تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 15 فبراير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

انتخابات أوغندا، هل من طريق ثالث؟

17 يناير, 2026
الصورة
انتخابات أوغندا، هل من طريق ثالث؟
Share

أدلى الأوغنديون يوم الخميس 15 يناير/كانون الثاني الجاري، بأصواتهم في انتخابات عامة، شابتها العديد من الخروقات، كما أسفرت عن سقوط قتلى ومئات المعتقلين، دون أن تخيب التوقعات التي ترجح إعادة التجديد للرئيس المنتهي ولايته السادسة، يوري موسيفيني، واستمرار هيمنة الحزب الحاكم في المجالس البرلمانية والمحلية. يرتقب أن تعلن مفوضية الانتخابات عن النتائج النهائية نهاية الأسبوع، دون أن تحسم صناديق الانتخابات مسار الانتقال الديمقراطي المتعثر بهذا البلد، بقدر ما كانت مجرد عملية لمعالجة الهاجس الحقيقي للنظام، وهو إعادة ترتيب توازنات ما بعد الرئيس موسيفيني.

انتخابات الفرصة الأخيرة

انتهت عملية التصويت في الانتخابات الرئاسية والتشريعية المثيرة للتوجس في انتظار إعلان نتائجها النهائية، وتعتبر الفرصة الأخيرة للتجديد للرئيس موسيفيني، وحزبه حركة المقاومة الوطنية، الذي عرفه الأوغنديون منذ 1986. لئن سمح نظامه بالتعددية، بمشاركة 27 حزبا و8 مترشحين للرئاسيات، ايحاء بالنزاهة والمنافسة، لكنه يحكم قبضته على المشهد العام، واستطاع حسم نتائجها مبكرا كعادته، فالرئاسيات مكفولة حصرا لصالحه، كما سيهمن حزبه على لائحة 499 مقعد في البرلمان.

يتقدم الرئيس السابق موسيفيني سباق الرئاسيات، وفق المعطيات الأولية، ولم يمنعه عمره البالغ 81 عاما من السعي للتجديد لعهدة سابعة، وتنكر لادعاءاته السابقة بأنه لن يترشح لولاية جديدة، فعاد مؤكدا أحقيته في القيادة مراهنا على إنجازاته السابقة. ينافسه بشدة مرشح المعارضة الأبرز، روبرت كياغولاني، الملقب باسم "بوبي واين"، كما يؤازرهم خمسة مرشحون بحظوظ ضعيفة، ليتوزع الحصيص الأكبر من الأصوات المعبر عنها بين الأصفر اللون المميز للحزب الحاكم، والأحمر رمز حزب وأين، لكن بفوارق كبيرة.

تحولت الانتخابات الأوغندية إلى مجرد مسرحية، فلا تهم النظام نزاهة العملية الانتخابية، بقدر ما ينشغل بتجديد شرعيته، فيعيد موسيفيني خلافة نفسه، وبالمقابل، لم تعد تغري الأوغنديون كثرة الوعود والأماني بالمستقبل الزاهر، بقدر ما يطمحون أن تمر هذه المناسبة دون أن تنتهي بأعمال عنف أو أن تنزلق البلاد إلى صراع داخلي

راهن الرئيس المهيمن على المشهد السياسي الأوغندي منذ أربعة عقود على المكتسبات الماضية، ولم يفكر كثيرا، فاختارها "حماية المكاسب" شعارا لحملته الانتخابية، ليؤكد على نجاحه في إدارة البلاد خلال العقود الماضية وكسب تحدي الاستقرار؛ نجاحه في القضاء على نظام أمين عيدي، ووضع نهاية للحرب الأهلية، ويعطف عليه بتقديم نجاحه الاقتصادي والتنموي. بينما يَعد نجم البوب بوبي واين الأوغنديون، البالغ من العمر 43 عاما، زعيم حزب "منصة الوحدة الوطنية"، المرشح السابق في رئاسيات عام 2021، بتحقيق إصلاحات شاملة، وإنهاء حكم موسيفيني تحت شعار "التصويت الاحتجاجي"، متعهدا بمكافحة الفساد وتعزيز المسار التنموي والديمقراطي والحقوقي، رغم التضييق على حملته الانتخابية، واضطراره إلى مواجهة أنصاره بخوذة وسترة مضادة للرصاص، بعد وقوع حوادث الاستهداف المباشر والتضييق الدائم عليه والحشود المؤيدة له.

من أجل ضمان استمرارية النظام وتكريس تحكمه، ينهج استراتيجية ترتيب مشهد انتخابات متحكم فيها، فتحولت إلى مجرد مناسبة من أجل إضفاء الشرعية على موسيفيني. أمر لا يقبل به مرشح المعارضة، ففي أولى الردود قبل إعلان النتائج، غرد بوبي واين زاعما حدوث تجاوزات عديدة؛ قطع الأنترنيت وتزوير واسع النطاق واختطاف واعتقال قادة المعارضة ...، وختم تغريدته بدعوة عاجلة للشعب الأوغندي للانتفاض ورفض "النظام الإجرامي" وللعالم الخارجي لعدم منح الشرعية للنظام، بينما فضل موسيفيني عدم التعليق، ولعله يستعد للاحتفال والتتويج بولاية سابعة.

هكذا، تحولت الانتخابات الأوغندية إلى مجرد مسرحية، فلا تهم النظام نزاهة العملية الانتخابية، بقدر ما ينشغل بتجديد شرعيته، فيعيد موسيفيني خلافة نفسه، وبالمقابل، لم تعد تغري الاوغنديون كثرة الوعود والأماني بالمستقبل الزاهر، بقدر ما يطمحون أن تمر هذه المناسبة دون أن تنتهي بأعمال عنف أو أن تنزلق البلاد إلى صراع داخلي.

انتخابات مغلقة

أعلن النظام عن عطلة استثنائية يومي 15 و16 يناير/كانون الثاني الجاري من أجل تشجيع المشاركة بكثافة في الاستحقاقات الانتخابية، لكن عملية التصويت تأخرت في عدة مراكز الاقتراع بسبب أعطاب في عمل الأجهزة البيرومترية، وقد اعترف الرئيس أمام وسائل الإعلام بهذه المشاكل التقنية. وانتشرت قوات الأمن بكثافة تحت حجة تأمينها، وكإجراء احتياطي من أجل حماية مراكز الاقتراع، وتخوفا من الاحتجاجات التي تعقب عملية عد الأصوات وانتظار إعلان النتائج النهائية.

لا تهم الأرقام التي سيحصل عليها موسيفيني ولا نصيب المعارضة ونسبة المشاركة، فما يهم أساسا تجديد العهدة السابعة للزعيم، ففي هذه العملية الانتخابية المغلقة يصعب على المعارضة كسر معادلاتها، فصناديقها الشفافة تخفي نتائجها المحسومة مسبقا

سارعت السلطات لإحكام قبضتها من الميدان إلى الفضاء الالكتروني وهندسة المشهد الانتخابي، بفرض قيود على الحريات العامة؛ بقرار حجب شبكة الأنترنيت وتقييد بعض خدمات الهاتف المحمول استكمالا لعملية إعاقة عمل المعارضة. فقد أعلنت هيئة الاتصالات الأوغندية قرارها تعليق خدماتها تحث ذريعة التصدي للمعلومات المضللة، ومكافحة التزوير الانتخابي ومنع التحريض على العنف. فضلا عن التضييق على عشرات المنظمات الحقوقية، فأوقفت الحكومة أنشطتها استكمالا لمحاولة إسكات المجتمع المدني المعارض للنظام. كما واكبها بالقمع الأمني من خلال تفريق حملة المعارضة، لاسيما مهرجانات حملة واين الانتخابية، واعتقال المئات من أنصاره، والتضييق على فعاليات وشخصيات من المجتمع المدني، فقبل أسابيع، تم اعتقال الناشطة الحقوقية والمحامية سارة بيريت متهمة بالحصول والكشف على بيانات شخصية بطريقة غير قانونية، وهي خطوات أدانتها المفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية.

أعادت سلطات كامبالا تكرار نفس الأسلوب في آخر انتخابات، يناير/كانون الثاني 2021، إذ قامت السلطات بقطع جميع الخدمات لخمسة أيام قبل الانتخابات إلى غاية الإعلان عن نتائجها، ويتكرر ذات نهج التعتيم الرقمي من أجل التضييق وإعاقة تحركات المعارضين، فسارعت قبل يومين من الانتخابات إلى قطع خدمات الأنترنيت، وتتوخى عدم نشر النتائج والتشكيك في النتائج والحيلولة دون تقديم أدلة الموثقة عن التجاوزات والانتهاكات واتهامات بالتزوير والتضييق. تتكرر ذات الأسطوانة، ويعترف مرشح المعارضة بأن الانشقاقات الداخلية أضعفت حملته، والتي يتحمل الحزب الحاكم نصيبا من المسؤولية عنها، وهذه صورة أخرى من التضييق على المعارضة الذي بدأ مبكرا قبل موعد التصويت.

لا تهم الأرقام التي سيحصل عليها موسيفيني ولا نصيب المعارضة ونسبة المشاركة، فما يهم أساسا تجديد العهدة السابعة للزعيم، ففي هذه العملية الانتخابية المغلقة يصعب على المعارضة كسر معادلاتها، فصناديقها الشفافة تخفي نتائجها المحسومة مسبقا. لقد ألقى موسيفيني بثقله لانتزاع عهدة جديدة رغم التحديات والتحذيرات، فإعلانه التقدم للانتخابات كانت مؤشرا على توقع النتيجة، وهي خطوة اعتبرت استمرارا لجهود نظامه للسيطرة على مفاصل الحياة السياسية.

وفي سياق متصل، لا يزال أبرز قادة المعارضة السابق، كيزا بيسيجي، موقوفا، ويحاكم محاكمة عسكرية. كما أن خطة السيطرة على المشهد التضييق على المنافس البارز بوب واين، وحرصا على استكمال الأمر توجت باعتقال مئات من أنصار المعارضة خلال الأسابيع الفارطة، وانتهت بحصار منزله، قبل إعلانه في منشور على موقع إكس عن اقتياده إلى وجهة مجهولة، لتتكرر نفس سيناريو الانتخابات السابقة، الإقامة الجبرية إلى غاية تثبت قواعد الانتقال وإعلان النتائج النهائية.

حقبة ما بعد موسيفيني

حكاية صناديق الانتخابات الأوغندية الأخيرة، كما سابقاتها محسومة النتائج، سيكتسح الأصفر الصناديق، فكل الاستحقاقات انتهت بفوز موسيفيني، رغم ما شابها من مخالفات ومزاعم التضييق والعنف والتزوير. ولن تكون الانتخابات الأخيرة استثناء، وإن كان النظام يريدها برهانات جديدة، إغلاق حقبة ما بعد موسيفيني، فالتحديات الكثيرة والمتعاظمة محليا وإقليميا تتطلب روحا جديدة، ويسارع الأخير للتأكيد بأنه لايزال قادرا على الاستمرار، مبشرا بإقلاع اقتصادي وتنموي، غير أن حسابات النظام تتعدى حسم المواجهة المناسباتية مع قادة المعارضة إلى تثبيت وجه جديد للنظام.

يعترف مرشح المعارضة بأن الانشقاقات الداخلية أضعفت حملته، والتي يتحمل الحزب الحاكم نصيبا من المسؤولية عنها، وهذه صورة أخرى من التضييق على المعارضة الذي بدأ مبكرا قبل موعد التصويت

يختفي الخليفة المحتمل والأوفر حظا نجل الرئيس موهوزي كاينيروغابا، البالغ من العمر 51 عاما، عن المشهد قليلا، لكنه لم يخفي أماله في قيادة البلاد، ويظهر دوره الأمني كالقلعة الحامية لنظام والده، الذي يحكم قبضته الأمنية القوية على البلاد منذ أربعة عقود، وينظر إليه كالوريث المحتمل المثير للجدل داخليا وخارجيا، ولا يتردد في التعبير عن ذلك، إذ غرد قبل سنيتن بأنه سيخلف والده كرئيس لأوغندا.

فخلف يافطة الانتخابات والديمقراطية الشكلية، تتعاظم التحديات أمام فقدان الثقة في المؤسسات من خلال إضعافه مجمل المؤسسات المستقلة والتحكم في محاورها، ويعززها تفشي الفساد وضعف الخيارات. ويصعب على المعارضة أن تحسم الأمور بسهولة أمام هذه التحديات، لقد هددت بالعصيان المدني، كما وجه بوبي واين دعوته لأنصاره في آخر لقاء انتخابي للدفاع عن المكتسبات والاحتجاج بشكل سلمي في حالة تزوير الانتخابات، وهو أمر يبدو مستحيلا أمام تشديد مستويات القمع والقبضة الأمنية على البلاد.

يبدو النظام محظوظا، فنتيجة للتحولات الدولية الدراماتيكية تراجع مستوى الاهتمام بالقيم الديمقراطية، ويعي رجالات موسيفيني استحالة التدخل الدولي، لاسيما الأمريكي أو الأوروبي كما في الانتخابات السابقة، فقد ظهر عدم الاكتراث الدولي بانخراطه في قضايا إقليمية أخرى. فهل تعود كامبالا الى سابق عهدها قبل الانتقال الديمقراطي بالتغيير إما تمردا أو عبر انقلاب عسكري أو سيفعلها الشباب بثورة اجتماعية شبابية؟

بالنهاية، ينجح النظام في ترتيب المشهد السياسي بما يكفل له الاحتفاظ بالسلطة بأريحية، لكن يبقى السؤال هل يستطع الأوغنديون الانتقال وإنهاء حقبة موسيفيني بعد هذه الاستحقاقات، لأنه ربما لن يتخلى عن السلطة إلا إلى القبر، وحينها فقط، قد تضطر كمبالا للبحث عن قائد، وانطلاقة جديدة أو قد تجرب الوصفة الجاهزة بالعودة إلى نجله، والمستقبل القريب كفيل بحسم هذه المعادلة أو تفتح معالم طريق ثالث تجنب البلاد أتون الانزلاق إلى ما لا تحمد عقباه.