلك الصحفيين والمُراقبين من دخول مراكز الاقتراع والإشراف على عملية فرز الأصوات، فضلًا عن تجاوز إجمالي الأصوات المُدلى بها عدد المواطنين المُسجلين في القوائم الانتخابيَّة، كما أفادت تلك التقارير بأنَّ عناصر تابعة لرابطة شباب الحزب الحاكم (الإمبونيراكور) كانوا يعملون على ترهيب الناخبين ومضايقتهم من أجل دفعهم للتصويت لصالح الحزب الحاكم.
مواصلة الحكومة البورونديَّة لنهجها الإقصائي تجاه المُعارضة سيُلقي بتبعاته على الحياة الانتخابيَّة والعملية الديمقراطيَّة برمتها، وما يعنيه ذلك من انخفاض مُستوى المُشاركة في الاستحقاقات الانتخابيَّة القادمة
في هذا السياق، ندَّد أعضاء المؤتمر الوطني للحرية بما أسموه التصويت المُتعدد والتصويت القسري، متهمين السُلطات البورونديَّة بالاعتقالات التعسفية لمراقبي الحزب، كما أدان رئيس مجلس الوطنيين (CDP)، وهو حزب مُعارض صغير، وضع بطاقات اقتراع مُعبأةً مسبقًا في صناديق الاقتراع، مشيرًا إلى وجود تزوير ملحوظ في كافة الأقاليم ومراكز الاقتراع، وبدوره هاجم ائتلاف بوروندي للجميع، وهو الائتلاف السياسي الوحيد في البلاد، نتائج الانتخابات، داعيًا المحكمة الدستوريَّة إلى عدم التصديق على ما وصفه بـالنتائج الناتجة عن تزوير استثنائي.
تُثير نتائج الانتخابات التشريعيَّة في بوروندي تساؤلًا جوهريًّا حول تداعياتها المُحتملة على مسار الحياة الديمقراطيَّة في هذا البلد الأفريقي الصغير. إذ تعكس هذه النتائج سعي الحزب الحاكم- الذي يتولَّى مقاليد السُلطة مُنذ إجراء أول انتخابات تشريعيَّة في أعقاب انتهاء الصراع المُسلَّح عام 2005- إلى تعزيز سطوته وهيمنته المُطلقة على المشهد السياسي ورغبته في تفكيك أطياف المُعارضة السياسيَّة كافةً، ما يُنذر بتقويض المُنافسة السياسيَّة والحزبيَّة ويُمهد لعودة البلاد، تدريجيًّا وبحكم الأمر الواقع، إلى دكتاتورية الحزب الواحد.
من ناحية أخرى، فإنَّ مواصلة الحكومة البورونديَّة لنهجها الإقصائي تجاه المُعارضة سيُلقي بتبعاته على الحياة الانتخابيَّة والعملية الديمقراطيَّة برمتها، وما يعنيه ذلك من انخفاض مُستوى المُشاركة في الاستحقاقات الانتخابيَّة القادمة، وبالتالي فقدان الحكومة لشرعيتها وانعدام أي حافز للتغيير والإصلاح في بلدٍ يئن تحت وطأة الأزمات والتحديات الداخليَّة، كما أنَّ تراجع المُنافسة السياسيَّة سيُضعف من دور المؤسسات الديمقراطيَّة كالبرلمان، ويُقلل من قدرتها على مساءلة الحكومة والمسؤولين السياسيين.
من التداعيات الأخرى التي يُحتمل أن تخلفها نتائج الانتخابات في بوروندي أنَّ تشكيل سُلطة تشريعيَّة تقوم على تمثيل حزبي أحادي بلا مُعارضة حقيقية، سيُفضي حتمًا إلى ترسيخ الحكم الاستبدادي، ويدفع البورونديين إلى أزمة حكم مُتجذرة، ما يُنذر بتأجيج توتُّرات سياسيَّة واجتماعيَّة جديدة خلال المرحلة المُقبلة.
أخيرًا، من غير المُرجَّح، في ظل المُعيطات الراهنة التي أفرزتها الانتخابات التشريعيَّة، أن تأتي انتخابات مجلس الشيوخ (الهيئة العُليا للبرلمان) المُقرر عقدها في يوليو/ تموز المُقبل، بحسب الجدول الزمني المُعلَن عنه مِن قِبَل اللجنة الوطنيَّة للانتخابات، بنتائج مُغايرة أو مُعاكسة لانتخابات الجمعية الوطنيَّة؛ حيث من المتوقع أن ينتزع الحزب الحاكم جميع المقاعد الانتخابيَّة المُخصصة للمجلس، البالغ عددها 13 مقعدًا بدلًا من 39 للولاية الحالية، مما يُعزِّز سيطرة المجلس الوطني للدفاع عن الديمقراطيَّة على البرلمان البوروندي للسنوات الخمس القادمة.
لم يكن مفاجئًا ما آلت إليه نتائج الانتخابات التشريعيَّة في بوروندي في ظل مُمارسات الحزب الحاكم لإقصاء رموز المُعارضة، وتلاعبه بقانون الانتخابات سعيًا منه لإنفاذ رغبته في الإطاحة بخصومه السياسيين وحرمانهم من خوض الاستحقاق الانتخابي، وعلى الرغم من مُضي خمس سنوات على انتخاب رئيس جديد للبلاد، لا تبدو السُلطات البورونديَّة عازمةً على تغيير نهجها أو التخلي عنه، ما يُهدد بتقويض ما تبقى من أسس الديمقراطيَّة والانزلاق نحو الاستبداد الذي من شأنه إحياء المظالم الاجتماعيَّة ومُفاقمة الخلافات السياسيَّة داخل المُجتمع البوروندي.