الجمعة 17 يوليو 2026
حين يقول البعض إن انتخابات إثيوبيا لعام 2026 لن تكون حرة أو نزيهة، فهم لا يبالغون. لكن المشكلة أن هذا الوصف، رغم صحته، لا يكشف حجم ما يحدث فعلا. فهو يجعل الأمر يبدو وكأننا أمام انتخابات تشوبها عيوب أو تجاوزات، بينما الواقع أخطر من ذلك بكثير. فالأزمة لم تعد مرتبطة فقط بما سيجري يوم التصويت أو بطريقة فرز الأصوات، بل بما حدث قبل ذلك بزمن طويل؛ تفريغ الحياة السياسية من معناها، وإغلاق المجال أمام الاختيار الحقيقي قبل أن يصل الناس أصلا إلى صناديق الاقتراع.
لقد نجح حزب الازدهار الحاكم في الإبقاء على شكل الديمقراطية الانتخابية، لكنه أفرغها من مضمونها. فالأحزاب ما زالت موجودة على الورق، والمؤسسات الانتخابية ما زالت تعمل، والقوانين ما زالت تُقرّ عبر البرلمان، والإجراءات الانتخابية ما زالت تُتبع ظاهريا. لكن كل ذلك لم يعد كافيا لإخفاء الحقيقة الأساسية القائلة بأن جوهر الاختيار الديمقراطي جرى تقييده، وإضعافه بشكل منهجي.
لهذا، لم تعد العبارات المعتادة مثل: "مخالفات انتخابية" أو "انتخابات غير نزيهة" كافية لوصف ما تمر به إثيوبيا. فالبلاد تتجه نحو شكل أكثر تعقيدا من الحكم السلطوي، يمكن وصفه بالسلطوية الإجرائية. في هذا النوع من الحكم، لا تُلغى التعددية السياسية بشكل مباشر وصريح، بل تُفرَّغ تدريجيا من مضمونها عبر القوانين، واللوائح، والإجراءات، والمؤسسات. وهذا ما يجعل الأمر أكثر خطورة؛ لأنه يبدو من الخارج منظماً وقانونياً، بينما يستخدم هذا المظهر نفسه لتقييد السياسة ومنع المنافسة الحقيقية.
كانت انتخابات عام 2021 جرس إنذار مبكر. فقد فاز حزب الازدهار بـ455 مقعدا من أصل 471 مقعدا جرى التنافس عليها. لكن هذا الفوز لم يأتِ في ظروف سياسية طبيعية؛ إذ حُرمت دوائر انتخابية كاملة من التصويت بسبب الحرب، بينما شهدت أوروميا أكثر من مئة دائرة لم يتنافس فيها سوى مرشح واحد. ومع ذلك، جرى التعامل مع النتيجة حينها على أنها تجربة ديمقراطية ناقصة. غير أن المشكلة كانت أعمق من ذلك. فقد كشفت تلك الانتخابات أن الحكومة قادرة على إبقاء العملية الانتخابية قائمة من حيث الشكل، بينما تزيل الشروط التي تجعلها معبّرة فعلا عن إرادة الناس.
هذه الوقائع لا تبدو كأخطاء متفرقة أو مشكلات عابرة، بل ترسم صورة لنظام يسمح للمعارضة بأن تكون موجودة من حيث الشكل، بينما يعمل عملياً على شلّ قدرتها على التأثير والمنافسة
أقرّ البرلمان في يونيو/حزيران 2025 قانونا جديدا للمجتمع المدني والإعلام، يمنع المنظمات التي تتلقى دعما أجنبيا من المشاركة في توعية الناخبين، أو مراقبة الانتخابات، أو القيام بأي نشاط يُصنّف باعتباره مناصرة سياسية. في بلد تعتمد فيه الرقابة المستقلة، منذ سنوات، على قدر من الدعم الفني أو المالي الخارجي، فإن مثل هذا القيد لا يبدو إجراء عاديا، بل ضربة مباشرة للبيئة المدنية التي تحتاجها أي انتخابات كي تكون قابلة للمساءلة. والأخطر أن القانون يستخدم عبارات فضفاضة، خصوصا عند تعريف ما يُعدّ "مناصرة سياسية"، ما يترك للدولة مساحة واسعة لتفسيره وتطبيقه بالطريقة التي تريدها.
ينطبق الأمر نفسه على المشهد الإعلامي، ففي أبريل/نيسان 2025، عدّل البرلمان قانون الإعلام بما يزيد من احتمالات ملاحقة الصحفيين جنائيا بسبب ما يُعتبر تقارير غير دقيقة. في السياق الإثيوبي الحالي، لا يعمل هذا النوع من القوانين كتنظيم مهني بقدر ما يتحول إلى أداة ترهيب. فالصحفيون يواجهون أصلا صعوبة في الوصول إلى مناطق النزاع، والمعلومات القادمة من تلك المناطق غالبا ما تكون صعبة التحقق. وعندما يُضاف إلى ذلك خطر العقوبة الجنائية، تصبح النتيجة المتوقعة هي دفع الصحفيين إلى الصمت أو ممارسة رقابة ذاتية أشد.
هذا الضرر ليس افتراضيا أو بعيدا عن الواقع. فقد غادر صحفيون البلاد، واحتُجز آخرون، كما أدت عمليات قطع الإنترنت في مناطق النزاع إلى عزل مجتمعات كاملة عن بقية إثيوبيا وعن العالم الخارجي. ولا تستطيع أي دولة أن تزعم أنها تنظم انتخابات ذات معنى، بينما تحرم أجزاء واسعة من البلاد من أبسط شروط المشاركة العامة: الكلام، ونقل الأخبار، والتنظيم، وتوثيق ما يجري.
يتضح النهج نفسه في تعامل السلطة مع أحزاب المعارضة. ففي مايو/أيار 2025، ألغى المجلس الوطني للانتخابات في إثيوبيا تسجيل جبهة تحرير شعب تيغراي. ولا تكمن خطورة هذا القرار فقط في شطب حزب معروف من الساحة السياسية، بل في أن الجبهة لا تزال القوة السياسية الأبرز في تيغراي. وهذا يعني أن استبعادها يضيّق الطريق الرئيسي الذي يمكن من خلاله لكثير من أبناء الإقليم المشاركة في السياسة الفدرالية، في وقت كان يُفترض فيه أن تعيد ترتيبات ما بعد اتفاق بريتوريا إدماج تيغراي، وتمثيلها داخل النظام الدستوري.
لم تقف الأزمة عند هذا الحد، فقد أعلنت أحزاب معارضة رئيسية، في موقف مشترك، أن البلاد لم تعد تملك أرضية حقيقية لعملية ديمقراطية. كما قال مؤتمر أورومو الفدرالي إنه لم يعد قادرا على ممارسة نشاط سياسي فعّال خارج أديس أبابا. وفي الوقت نفسه، بقيت شخصيات سياسية أورومية بارزة رهن الاحتجاز لسنوات، رغم صدور أوامر قضائية بالإفراج عنها. هذه الوقائع لا تبدو كأخطاء متفرقة أو مشكلات عابرة، بل ترسم صورة لنظام يسمح للمعارضة بأن تكون موجودة من حيث الشكل، بينما يعمل عملياً على شلّ قدرتها على التأثير والمنافسة.
وهناك أيضاً مسألة السيطرة على الأرض، وهي مسألة أساسية في أي انتخابات وطنية ذات مصداقية. فلكي تكون الانتخابات حقيقية، يجب أن يتمكن المواطنون في مختلف أنحاء البلاد من المشاركة في الحياة السياسية والتصويت ضمن ظروف متقاربة. وإثيوبيا اليوم لا تستوفي هذا الشرط. ففي إقليم أمهرة، جعل الصراع بين القوات الحكومية وقوات فانو مناطق واسعة خارج نطاق الحياة السياسية الطبيعية. وفي أوروميا، لا يزال النزاع المرتبط بجيش تحرير أورومو يجعل مناطق كاملة غير آمنة. أما في تيغراي، فإن الخلافات حول المناطق المتنازع عليها ما زالت تترك الأساس القانوني والعملي للتصويت غير محسوم.
حتى التصنيفات الأمنية الصادرة عن مجلس الانتخابات نفسه تعترف بهذه الحقيقة الواضحة: أجزاء واسعة من البلاد لا تستطيع المشاركة في الانتخابات على قدم المساواة. والنتيجة العملية لذلك أن التصويت سيتكثف في المدن والمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، بينما تبقى مناطق كبيرة من البلاد معطّلة سياسياً أو محرومة فعلياً من المشاركة الكاملة.
لا تستطيع أي دولة أن تزعم أنها تنظم انتخابات ذات معنى، بينما تحرم أجزاء واسعة من البلاد من أبسط شروط المشاركة العامة: الكلام ونقل الأخبار والتنظيم وتوثيق ما يجري
بموجب المادة 25 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، يملك المواطنون الحق في التصويت والترشح في انتخابات دورية ونزيهة، تضمن التعبير الحر عن إرادة الناخبين. وقد أوضحت لجنة حقوق الإنسان أن هذا الحق لا يمكن أن يُمارس فعليا من دون حرية التعبير، وحرية التجمع، وحرية تكوين الجمعيات والأحزاب. فالتصويت لا يكون ذا معنى إذا جرى في بيئة يُمنع فيها الناس من الكلام، أو التنظيم، أو التعبير عن خياراتهم السياسية بحرية. عندئذٍ، يصبح وضع أوراق الاقتراع في الصناديق مجرد إجراء شكلي، لا تعبيراً حقيقياً عن إرادة شعبية.
وينطبق المبدأ نفسه على الميثاق الأفريقي، وعلى الميثاق الأفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم. فالانتخابات لا تكتسب شرعيتها لمجرد وجود مراكز اقتراع، أو جدول انتخابي، أو نتائج رسمية تعلنها الدولة. الشرعية تأتي من وجود منافسة سياسية مفتوحة، ورقابة مستقلة، وحرية في التنظيم، وفرصة حقيقية أمام الناخبين للاختيار بين بدائل سياسية فعلية. وحين تغيب هذه الشروط، لا تستطيع الإجراءات الشكلية أن تعوّض غياب المضمون.
لذلك، لا ينبغي النظر إلى انتخابات إثيوبيا لعام 2026 باعتبارها مجرد انتخابات غير عادلة أو منافسة مختلة. ما يجري يبدو أقرب إلى إضفاء طابع رسمي على احتكار سياسي قائم. قد تؤدي هذه الانتخابات إلى تشكيل حكومة، لكنها لن تمنحها تفويضاً ديمقراطياً حقيقياً، لأن التفويض لا يصنعه التصويت وحده، بل تصنعه حرية الاختيار قبل يوم التصويت نفسه.
في السلطوية الإجرائية لا تُلغى التعددية السياسية بشكل مباشر وصريح، بل تُفرَّغ تدريجيا من مضمونها عبر القوانين، واللوائح، والإجراءات، والمؤسسات
ولا يقتصر أثر ما يحدث على إثيوبيا وحدها. فما يجري هناك يقدّم نموذجاً قد تجد فيه أنظمة أخرى في أفريقيا وصفة مفيدة للبقاء في السلطة: كيف يمكن إضعاف المنافسة السياسية الحقيقية من دون اللجوء إلى انقلاب عسكري، أو إلغاء واضح للحدود الدستورية للولايات الرئاسية، أو تزوير فاضح في صناديق الاقتراع؟ النموذج الإثيوبي الآخذ في التشكل يقدّم إجابة بسيطة وخطيرة في الوقت نفسه: أبقِ المؤسسات قائمة، حافظ على الشكل القانوني، أخضع المجتمع المدني باللوائح، فتّت المعارضة، قيّد الإعلام، اترك انعدام الأمن يعزل مناطق كاملة، ثم امضِ إلى الانتخابات وقدّم النتيجة للعالم على أنها مسار دستوري طبيعي.
وهذا ما يجعل هذا النموذج صعب المواجهة على المؤسسات الإقليمية والدولية. فهو لا يأتي على هيئة دبابة أو انقلاب عسكري، بل يأتي عبر قرارات وقوانين ووثائق رسمية. لذلك يبدو، من الخارج، أقل صدمة وأكثر قابلية للتبرير، مع أنه قد يكون في جوهره أكثر قدرة على خنق السياسة وإغلاق المجال العام. وهذه بالضبط هي خطورته؛ لأنه نموذج يمكن أن ينتقل بسهولة من بلد إلى آخر.
وهنا يواجه الاتحاد الأفريقي اختباراً حقيقياً. فإذا كانت المعايير الديمقراطية في القارة لا تُفعّل إلا ضد الأشكال الفجة والمباشرة من السلطوية، بينما تمرّ عمليات الإغلاق السياسي التي تُدار بالقانون من دون مساءلة، فإن الإطار الديمقراطي الأفريقي نفسه سيتآكل من الداخل.
ومن شبه المؤكد أن حزب الازدهار سيفوز في انتخابات 2026، ومن المرجح أن يُستخدم حجم هذا الفوز للقول إن الحزب يحظى بتأييد شعبي واسع. لكن الانتخابات التي تُصاغ نتيجتها مسبقاً عبر القمع، والإقصاء، والخوف، والسيطرة على المؤسسات، وتفتيت البلاد سياسياً وجغرافياً، لا تعبّر عن إرادة الشعب. إنها تعبّر فقط عن نجاح نظام صُمم لمنع هذه الإرادة من أن تتشكل بحرية، ومن أن تجد طريقها إلى التعبير السياسي.
لذلك، لم يعد السؤال الأساسي في ما إذا كانت إثيوبيا قادرة على إجراء انتخابات في 1 يونيو/حزيران 2026. فهي قادرة على ذلك بالفعل. لكن السؤال الحقيقي هو: هل يمكن أن نسمّي انتخابات جرت بعد تفريغ الاختيار السياسي من مضمونها بانتخاباتٍ ديمقراطية؟