الثلاثاء 21 أبريل 2026
في لحظة مفصلية تعكس عُمق التصدُّعات في بنية العمل الإقليمي داخل القارة الأفريقية، أعلنت رواندا في 9 يونيو/حزيران الجاري انسحابها الرسمي من المجموعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا (إيكاس). جاء هذا القرار في ظل تصاعد الأزمة مع الكونغو الديمقراطية، التي كشفت عن فشل المنظمة في أداء دورها كوسيط نزيه وفعّال.
لا يُختزل هذا الانسحاب في الخلاف مع كينشاسا فقط، بقدر ما يعكس سلسلة من التراكمات السياسية والمؤسسية التي دفعت كيغالي إلى مراجعة جدوى استمرارها ضمن تكتل تتهمه بالانحياز، وتُحمّله مسؤولية تهميشها، وعجزه عن تحقيق التكامل الاقتصادي والأمني الذي تنشده.
هناك دوافع عديدة ساهمت لاشعال فتيل الرحيل الرواندي عن المنظمة، في مقدمتها النزاع السياسي والعسكري المحتدم بين رواندا وجارتها الكونغو الديمقراطية، حيث تتهم كينشاسا كيغالي بدعم حركة "إم23" المسلحة في شرق الكونغو، وهو ما أكده تقرير خبراء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في ديسمبر/كانون الأول 2024، الذي أشار إلى تورط القوات الرواندية في تقديم دعم لوجستي وعسكري مباشر لمقاتلي الحركة. وقد سيطرت الحركة على أكبر مدينتين في شرق الكونغو في وقت سابق من هذا العام، وأسفر تقدم المتمردين عن مقتل الآلاف، وأثار مخاوف من اندلاع حرب شاملة في المنطقة.
تنفي رواندا في المقابل ذلك، وتؤكد أن تدخلها كان بهدف مواجهة "القوات الديمقراطية لتحرير رواندا"، وهي جماعة تصنفها كيغالي كإرهابية، وتتهمها بارتكاب مجازر خلال إبادة عام 1994، وقد انتقلت هذه التوترات الأمنية مرارًا وتكرارًا إلى الساحة الدبلوماسية، حيث تبادل الجانبان الاتهامات في المحافل الإقليمية والدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي.
ما أشعل وتيرة التصعيد ودفع رواندا إلى اتخاذ قرار الانسحاب في هذا التوقيت بالتحديد، هي حالة التهميش السياسي الذي تعيشه كيغالي داخل البنية المؤسسية للمنظمة
في ذات السياق، تحوّل النزاع الأمني تدريجيًا بين الجارتين إلى أزمة مؤسسية داخل الإيكاس، خصوصًا بعد القمة الاستثنائية في مالابو، في 7 فبراير/ شباط من العام الجاري، حيث أصدرت المنظمة بيانًا أدان الوجود العسكري الرواندي، كما دعت إلى الانسحاب الفوري لقوات الدفاع الرواندية من الأراضي الكونغولية.
لذلك اعتبرت رواندا هذا الموقف انحيازًا واضحًا يُقوّض دور المنظمة وسيطا محايدا، ويمنح غطاءًا سياسيًا لمزاعم كينشاسا. وعليه، شعرت كيغالي أن الإيكاس تتبنى خطابًا أحاديًا يعكس رواية الكونغو، متجاهلة الجهود التي بذلتها رواندا لخفض التصعيد، بما في ذلك الوساطات التي قادتها أنغولا، ولقاءات جمعت الرئيس بول كاغامي بنظيره الكونغولي في 2025 بضغط من قطر والولايات المتحدة.
ما أشعل وتيرة التصعيد ودفع رواندا إلى اتخاذ قرار الانسحاب في هذا التوقيت بالتحديد، هي حالة التهميش السياسي الذي تعيشه كيغالي داخل البنية المؤسسية للمنظمة، حيث تم تجاوز رواندا في التناوب على رئاسة المجموعة، ومُددت رئاسة غينيا الاستوائية لعام إضافي دون توضيح قانوني، رغم أحقية رواندا بتولي المنصب حسب المادة السادسة من الميثاق، وذلك خلال قمة مالابو المُنعقدة في 7 يونيو/ حزيران الجاري. وقد أعاد هذا المشهد إلى الأذهان واقعة استبعادها من قمة كينشاسا في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، والتي لم تتلق فيها دعوة رسمية، ما اعتبرته القيادة الرواندية إقصاء متعمدًا.
القرار لم يأتِ وليدًا لأزمة أو نزاع بذاته؛ بل لمجموعة من العوامل التي تكونت في بوتقة ملتهبة دفعت الدولة إلى اتخاذ هذا الخطوة الاستراتيجية.
لا تقتصر دوافع الانسحاب الرواندي فقط على الأزمة مع الكونغو الديمقراطية، بل تنبع أيضًا من عدة عوامل جوهرية دفعت رواندا إلى اتخاذ قرار الانسحاب، وتتمثل في حالة الشلل التي تعاني منها المنظمة على صعيد التكامل الاقتصادي، فقد عجز التكتل على مدار سنوات عن إطلاق مشاريع مشتركة فعّالة، في ظل ضعف التنسيق والتخطيط، وتأخرت بعض المبادرات الممولة دوليًا لما يصل إلى تسع سنوات، رغم أن الجدول الزمني الأصلي لم يكن يتجاوز ثلاث أو أربع سنوات.
هذا البطء في التنفيذ، إلى جانب غياب مبادرات ملموسة لتعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول الأعضاء، كشف عن خلل هيكلي مزمن في آليات الإيكاس، وهو ما بدا متعارضًا بوضوح مع التوجهات التنموية لرواندا، التي تسعى إلى اندماج قاري قائم على الكفاءة والنتائج، لا على الشعارات والبيروقراطية المعطلة.
يدعم هذا التوجه الطريقة الهادئة والمنظمة التي أعلنت بها رواندا الانسحاب، حيث لم يصدر عن رواندا خطاب احتجاجي صاخب أو شروط تعجيزية، بل جرى الانسحاب ضمن مسار مؤسسي مدروس، عكس حرصًا على إظهار القرار باعتباره تحولا استراتيجيا وليس تصرفًا انفعاليًا؛ أي أنَّ القرار لم يأتِ وليدًا لأزمة أو نزاع بذاته؛ بل لمجموعة من العوامل التي تكونت في بوتقة ملتهبة دفعت الدولة ذات الطموح الإقليمي إلى اتخاذ هذا الخطوة الاستراتيجية.
يعكس انسحاب رواندا من المجموعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا (الإيكاس) أزمة مزمنة في بنية التكتلات الإقليمية في القارة، فلا يعبّر هذا القرار فقط عن موقف سياسي لدولة بعينها، بل يكشف عن تصدُّعات داخلية في منظومات العمل الجماعي الأفريقي، ويضع علامات استفهام حول مستقبل التعاون الإقليمي في وسط القارة.
فعلى الصعيد المؤسسي، تفقد "الإيكاس" بانسحاب رواندا أحد أعضائها الأكثر استقرارًا من الناحية الأمنية، والأكثر نشاطًا من حيث المبادرات العسكرية والاقتصادية، فطالما لعبت كيغالي دورًا محوريًا في دعم جهود حفظ السلام، خصوصًا في موزمبيق، حيث نشرت قوات لدعم الحكومة ضد المتمردين في كابو ديلغادو، وفي جمهورية أفريقيا الوسطى ضمن بعثات متعددة الأطراف.
كما أقامت تعاونًا أمنيًا مع دول في شرق أفريقيا وغربها لمواجهة التهديدات العابرة للحدود، كالإرهاب والجريمة المنظمة. لذا يشكل غياب رواندا عن منصة إقليمية مثل الإيكاس عاملا من شأنه أن يضعف من قدرة الكتلة على التنسيق الأمني الشامل، في وقت تتصاعد فيه التحديات الأمنية في مناطق متفرقة من وسط القارة.
أما على المستوى الإقليمي، فإن انسحاب رواندا قد يشجع دولًا أخرى على إعادة تقييم عضويتها في التكتلات القائمة، لا سيما إذا شعرت بأنها مهمّشة أو أن قرارات المنظمة لا تعبّر عن مصالحها الحيوية. مثل هذا التوجه يهدد بتحوّل الإيكاس إلى كيان شكلي، يفتقر إلى آليات التأثير أو القدرة على التدخل البنّاء في النزاعات الإقليمية، وفي غياب إجماع داخلي وثقة متبادلة، تصبح المنظمة عاجزة عن أداء وظائفها الأساسية، سواء في الوساطة السياسية أو التعاون الاقتصادي أو التنسيق الأمني.
لم تتخذ رواندا قرارها من موقع العزلة، بل بدأت فعليًا في إعادة تموضعها الجيوسياسي من خلال بناء شراكات جديدة تتجاوز الأطر التقليدية. فقد عززت تعاونها مع دول مثل كينيا وإثيوبيا
كذلك، يشير تصاعد دور القوى الخارجية، مثل الولايات المتحدة وقطر، في ملف الوساطة بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية إلى تراجع تأثير المنظمات الإقليمية الأفريقية. فهذه القوى باتت تقدم بدائل عملية وملموسة من خلال عروض استثمار في المعادن الاستراتيجية، ومشاريع تنموية مشتركة، وآليات ضغط أكثر فاعلية. وفي المقابل، تبدو المنظمات الأفريقية وكأنها خرجت من مشهد الفعل السياسي، مكتفية بدور الشاهد على ما يجري.
من جانبها، لم تتخذ رواندا قرارها من موقع العزلة، بل بدأت فعليًا في إعادة تموضعها الجيوسياسي من خلال بناء شراكات جديدة تتجاوز الأطر التقليدية. فقد عززت تعاونها مع دول مثل كينيا وإثيوبيا في مجالات متعددة، من التجارة إلى الأمن إلى مشاريع الربط بالبنية التحتية. هذه المقاربات الثنائية أو الثلاثية تمثل تحولًا استراتيجيًا في رؤية كيغالي، يقوم على منطق البراغماتية والشراكات القائمة على المصالح المباشرة، بدلاً من الالتزام الصارم بتكتلات رسمية تفتقر إلى الكفاءة.
في ضوء ما سبق، يعكس انسحاب رواندا من "الإيكاس" أزمة أعمق من خلاف عابر بين دولة وكتلة إقليمية؛ إنه مؤشر على تصدّع الثقة داخل منظومة العمل الجماعي في وسط أفريقيا، فقرار كيغالي لم يأتِ فقط ردًّا على الأزمة مع الكونغو، بل جاء نتيجة تراكمات سياسية ومؤسسية شعرت فيها رواندا بالتهميش وعدم الإنصاف. في المقابل، تكشف هذه الخطوة عن محدودية دور "الإيكاس" في إدارة النزاعات بفعالية، وضعف قدرتها على التكيّف مع التحولات الأمنية والاقتصادية في الإقليم.