تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الخميس 22 يناير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

انسحاب إريتريا من "إيغاد" يربك معادلات القوة والأمن في القرن الأفريقي

24 ديسمبر, 2025
الصورة
انسحاب إريتريا من "إيغاد" يربك معادلات القوة والأمن في القرن الأفريقي
أنطونيو ماسيلو/غيتي إيماجز
Share

بعد أقل من عامين على عودتها الرسمية إلى عضوية الهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا (إيغاد)، أعلنت إريتريا انسحابها مجدداً من المنظمة الإقليمية، في خطوة تفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول مستقبل الأمن الإقليمي في القرن الأفريقي وتوازنات القوى بين أسمرة وأديس أبابا والعواصم المجاورة.

وزارة الخارجية الإريترية قالت في بيان إن الحكومة قررت الانسحاب من «منظمة فقدت تفويضها القانوني وفعاليتها، ولم تعد تقدم فائدة استراتيجية تُذكر لشعوب المنطقة»، متهمة «إيغاد» بأنها تحولت إلى «أداة تُستخدم ضد إريتريا وضد استقرار الإقليم» بعدما انحرفت – بحسب تعبيرها – عن أهدافها التأسيسية في تعزيز السلم والتكامل الإقليمي.

القرار جاء بعد تاريخ طويل من العلاقة المتوترة بين الطرفين. فإريتريا تُعد من الدول المؤسسة لإيغاد، لكنها علّقت مشاركتها منتصف العقد الأول من الألفية على خلفية نزاعها الحدودي مع إثيوبيا، قبل أن تعود رسمياً إلى المنظمة في قمة الرؤساء التي عُقدت في يونيو/حزيران 2023، حين رُحّبت أسمرة بوصفها «عضواً عائداً» في إطار تعهّد جماعي بإعادة تنشيط دور الهيئة.

غير أن شهر العسل لم يدم طويلاً. فقد أوضحت الأمانة العامة لإيغاد، في بيان مضاد، أنها تلقت بأسف الإخطار الإريتري بالانسحاب، مشيرة إلى أن أسمرة لم تشارك فعلياً في اجتماعات أو برامج المنظمة منذ إعلان عودتها، ولم تتقدم بأي مقترحات إصلاحية محددة قبل أن تتخذ قرار المغادرة. وأكدت الأمانة أن أبواب الحوار لا تزال مفتوحة، داعية إريتريا إلى «إعادة النظر في موقفها والعودة إلى المنظمة بروح بنّاءة».

الانسحاب يتزامن مع تصاعد التوتر مجدداً بين إريتريا وإثيوبيا. فالبلدان اللذان خاضا حرباً حدودية دامية بين عامي 1998 و2000 أوقعت عشرات الآلاف من القتلى قبل أن تُوقفها «اتفاقية الجزائر»، يشهدان منذ أشهر تبادلاً اتهامات بالتدخل والتحريض على النزاعات بالوكالة، وسط قلق دولي من انزلاق جديد نحو مواجهة مفتوحة.

وتقول أسمرة إن أديس أبابا تنتهج «أجندة حرب طويلة الإعداد» تستهدف موانئها على البحر الأحمر، في إشارة إلى تصريحات لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد وصف فيها فقدان بلاده منفذها البحري بأنه «خطأ تاريخي» يجب تصحيحه، مع حديث متكرر عن «حق» إثيوبيا في الوصول إلى البحر عبر إريتريا أو جيران آخرين. هذه التصريحات اعتُبرت في أسمرة تهديداً مباشراً للسيادة، وجرى ربطها في الإعلام الإريتري والدولي بتزايد الاحتقان الحدودي بين البلدين.

من جهته، عبّر الأمين العام للأمم المتحدة عن «قلق بالغ» إزاء التصعيد الكلامي بين أديس أبابا وأسمرة، داعياً الطرفين إلى تجديد التزامهما باتفاق الجزائر، واحترام مبدأي السيادة وسلامة الأراضي، محذّراً من أن أي انهيار في العلاقات بين الجارتين سيترك آثاراً خطيرة على استقرار القرن الأفريقي برمته.

انسحاب إريتريا من «إيغاد» لا يُقرأ فقط كخطوة احتجاجية ضد منظمة إقليمية، بل أيضاً كرسالة سياسية إلى العواصم المجاورة والشركاء الدوليين. فإيغاد، رغم هشاشتها المؤسسية، تبقى المنصة الأساسية في الإقليم لمعالجة ملفات السلام والأمن، وقد لعبت أدواراً محورية في مفاوضات السودان وجنوب السودان والصومال خلال العقود الماضية، وإن تباينت تقييمات نجاحها من حالة إلى أخرى.

خروج أسمرة يعني عملياً تهميش هذا المسار الجماعي في التعاطي مع الملفات المرتبطة بإريتريا، وفي مقدمتها التوتر مع إثيوبيا والنزاع الحدودي مع جيبوتي ومسائل الهجرة والبحر الأحمر. فبدون قناة منتظمة داخل المنظمة، قد تميل إريتريا أكثر إلى إدارة علاقاتها الإقليمية عبر صفقات ثنائية مع قوى خارجية – من الخليج إلى تركيا وروسيا – بعيداً عن الأطر متعددة الأطراف. هذا الاحتمال يثير مخاوف لدى بعض المحللين من أن يتحول القرن الأفريقي أكثر إلى ساحة تنافس مفتوحة بين لاعبين دوليين، في غياب مظلة إقليمية جامعة. (استناداً إلى تحليلات صحفية متخصصة تناولت أثر الانسحاب على معادلات القوة والأمن في القرن الأفريقي.

في المقابل، يرى منتقدون لإيغاد أن انسحاب إريتريا يعكس أيضاً أزمة أعمق داخل المنظمة نفسها؛ فالاتهامات بعدم الفاعلية و«الانحياز» لبعض العواصم، وعلى رأسها أديس أبابا التي ينتمي إليها الأمين التنفيذي للهيئة، ليست جديدة. فقد أشارت تقارير بحثية سابقة أشارت إلى أن إيغاد، كي تحافظ على وزنها، تحتاج إلى إصلاحات جوهرية تعزّز استقلاليتها عن إرادات الدول الأعضاء الأقوى، وتطوّر أدواتها في منع النزاعات وتسويتها.