تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأربعاء 14 يناير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

انسحاب أميركي متسارع من جنوب ووسط الصومال… وتركيز جديد على ممرات البحر الأحمر وخليج عدن

25 ديسمبر, 2025
الصورة
انسحاب أميركي متسارع من جنوب ووسط الصومال… وتركيز جديد على ممرات البحر الأحمر وخليج عدن
Share

تشهد الساحة الصومالية خلال العامين الأخيرين إعادة تموضع أميركية لافتة، مع انسحاب متدرّج من جنوب ووسط البلاد، مقابل تحوّل الأنظار إلى مدن وموانئ إستراتيجية على البحر الأحمر وخليج عدن، مثل بربرة وبوصاصو، في إطار مقاربة أمنية جديدة تفضّل حماية الممرات البحرية على الانخراط المباشر في حرب الاستنزاف ضد حركة الشباب.

منذ تولّي الرئيس الأميركي دونالد ترامب ولايته الحالية، توالت قرارات قلّصت الحضور الأميركي في الصومال بشكل ملحوظ، سواء على المستوى المالي أو العسكري، وفق ما تؤكده مصادر صومالية وغربية متطابقة.

ففي البداية، توقّفت برامج رئيسية لوكالة التنمية الأميركية (USAID)، وهو ما ترك أثراً مباشراً على مشاريع الإغاثة والاستقرار في عدد من الأقاليم الصومالية. تزامن ذلك مع قرار واشنطن وقف تمويل وحدات خاصة من الجيش الصومالي، بدعوى وجود فساد وسوء توزيع في مخصّصات الإعاشة والتموين العسكري.

الخطوة الأبرز تمثّلت في إنهاء الدعم الأميركي لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال، الأمر الذي ترك آلاف الجنود الأفارقة بلا رواتب منتظمة خلال عام 2025، ودفع قطاعات واسعة من القوة إلى تعليق عملياتها الميدانية. وحده القطاع الذي تقوده القوات الأوغندية (UPDF) في شبيلي السفلى حافظ على نسق عمليات هجومية، كان آخرها التقدّم باتجاه بلدات سابيد، بارييري، وأوديغلي، التي شاركت فيها أيضاً قوات من "أفريكوم" (القيادة الأميركية في أفريقيا).

إلى جانب ذلك، خفّضت الولايات المتحدة وجودها العسكري المباشر في قواعد رئيسية داخل الصومال؛ إذ جرى تقليص عدد الجنود في مقديشو وكسمايو، وتخفيض حجم النشاط في قاعدة بلدوجل، أكبر قاعدة جوية أميركية في البلاد، في خطوة يراها مراقبون تعبيراً عن تراجع الثقة في المسار السياسي والأمني للحكومة الفدرالية في مقديشو.

منذ عام 2022، دعمت "أفريكوم" الجيش الصومالي بسلسلة عمليات مشتركة جوية وبرية، استهدفت معسكرات تدريب ومخازن سلاح تابعة لحركة الشباب و"تنظيم الدولة – ولاية الصومال". لكن المعارك في وسط البلاد لم تحقق النتائج المرجوّة؛ فالهجمات على قواعد مثل غلعد وأوسوين خلّفت خسائر بشرية كبيرة في صفوف الجيش الصومالي، فيما استعادت حركة الشباب بعد عامين أجزاء واسعة من المناطق التي كانت الحكومة قد أعلنت تحريرها.

أمام هذا الواقع، بدأت واشنطن، بحسب مصادر مطلعة، في مراجعة شاملة لجدوى انخراطها التكتيكي على الأرض. ومع غياب خطة صومالية متماسكة لهزيمة التمرّد، قررت الإدارة الأميركية وقف تمويل الوقود والغذاء واللوجستيات للوحدات المتقدمة، متهمة جهات نافذة في الحكومة بسوء استخدام الموارد وتحويلها لصالح شبكات قريبة من الرئاسة.

كما أنهت واشنطن دعمها لوحدة "دنب" الخاصة، التي أنشأتها ودربتها الولايات المتحدة عام 2013 لتكون رأس حربة في مكافحة الإرهاب. وبذلك وجدت مقديشو نفسها أمام قوات نخبوية بلا داعم مالي أساسي، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الموازنة الحكومية.

بالتوازي مع هذا الانسحاب البري، برز مسار آخر يعكس أولوية جديدة لدى واشنطن، وهو تأمين الممرات البحرية الحيوية في البحر الأحمر وخليج عدن، على حساب الانغماس في تفاصيل الجغرافيا الصومالية المعقّدة.

ففي الأشهر الأخيرة، تكثفت زيارات وفود عسكرية ودبلوماسية أميركية رفيعة إلى هرجيسا، عاصمة صوماليلاند، وتقع في نطاق التأثير الإستراتيجي لمضيق باب المندب.

مصادر سياسية في صوماليلاند تشير إلى أن جنرالات من «أفريكوم» ومسؤولين في الخارجية الأميركية بحثوا، خلال لقاءات مغلقة، ترتيبات لإقامة قواعد أو تسهيلات عسكرية في ميناء ومطار بربرة، إلى جانب قاعدة محتملة في مطار بوصاصو.

وبحسب هذه المصادر، قدّم وفد أميركي بقيادة جنرال يحمل اسم أندرسون عرضاً مفصلاً لرئيس صوماليلاند حول رغبة واشنطن في نقل جزء من قوات مشاة البحرية الأميركية من جيبوتي إلى بربرة، لتكون نقطة ارتكاز لحماية الممر البحري الذي تمر عبره السفن المتّجهة إلى أوروبا وأميركا.

المسار نفسه طُرح في بوصاصو، حيث ناقش الوفد الأميركي مع نائب رئيس بونتلاند إمكانية تحويل المطار إلى منصة لعمليات قوات خاصة أميركية في شرق أفريقيا، تُستخدم في ملاحقة خلايا تنظيم الدولة ومراقبة شبكات تهريب السلاح عبر خليج عدن، إلى جانب تقديم دعم سريع للمواطنين الأميركيين وشركاء واشنطن في المنطقة عند الحاجة.

بهذه التحركات، تبدو الولايات المتحدة في طور انتقال من مرحلة الانخراط المباشر في حرب التمرّد ضد حركة الشباب في عمق الأراضي الصومالية، إلى مرحلة تفضّل فيها إدارة المخاطر من مسافة أقرب إلى الممرات المائية الإستراتيجية.

الرسالة الأبرز، بحسب مراقبين، أن واشنطن لم تعد ترى في الصومال ساحة أولى لـ"لحرب على الإرهاب" كما كان الحال قبل عقد من الزمن، بقدر ما تنظر إليه اليوم كجزء من حسابات أوسع لحماية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، وموازنة نفوذ قوى إقليمية ودولية تتنافس على مواقع القدم في هذه الرقعة الحساسة من العالم.