الثلاثاء 9 ديسمبر 2025
دخلت غينيا بيساو، الدولة الصغيرة الواقعة في غرب أفريقيا، فصلاً جديداً من عدم الاستقرار بعد إعلان مجموعة من كبار ضباط الجيش عزل الرئيس عمر سيسوكو إمبالو ووقف العملية الانتخابية، قبل أن يظهر الرئيس المخلوع بعد أيام في جمهورية الكونغو (الكونغو برازافيل) حيث وصل على متن طائرة خاصة.
مساء الأربعاء 26 نوفمبر (تشرين الثاني)، أعلن عسكريون سيطرتهم "الكاملة" على غينيا بيساو، مؤكدين تعليق العملية الانتخابية التي كانت نتائجها موضع خلاف، وتوقيف الرئيس. وأفادت تقارير بسماع إطلاق نار قرب القصر الرئاسي، بينما انتشر جنود بزي عسكري على الطريق الرئيس المؤدي إلى القصر، في بلد شهد منذ استقلاله عن البرتغال عام 1974 أربعة انقلابات وعدداً كبيراً من المحاولات الانقلابية الفاشلة.
الجنرال دينيس نكانها، قائد القوة العسكرية الملحقة بالرئاسة، ظهر لاحقاً في تسجيل متلفز من مقر هيئة الأركان، محاطاً بعسكريين مدججين بالسلاح، ليعلن أن ما سمّاه "القيادة العليا لاستعادة النظام" التي تضم مختلف فروع القوات المسلحة، تولت "إدارة البلاد حتى إشعار آخر". وقال إن ما دفعهم للتحرك هو "ضمان الأمن واستعادة النظام"، مشيراً إلى أن أجهزة الاستخبارات كشفت "خطة لزعزعة استقرار البلاد" بمشاركة "تجار مخدرات محليين"، وأن أسلحة أُدخلت إلى البلاد بهدف "تغيير النظام الدستوري.
مصادر عسكرية أكدت في الوقت نفسه توقيف الرئيس المنتهية ولايته عمر سيسوكو إمبالو داخل سجن في مقر هيئة الأركان، مشددة على أنه "يحظى بمعاملة جيدة"، مع اعتقال قائد الأركان ووزير الداخلية أيضاً، في خطوة عدّتها القيادات العسكرية ضرورية "لتأمين المرحلة.
بعد ثلاثة أيام على هذه التطورات، أعلنت مصادر حكومية في الكونغو أن إمبالو وصل السبت إلى العاصمة برازافيل على متن طائرة خاصة قرابة منتصف النهار، بعدما كان قد غادر بدايةً إلى السنغال المجاورة عقب الانقلاب. وأوضح مصدر في الرئاسة الكونغولية أنه يعتزم البقاء في البلاد، المعروفة باسم الكونغو برازافيل، لفترة غير محددة.
ويرجَّح أن اختيار برازافيل لم يأتِ من فراغ؛ إذ يُنظر إلى إمبالو، البالغ من العمر 53 عاماً، على أنه قريب سياسياً من الرئيس الكونغولي دوني ساسو نغيسو، وقد زار الكونغو مرات عدة خلال فترة رئاسته لغينيا بيساو، ما يفسر قبول استضافته بسرعة من جانب السلطات الكونغولية.
في المقابل، تحدّث أكبر أحزاب المعارضة في غينيا بيساو عن "اقتحام ميليشيا مدججة بالسلاح" مقره في العاصمة بيساو عقب الانقلاب، معتبراً أن الجيش استغل التوتر المحيط بالانتخابات الوطنية للانقضاض على السلطة. وكان من المقرر إعلان النتائج الأولية للاقتراع التشريعي والرئاسي عشية الانقلاب، في بلد كثيراً ما كانت نتائجه الانتخابية موضع جدل سياسي حاد.
رد الفعل الأفريقي لم يتأخر، إذ أعلن الاتحاد الأفريقي تعليق عضوية غينيا بيساو في هيئاته بعد يومين من استيلاء الجيش على السلطة، في إطار سياسة عدم التسامح مع التغييرات غير الدستورية للحكم التي اعتمدها الاتحاد في السنوات الأخيرة. ويضاف هذا الانقلاب إلى سلسلة اضطرابات شهدها الساحل وغرب أفريقيا خلال الأعوام الماضية، من مالي وبوركينا فاسو إلى النيجر والغابون.
ومع انتقال الرئيس المخلوع إلى خارج البلاد وتثبيت العسكريين سيطرتهم على مقاليد الحكم، تبدو غينيا بيساو أمام مرحلة انتقالية غامضة المعالم. ففي حين تتحدث القيادة العسكرية عن إدارة مؤقتة ريثما "يُستجلى الوضع" وتُستعاد "الشرعية الدستورية"، تخشى قوى معارضة ومنظمات مدنية من أن يتحول هذا الوضع المؤقت إلى أمر واقع طويل الأمد، يعيد البلاد إلى نقطة الصفر في مسارها الديمقراطي الهش.