الخميس 12 مارس 2026
في تحول لافت في معادلة الأمن الإقليمي بشرق أفريقيا، أعلنت أوغندا نيتها الشروع رسميًا في سحب قواتها العسكرية بالكامل من الصومال، منهية بذلك وجودًا عسكريًا امتد لنحو تسعة عشر عامًا، وشكّل أحد أعمدة التدخل الإقليمي في المشهد الأمني الصومالي. يأتي هذا القرار في لحظة حساسة تتقاطع فيها تحولات داخلية في الدول المساهمة بقوات، مع إعادة تقييم دولية لمسار الوجود العسكري الأجنبي في الصومال وقدرة الدولة الصومالية على إدارة ملفها الأمني بصورة مستقلة.
صدر الإعلان على لسان موهوزي كاينيروغابا، القائد الأعلى للقوات المسلحة الأوغندية، عبر منشور مقتضب على حسابه الرسمي في منصة «إكس»، أكد فيه أن بلاده اتخذت قرار سحب جميع قواتها المنتشرة في الأراضي الصومالية خلال الفترة المقبلة، دون الخوض في تفاصيل زمنية أو لوجستية بشأن مراحل الانسحاب. ورغم الطابع المختصر للتصريح، إلا أنه حمل دلالات سياسية وأمنية واسعة تتجاوز حدود القرار ذاته.
بدأ الوجود العسكري الأوغندي في الصومال منذ منتصف العقد الأول من هذه الألفية، في إطار الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى دعم الحكومة الصومالية ومواجهة الجماعات المسلحة. وعلى مدى ما يقارب العقدين، اضطلعت القوات الأوغندية بأدوار مركزية في تأمين العاصمة مقديشو، وحماية المنشآت السيادية، والمشاركة في عمليات عسكرية معقدة ساهمت في تثبيت قدر من الاستقرار النسبي في مناطق حيوية من البلاد. وبفعل هذا الدور، أصبحت أوغندا أحد أكثر الأطراف تأثيرًا في البنية الأمنية للصومال.
يأتي قرار الانسحاب في سياق إعادة تموضع إقليمي أوسع، حيث تتزايد الدعوات داخل الدول المشاركة لإعادة النظر في كلفة الانخراط العسكري الخارجي، سواء من حيث الخسائر البشرية أو الأعباء المالية، مقابل عوائد سياسية وأمنية باتت محل نقاش. كما يتقاطع هذا القرار مع مساعٍ دولية لتقليص الوجود العسكري الأجنبي تدريجيًا، ودفع الصومال نحو تحمل مسؤولياته الأمنية عبر بناء قوات وطنية أكثر تماسكًا وقدرة.
على المستوى الصومالي، يفتح الإعلان الأوغندي بابًا واسعًا للتساؤلات بشأن مستقبل الترتيبات الأمنية، ومخاطر حدوث فراغ أمني في حال لم تُدار عملية الانسحاب ضمن إطار منسق يراعي هشاشة الأوضاع الميدانية. كما يضع الحكومة الصومالية أمام اختبار حقيقي يتعلق بسرعة استكمال برامج إصلاح القطاع الأمني، وتعزيز جاهزية الجيش والشرطة، بما يضمن عدم تراجع المكاسب التي تحققت خلال السنوات الماضية.
أما إقليميًا، فإن الخطوة الأوغندية قد تشجع دولًا أخرى على اتخاذ قرارات مماثلة، أو على الأقل مراجعة مستوى انخراطها العسكري في الصومال، وهو ما قد يعيد تشكيل خريطة التوازنات الأمنية في القرن الأفريقي. وفي الوقت ذاته، تعكس هذه الخطوة تحولًا في أولويات كمبالا، التي تبدو معنية أكثر بإعادة تركيز مواردها على التحديات الداخلية والإقليمية الأقرب إلى حدودها.
وبين غياب تفاصيل رسمية إضافية، واستمرار حالة الترقب في الأوساط الصومالية والإقليمية، يظل قرار أوغندا سحب قواتها من الصومال مؤشرًا على مرحلة انتقالية دقيقة، قد تحمل فرصًا لتعزيز السيادة الصومالية، بقدر ما تنطوي على مخاطر إذا لم تُدار ضمن رؤية أمنية وسياسية شاملة.