السبت 13 يونيو 2026
منذ قرابة سبعة عقود، وتحديدا منذ عهد الإمبراطور هيلا سيلاسي، ظلت الانتخابات في إثيوبيا أقرب إلى آلية لإدامة السلطة منها إلى منافسة ديمقراطية حقيقية، تتيح للمواطنين اختيار قادتهم بحرية. ورغم التحولات السياسية التي عرفتها البلاد، ولا سيما بعد اعتماد الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية النظام الفيدرالي القائم على الإثنية عام 1995، بقيت النتيجة شبه ثابتة؛ ستة انتخابات عامة، وفي كل مرة يخرج الحزب الحاكم فائزا.
من المرجح أن تسير الانتخابات العامة المقررة في يونيو/حزيران 2026 في الاتجاه ذاته. لكن ما يميز هذه المحطة أن إثيوبيا تدخلها وهي أكثر هشاشة وانقساما من أي وقت مضى، في ظل أزمات داخلية متراكمة، وتراجع واضح في قدرة الدولة على فرض الاستقرار السياسي والأمني.
يقود رئيس الوزراء آبي أحمد، الحائز على جائزة نوبل للسلام عام 2019، بلادا مثقلة اليوم بالانقسامات والصراعات، بعدما قُدّم في بدايات صعوده رمزا للإصلاح الديمقراطي. في حين يستعد حزب الازدهار (الذي أسسه آبي عام 2019 عقب تفكيك الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية) لخوض الانتخابات المقبلة، تواجه البلاد اضطرابات داخلية حادة، وتمردات مسلحة واسعة، وسط مخاطر متزايدة باندلاع مواجهة جديدة مع إريتريا.
في هذا السياق، تبدو الفجوة أكثر وضوحا من أي وقت مضى بين الصورة التي تروّج لها الحكومة، والواقع المرير الذي يعيشه معظم الإثيوبيين. فبينما تسعى السلطة إلى تقديم الانتخابات بوصفها دليلًا على انتظام العملية السياسية، يكشف المشهد العام عن بلد مأزوم تتآكل فيه الثقة، وتتسع فيه الهوة بين شرعية الدولة المعلنة وواقع المواطنين على الأرض.
نشر المجلس الوطني للانتخابات في إثيوبيا أرقاما تبدو، للوهلة الأولى، كافية لرسم صورة ديمقراطية طبيعية: 47 حزبا سياسيا مسجلا، ونحو 11 ألف مرشح، وملايين الناخبين. غير أنها، وعلى ضخامتها، تخفي أكثر مما تكشف. فالمشهد الحزبي الظاهر لا يعكس بالضرورة تعددية سياسية حقيقية؛ لأن معظم الأحزاب إما تصطف علنا خلف حزب الازدهار، أو تتحرك ضمنيا في فلكه، بينما تواجه القوى القادرة فعلا على تقديم بدائل سياسية جدية عراقيل تمتد من التعقيدات الإدارية إلى العنف المدعوم من الدولة.
تبرز في هذا السياق قوى معارضة ذات قاعدة شعبية واضحة، مثل جبهة تحرير شعب تيغراي، التي كانت لسنوات القوة الأبرز داخل الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية، وجبهة تحرير أورومو، والمؤتمر الفيدرالي الأورومي، والجبهة الوطنية لتحرير أوغادين. ومع ذلك، لا تُعامل هذه القوى بوصفها أطرافا طبيعية في منافسة سياسية مفتوحة، بل تواجه باستمرار المضايقات والاعتقالات التعسفية، وصعوبات الحصول على التراخيص اللازمة للعمل كأحزاب شرعية.
تجد هذه القوى نفسها داخل متاهة بيروقراطية لا تبدو عشوائية بقدر ما تبدو مصممة لاستنزافها، وإضاعة وقتها، وتشتيت جهودها. بهذا الأسلوب، تعمل الحكومة على إنتاج مظهر انتخابي يوحي بوجود منافسة، بينما تضيق فعليا على أي إمكانية لتغيير سياسي حقيقي. ففي الوقت الذي يضع فيه المجلس الانتخابي العراقيل أمام المعارضة الجادة، يفتح الباب أمام أحزاب معارضة شكلية تبدو أقرب إلى الحزب الحاكم منها إلى معارضته، في محاولة واضحة لتقديم صورة مقبولة للمجتمع الدولي عن وجود تعددية سياسية ذات مصداقية.
أثبت هذا النهج فعاليته في انتخابات عام 2021، حين حقق حزب الازدهار فوزًا كاسحًا على المستويين الإقليمي والوطني. فقد حصد الحزب 96.8 ٪ من مقاعد مجلس نواب الشعب البالغ عددها 547 مقعدا، في نتيجة يصعب النظر إليها بوصفها تعبيرا طبيعيا عن دعم شعبي حر، بقدر ما تعكس عملية سياسية مُحكمة تهدف إلى ترسيخ السلطة. ورغم التشكيك الواسع في شرعية تلك الانتخابات، فإنها أدت الوظيفة المطلوبة منها بالنسبة إلى آبي أحمد؛ تنظيم اقتراع احتفالي يمنحه مظهر التفويض الشعبي وشرعية الاستمرار في الحكم.
تجد المعارضة الإثيوبية نفسها اليوم أمام معضلة سياسية صعبة، زادت من انقساماتها الداخلية وعمّقت خلافاتها حول جدوى المشاركة في الانتخابات. فبعض القوى ترى أن الانخراط في العملية السياسية، مهما كانت محدودة ومقيّدة، يبقى ضروريا للحفاظ على الحد الأدنى من الحضور العام والتعبير عن الرفض. في المقابل، ترى قوى أخرى أن النظام الانتخابي نفسه معيب من أساسه، وأن المشاركة فيه لا تفعل سوى منحه غطاء شرعيا زائفًا. تستند هذه القوى إلى تجربة انتخابات عام 2021، التي جرت في ظل حرب تيغراي بين عامي 2020 و2022، وشهدت استبعاد أجزاء من البلاد، واعتقال شخصيات معارضة بارزة، ومقاطعة قوى سياسية عديدة.
منذ عام 2021، تراجعت صورة المجلس الوطني للانتخابات على نحو ملحوظ، بعدما باتت أحزاب المعارضة تتهمه بالخضوع المتزايد للسلطات الفيدرالية. ولم تعد المشكلة مقتصرة على إدارة العملية الانتخابية، بل امتدت إلى القواعد التي تحدد من يحق له المشاركة أصلا
هذا الانقسام يصب، في نهاية المطاف، في مصلحة الحكومة، فلو تمكنت أحزاب المعارضة من توحيد موقفها، لكان بوسعها صياغة استراتيجية مشتركة، وتجميع مواردها، وتشكيل تحدٍّ سياسي، ولو رمزيًا، في وجه حزب الازدهار. لكنها لا تزال منقسمة، ليس فقط حول أسلوب التعامل مع الانتخابات، بل أيضا حول أسئلة أعمق تتصل بمستقبل الدولة الإثيوبية نفسها: الدستور والفيدرالية الإثنية والمسار الممكن نحو تغيير ديمقراطي حقيقي.
تزيد بنية النظام الانتخابي من صعوبة موقف المعارضة. فالنظام القائم على فوز المرشح صاحب أعلى الأصوات في كل دائرة يجعل تمثيل المعارضة أكثر تعقيدا، حتى حين تحصل على نسبة معتبرة من الأصوات. ففي انتخابات 2021، حصلت أحزاب المعارضة مجتمعة على 32٪ من أصوات الناخبين في العاصمة أديس أبابا، لكنها لم تفز بأي مقعد برلماني. ويصبح هذا النظام أكثر إضرارا حين يقترن بتقسيم الدوائر بما يخدم السلطة، وتقييد الناخبين، والفجوة الكبيرة في الموارد بين الحزب الحاكم وخصومه.
لهذا السبب، اختارت أحزاب معارضة في الإقليم الصومالي، وأوروميا، ومناطق أخرى، مقاطعة انتخابات 2021 احتجاجا على ما وصفته بعقبات فرضتها الحكومة، من ترهيب واعتقالات وقيود على الحملات الانتخابية. واليوم، ومع اقتراب انتخابات يونيو/حزيران 2026، يبدو المشهد أكثر تضييقا. فالمؤتمر الفيدرالي الأورومي، مثلًا، يكافح للعمل خارج أديس أبابا، ولا يخوض الانتخابات إلا بعشرة مرشحين فقط، في تراجع حاد مقارنة بنحو أربعمئة مرشح قدمهم عام 2005. ووفقًا لرئيس الحزب، فإن المشاركة هذه المرة لا تهدف إلى المنافسة بقدر ما تهدف إلى تجنب شطب تسجيل الحزب.
مع اقتراب موعد الانتخابات، تبدو قدرة الحكومة واستعدادها للتحكم في النتائج أكبر من ذي قبل، حتى مع تراجع سيطرتها الفعلية على أجزاء من البلاد. وتشير تقارير إلى أن مسؤولين على المستويين الوطني والإقليمي يُوجَّهون لاختيار مرشحين من أحزاب معارضة شكلية متحالفة مع حزب الازدهار. والغاية من ذلك واضحة: منح المعارضة ما بين 20 و30 ٪ من المقاعد، بما يكفي لصناعة مظهر تعددي، من دون السماح بمنافسة سياسية حقيقية.
لا يمكن فصل مستقبل الانتخابات في إثيوبيا عن الوضع الأمني المتدهور في البلاد. فالأزمة الأمنية لم تعد عاملا جانبيا يحيط بالعملية الانتخابية، بل أصبحت عنصرا حاسما في تحديد شكلها وحدودها ونتائجها. وقد ظهر ذلك بوضوح في التحذير الأخير الذي أصدرته حركة فانو الوطنية الأمهرية، وهي جماعة مسلحة تعبّر عن قطاعات من قومية الأمهرة، حين اعتبرت كل من يشارك في العملية الانتخابية عدوًا لشعب الأمهرة، كما تنظر إلى الحكومة نفسها. وبعد أكثر من عامين من حرب العصابات، باتت فانو تفرض نفوذا واسعا في مناطق ريفية من إقليم أمهرة، وتنفذ هجمات ضد قوافل الحكومة ومسؤوليها وعناصر الجيش وقواعده، من دون أن تتمكن الدولة من كبحها بفاعلية.
في موازاة ذلك، يكثف جيش تحرير أورومو نشاطه في أنحاء واسعة من أوروميا، مستفيدا من الفراغ الأمني الذي خلّفه توجيه مزيد من قوات الجيش الإثيوبي نحو شمال البلاد. ويبدو أن الحركة توسع حضورها الميداني تدريجيًا داخل الإقليم. أما في تيغراي، فقد تراجعت جبهة تحرير شعب تيغراي، التي كانت يومًا القوة السياسية المهيمنة، ما ترك قطاعات واسعة من سكان الإقليم في حالة شعور بالعزلة عن بقية البلاد، وبقدر واضح من اللامبالاة تجاه الانتخابات المقبلة.
في أقاليم أمهرة وأوروميا وتيغراي، لن يكون التصويت متاحا فعليا إلا في المناطق الحضرية الخاضعة لسيطرة الحكومة، وهو ما يعني استبعاد مساحات واسعة من البلاد، كثير منها يقع تحت نفوذ جماعات متمردة، من العملية الانتخابية. وقد نشر المجلس الوطني للانتخابات في إثيوبيا خريطة تصنف الدوائر بحسب وضعها الأمني: مناطق خضراء مستقرة، وأخرى حمراء مهددة بالصراع، وثالثة صفراء تقع بين الحالتين. لكن أحزاب المعارضة تشكك في هذه الخريطة، معتبرة أنها تستند إلى بيانات حكومية غير موثوقة.
تزداد المشكلة تعقيدا لأن المجلس الانتخابي لم يقدم حتى الآن معالجة واضحة لهذا القيد الجغرافي، رغم أنه يمس جوهر شرعية الانتخابات على المستوى الوطني. فكيف يمكن الحديث عن اقتراع عام بينما تُستبعد عمليًا مناطق شاسعة وسكان كثر من المشاركة؟ وحتى في حال تمكن المجلس من تنظيم التصويت في بعض هذه المناطق، فإن الجماعات المسلحة المسيطرة عليها تنظر إلى العملية كلها بوصفها مزورة، ومن المرجح أن تعمل على منع السكان أو ثنيهم عن المشاركة.
في هذا المناخ، هدد ائتلاف يضم ثمانية أحزاب سياسية، في 17 أبريل/نيسان، بالانسحاب من انتخابات يونيو/حزيران ما لم تعالج السلطات ما وصفه بانتهاكات قانونية، وترهيب، ومخالفات إدارية. واتهم الائتلاف الحزب الحاكم وأجهزة الأمن بتضييق المجال السياسي، محذرًا من المشاركة فيما سماه «شرعية غير قانونية». كما أعلن حزب الشعب الثوري الإثيوبي عزمه تنظيم احتجاج سلمي لتسليط الضوء على الظروف الانتخابية غير العادلة والصراعات المستمرة التي تقوض مصداقية الاقتراع.
منذ انتخابات عام 2021، تراجعت صورة المجلس الوطني للانتخابات في إثيوبيا على نحو ملحوظ، بعدما باتت أحزاب المعارضة تتهمه بالخضوع المتزايد للسلطات الفيدرالية. ولم تعد المشكلة مقتصرة على إدارة العملية الانتخابية، بل امتدت إلى القواعد التي تحدد من يحق له المشاركة أصلًا. فقد أعربت ثمانية أحزاب معارضة مؤخرًا عن قلقها من شروط التسجيل الصارمة التي يفرضها المجلس، ومن بينها تقديم شهادات الميلاد وبطاقات الهوية الوطنية، وهي وثائق يصعب على كثير من الناخبين الريفيين والنازحين داخليًا توفيرها. وبهذا تتحول الإجراءات الإدارية، عمليًا، إلى أداة تستبعد شرائح واسعة من المواطنين من حق التصويت.
تكشف بعض قرارات المجلس حدود استقلاليته بوضوح أكبر. ففي مايو/أيار 2025، اتخذ قرارًا مفاجئًا بمنع جبهة تحرير شعب تيغراي من المشاركة في الانتخابات العامة المقبلة، بينما سمح في الوقت نفسه بتسجيل حزب «سيمرت» التابع لغيتاتشو رضا. ويشغل غيتاتشو منصب وزير مستشار لرئيس الوزراء آبي أحمد لشؤون شرق أفريقيا، كما تولى سابقًا رئاسة الإدارة المؤقتة في تيغراي قبل طرده من جبهة تحرير شعب تيغراي عام 2024. ومن الصعب فصل هذه الخطوة عن حسابات السلطة الفيدرالية الساعية إلى إيجاد قوة سياسية أكثر طواعية داخل تيغراي.
كما ارتبط اسم المجلس، في الفترة الأخيرة، بإجراءات حكومية بدت موجهة إلى تعطيل أي تقارب محتمل بين متمردي فانو وسلطات تيغراي. ومن بين هذه الإجراءات القرار المثير للجدل، في فبراير/شباط، بإعادة إلحاق مناطق متنازع عليها في غرب تيغراي بإقليم أمهرة، وهي خطوة يُرجح أنها هدفت إلى تأجيج التوترات القومية بين الجانبين بدل تخفيفها.
في الوقت الذي يضع فيه المجلس الانتخابي العراقيل أمام المعارضة الجادة، يفتح الباب أمام أحزاب معارضة شكلية تبدو أقرب إلى الحزب الحاكم منها إلى معارضته، في محاولة واضحة لتقديم صورة مقبولة للمجتمع الدولي عن وجود تعددية سياسية ذات مصداقية
تتكرر المقاربة نفسها في الإقليم الصومالي. فبدعم من أطراف داخل الحكومة الفيدرالية ومن المجلس الانتخابي، جرى تفكيك الجبهة الوطنية لتحرير أوغادين بصيغتها الشرعية، واستبدالها بفصيل جديد متحالف مع حزب الازدهار. وقد مُنح هذا الفصيل ترخيصًا رسميًا للعمل بوصفه الممثل الشرعي للجبهة، في خطوة تعكس كيف يمكن استخدام الاعتراف القانوني لإعادة تشكيل المعارضة لا لتنظيمها فقط.
تزداد الصورة قتامة في ظل غياب المراقبين الدوليين، بعدما مُنع نشرهم أو أُرجئ إلى أجل غير مسمى. أما مجموعات المراقبة المحلية فتعمل تحت ضغط دائم، إذ يواجه أعضاؤها المراقبة والمضايقة وخطر الاعتقال. وفي الوقت ذاته، يُمنع الصحفيون من تغطية مناطق النزاع ومتابعة تفاصيل العملية الانتخابية بحرية. ومع إغلاق أكثر من 1500 منظمة من منظمات المجتمع المدني خلال السنوات الأخيرة، وتعليق أنشطة منظمات أخرى، وتشديد القوانين المنظمة لعملها، تصبح الرقابة المدنية شبه معدومة. وفي بيئة كهذه، لا تبدو الانتخابات الحرة والنزيهة هدفًا بعيد المنال فحسب، بل تبدو فكرة منفصلة تمامًا عن الواقع السياسي القائم.
بينما تستعد إثيوبيا لمحطة انتخابية جديدة، تعود الجبهة الشمالية لتقف على حافة الفوضى. فقد نُشر عشرات الآلاف من جنود قوات الدفاع الوطني الإثيوبية قرب حدود تيغراي، فيما أثارت تصريحات آبي أحمد الحادة بشأن الوصول إلى البحر الأحمر قلقًا واضحًا في العواصم المجاورة. ويبدو أن هذه التحركات العسكرية فتحت، في الوقت نفسه، ثغرة أمام قوات فانو في أمهرة، إذ تمكنت من استغلال الفراغ الذي خلّفه انتقال القوات، والتفوق على قوة الشرطة الخاصة المحلية وعلى ما تبقى من وحدات عسكرية كان يفترض أن تملأ هذا الفراغ.
تبدو تيغراي بدورها قريبة من نقطة انفجار جديدة. فقد أعادت جبهة تحرير شعب تيغراي قيادتها التي كانت قائمة قبل الحرب، في تحدٍّ للتمديد الفيدرالي للإدارة الانتقالية التي أُنشئت بعد اتفاق بريتوريا عام 2022، وهو الاتفاق الذي أنهى عامين من الصراع. ويحذر مراقبون من أن أزمة القيادة في الإقليم قد تتحول إلى قتال متجدد إذا لم يُفتح مسار جاد للحوار. وفي الوقت ذاته، لا تزال القوات والأسلحة الإريترية تتدفق إلى المناطق الحدودية، بما يوحي بأن أطرافًا داخلية وخارجية تستعد لاحتمال صراع جديد، بصرف النظر عن الجدول الانتخابي.
لا تقف المخاطر عند الحدود الشمالية. ففي السودان، اتهمت الحكومة التي تقودها القوات المسلحة السودانية، والمنخرطة في حرب أهلية مع قوات الدعم السريع، إثيوبيا بشن هجمات بطائرات مسيرة على أهداف سودانية، بينها مطار الخرطوم الدولي. وردت الخرطوم باستدعاء سفيرها من أديس أبابا والتهديد بالرد. وكانت التوترات قائمة أصلًا على خلفية الحديث عن إنشاء قاعدة تدريب جديدة لقوات الدعم السريع في شمال غرب إثيوبيا، رغم أن أديس أبابا تنفي أي تورط وتؤكد حيادها في الحرب السودانية. في مثل هذا المناخ، تبدو مخاطر الصراع الإقليمي مرتفعة؛ فشرارة محدودة في شمال إثيوبيا أو شرق السودان قد تكون كافية لإشعال القرن الأفريقي، وجذب قوى إقليمية ذات مصالح متضاربة، وتحويل الأزمة الإثيوبية الداخلية إلى مواجهة أوسع بين الدول.
حتى الآن، يبدو الوضع مستقرًا نسبيًا، لكن هذا الاستقرار هش ومفتوح على أكثر من تفسير. فهناك من يرى أن تردد أديس أبابا في الانخراط في حرب جديدة يعود إلى إنهاك الجيش الإثيوبي بعد سنوات من عمليات مكافحة التمرد. ويرى آخرون أن الإمارات، وهي حليف رئيسي لإثيوبيا، لا تبدو متحمسة لدعم صراع جديد في وقت لا تزال تتعامل فيه مع تداعيات أزمات الشرق الأوسط. وتكشف زيارة آبي الأخيرة إلى الإمارات، وسط تصاعد التوتر بين طهران وحلفاء واشنطن في الخليج، حجم الدور الذي تلعبه العوامل الخارجية في خياراته السياسية والخارجية، سواء في ما يتصل بدعم قوات الدعم السريع نيابة عن أبوظبي، أو في توقيع مذكرة التفاهم المثيرة للجدل مع أرض الصومال، التي تمنح إثيوبيا منفذًا بحريًا أو قاعدة بحرية مقابل الاعتراف باستقلالها.
وفي الوقت نفسه، التقى مسؤولون من الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية وتركيا والإمارات، تباعًا، قادة في أديس أبابا خلال وقت سابق من العام، وشددوا جميعًا على أولوية الاستقرار الإقليمي. وقد تكون هذه التحركات الدبلوماسية قد حدّت من خيارات آبي، ولو مؤقتًا. غير أن التجربة الإثيوبية تُظهر مرارًا أن التصور شبه الخلاصي الذي يحمله رئيس الوزراء عن دوره، واستعداده لتحمل كلفة باهظة في سبيل رؤيته، يجعلان الضغط الخارجي عاملًا مهمًا، لكنه ليس بالضرورة قيدًا مضمون التأثير.
حتى في أكثر الأنظمة استبدادًا، لا تكون الانتخابات مجرد وسيلة لإضفاء الشرعية على السلطة. فهي تؤدي وظائف أعمق: تقيس مستوى التأييد، وتكشف مواقع النفوذ المحلي، وتساعد السلطة على فرز الحلفاء الموثوقين من الخصوم، كما تتيح لها مكافأة الموالين وتهميش المعارضين. لكن الانتخابات المقبلة في إثيوبيا تبدو مرشحة لأداء دور أكثر تحديدًا: توفير غطاء ديمقراطي لتغييرات دستورية واسعة.
فليس خافيًا في الدوائر السياسية الإثيوبية أن حزب الازدهار لا ينظر بارتياح إلى دستور عام 1995، القائم على الفيدرالية الإثنية. كما أن فلسفة آبي أحمد المعروفة باسم «مِدَمَر»، أي «التآزر»، حملت منذ البداية إشارات إلى نزعة أكبر نحو المركزية، وإن ظلت ملامح هذا التحول غامضة عن عمد.
في مثل هذا المناخ، تبدو مخاطر الصراع الإقليمي مرتفعة؛ فشرارة محدودة في شمال إثيوبيا أو شرق السودان قد تكون كافية لإشعال القرن الأفريقي، وجذب قوى إقليمية ذات مصالح متضاربة، وتحويل الأزمة الإثيوبية الداخلية إلى مواجهة أوسع بين الدول
ومن المتوقع أن تطرح لجنة الحوار الوطني، التي أُطلقت عام 2022 وسط ضجة كبيرة من دون أن تحقق تقدمًا ملموسًا، تعديلات تمس جوهر الفيدرالية الإثنية. ومن شأن هذه التعديلات، إذا مضت في اتجاهها المتوقع، أن تعزز سلطة المركز، وتقلص الرقابة البرلمانية، وتحد من هامش الحكم الذاتي للأقاليم.
لذلك، فإن فوزًا حاسمًا لحزب الازدهار، بصرف النظر عن الطريقة التي يتحقق بها، قد يمنح الحكومة النفوذ السياسي والتفويض الظاهري اللازمين لتمرير هذه التغييرات. وما قد يبدو في يونيو/حزيران كتتويج انتخابي جديد لآبي أحمد، قد لا يكون نهاية المسار، بل مقدمة لتحول مؤسسي أعمق وإعادة هندسة سياسية قد تعيد تشكيل إثيوبيا لأجيال مقبلة.
في الحادية والأربعين من عمره فقط، يبرز آبي أحمد كأحد القادة الشباب في أفريقيا. لكنه، في الوقت نفسه، أوضح بما يكفي أنه لا ينظر إلى السلطة بوصفها محطة عابرة. فلا توجد مؤشرات جدية على أن الضوابط الديمقراطية القائمة قادرة على الحد من نفوذه أو كبح طموحه السياسي. بل يبدو أنه يميل إلى تصور شبه إمبراطوري للحكم، تحتل فيه طموحاته الشخصية موقعًا مركزيًا، وتتحول الانتخابات، والتمردات، والصراعات الإقليمية، والأزمات الإنسانية، إلى عقبات على طريق مشروعه لإعادة تشكيل البلاد.
غير أن الانتخابات العامة المقبلة في إثيوبيا قد تكشف حدود الدولة أكثر مما تستعرض قوتها. فهناك أعداد كبيرة من الإثيوبيين يعيشون في مناطق لا يبدو التصويت فيها خيارًا واقعيًا، إما بسبب سيطرة جماعات متمردة، أو بسبب عجز الحكومة عن ضمان سلامة الناخبين. وهناك آخرون نزحوا بسبب القتال، وتراجعت فرصهم في التسجيل والتصويت بفعل الصراعات نفسها التي تقول الحكومة إنها تعمل على معالجتها. أما ملايين من سكان تيغراي، فسيتابعون عملية انتخابية جرى تهميش إقليمهم فيها إلى حد بعيد، في تذكير واضح بأن هذه الانتخابات «الوطنية» تجري في بلد لم يعد موحدًا فعليًا كما تقول الرواية الرسمية.
ستمضي الانتخابات على الأرجح كما هو مخطط لها، ومن المرجح أيضًا أن يُعاد تثبيت آبي أحمد في موقعه. وربما يكتفي المجتمع الدولي بتهانٍ فاترة، مرفقة بإشارات مألوفة إلى مجالات تحتاج إلى تحسين. وستواصل آلة الشرعية الديمقراطية إنتاج النتائج التي صُممت لإنتاجها. لكن مهما بدا المشهد الانتخابي منظمًا ومصممًا بعناية، فلن يستطيع إخفاء حقيقة أعمق: دولة تتقلص سيطرتها على الأرض والمجال السياسي، ومجتمع يزداد تشظيًا، ونظام لا يتيح لمواطنيه إلا هامشًا ضيقًا من الاختيار الحقيقي.