تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 14 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
ثقافة

انعكاس التعدد اللغوي على الأدب في صومال ما بعد الاستقلال

19 يونيو, 2025
الصورة
انعكاس التعدد اللغوي على الأدب في صومال ما بعد الاستقلال
Share

يكشف الواقع الحالي للأدب في الصومال بأجناسه المختلفة (الشعر والقصة والرواية والمسرحية) عن أدب يكتب بلغات عدة، أبرزها: الصومالية والإنجليزية والعربية والأيطالية. وأن هذا الأدب، انطلاقا من اللغة التي يكتب بها، في نظري- يخاطب مستويات من القراء. فالأدب المكتوب باللغة العربية- يخاطب قراء على المستوى الإقليمي، والأدب المكتوب باللغات  الإنجليزية وغيرها- يخاطب قراء على المستوى العالمي. أما الأدب المكتوب باللغة الصومالية- فيخاطب قراء على المستوى القومي. ولا شك أن وضعية هذا الأدب الحالية- تطرح سؤالين مهمين، أولهما: هل يعد ّالتعدد اللغوي في البلاد سببا مباشرا في تشكّل هذا الوضع؟ وثانيهما: هل مثّل هذا الأدب بتعدد المستويات التي يخاطبها انفتاحا موحدا أم انفتاحات متعددة؟

المشهد اللغوي وتشكّل الأدب الصومالي

يشار في الأدبيات السياسية، التي درست الصومال- إلى أن هذا البلد تكتنفه مجموعة إثنية واحدة (القومية الصومالية)، ولغة واحدة (اللغة الصومالية)، ودين واحد (الإسلام)، وذلك في سياق أن هذه الأحادية الإثنية واللغوية والدينية- لم تشفع للصومال ليكون بلدا مستقرا على كافة الأصعدة، انطلاقا من أن التعدد الإثني واللغوي والديني- جرت العادة أن يكون خصما على الاستقرار. هنا نثير سؤال: هل هناك تعدد لغوي في الصومال، أم أنه بلد اللغة الواحدة، كما سعت إلى تضليلنا بعض الأدبيات السياسية؟

الحق أنه لا توجد صعوبة تذكر في الإجابة عن السؤال السابق. وذلك أن المعهد الصيفي للغويات SIL، وهو معهد أمريكي مختص بدراسة لغات العالم- خصّ الصومال بما أسماه: "تقرير الإثنولوج عن الصومال". وقد ذُكر في ذلك التقرير أن هناك 13 لغة حية متحدثة في الصومال. وهي: العربية والبوني "Boni" (تتحدثها قلة في الحدود مع كينيا عام 1991)، والبون "Boon" (يتحدثها 59 متحدثا عام 2000)، والدبّارّي "Dabbarre" (يتحدثها 26.753 متحدث عام 2000)، والإنجليزية، والقارّي "Garre" (يتحدثها 50.000 متحدث عام 1992)،  والجيدو "Jiiddu" (يتحدثها 29.000 متحدث عام 2000)، والماي "Maay" (يتحدثها 594.520 متحدث عام 2000)، والموشونقولو "Mushungulu" (يتحدثها نحو 50.000 متحدث)، والأورومو "Oromo" (يتحدثها 41.616 متحدث عام 2000)، والصومالية (يتحدثها 7.784.434 متحدث عام 2000)، والسواحلية (يتحدثها 40.000 متحدث عام 1992)، والتونّي "Tunni" (يتحدثها 29.726 متحدث عام 2000).

يشار في الأدبيات السياسية، التي درست الصومال- إلى أن هذا البلد تكتنفه مجموعة إثنية واحدة (القومية الصومالية)، ولغة واحدة (اللغة الصومالية)، ودين واحد (الإسلام)، وذلك في سياق أن هذه الأحادية الإثنية واللغوية والدينية- لم تشفع للصومال ليكون بلدا مستقرا على كافة الأصعدة

يلاحظ في هذا التقرير أنه باستثناء اللغات: العربية والسواحلية والصومالية والأورومو والإنجليزية والبوني- أن ما ذكر من لغات، إنما هو أسماء قبائل تتحدث اللغة الصومالية بلهجات مختلفة، تنحدر من اللهجتين الرئيسيتين للغة الصومالية، وهما: الماي "Maay"، والمحاتيري "Mahatiri".

انطلاقا من ذلك يمكن القول إن الصومال ليس بالبلد أحادي اللغة، وإنما هو بلد متعدد اللغات. وليس بغريب بعد ذلك أن تلقي هذه التعددية اللغوية بظلالها على الأدب المكتوب في الصومال. فيبرز أدب صومالي مكتوب باللغة العربية، وآخر مكتوب باللغة الإنجليزية، لغة المستعمر في الفترة من 1884 إلى 1960. إضافة إلى أدب أصيل يكتب باللغة الصومالية، اللغة القومية في البلاد.

مدخل إلى الأدب الصومالي المكتوب بلغات متعددة

تمت الإشارة مسبقا إلى أن المشهد اللغوي في الصومال- تجلّى عنه وجود أدب صومالي مكتوب بلغات رئيسية مختلفة، هي: العربية والإنجليزية والصومالية والايطالية، وبالطبع هذا لا يلغي وجود أدب صومالي شفاهي أو مكتوب بلغات أخرى، من تلك اللغات التي تشكل بالإضافة إلى اللغات المشار إليها- المشهد اللغوي في البلاد، وهي: الأورومية والبونية، والسواحلية. لكن هذه اللغات تتحدثها فئة قليلة من السكان، مما يقلل من انتشار الأدب الذي ينتمي إليها.

الأدب الصومالي المكتوب باللغة العربية.. أسير حياة المنفى

تحدثنا الكتب التي أرخت للغة العربية في الصومال- عن أن هذه اللغة استخدمها الصوماليون قديما وسيلة للمخاطبة والمراسلة والمعاملات التجارية والدينية. وأنها تميّزت بصفة خاصة في مجال الأدب. وأن الاستعمار في بداياته استخدمها في المعاملات الرسمية مع الصوماليين، قبل أن يحاربها. وأن حكومة 1969- 1991، حاربتها وحاربت حرفها، ثم حاولت تقويتها لاحقا، لكن هذه التقوية لم تحقق المطلوب. حاليا، يجري التعليم باللغة العربية عفويا، وبجهد شعبي.

تجلّى عنه وجود أدب صومالي مكتوب بلغات رئيسية مختلفة، هي: العربية والإنجليزية والصومالية والايطالية، وبالطبع هذا لا يلغي وجود أدب صومالي شفاهي أو مكتوب بلغات أخرى، من تلك اللغات التي تشكل بالإضافة إلى اللغات المشار إليها- المشهد اللغوي في البلاد

أما الأدب المرتبط بها في الصومال- فمرّ بمراحل عديدة، منها: مرحلة ما قبل "تصومل" العرب، الذين نزلوا البلاد، وانصهارهم الثقافي لصالح الثقافة الوطنية للأرض. ومنها المرحلة التالية، التي ارتبط فيها الأدب العربي في الصومال بالجانب الديني (المدح)، والقصائد التعليمية، وشعر العلماء. والمرحلة الثالثة، التي دخلت فيها الفنون الأدبية العربية الحديثة مثل الرواية والقصة، لينغمس الصوماليون في مرحلة من التلقي، والـتأثر بإبداعات أهل المشرق العربي.

يمكن القول إن المرحلة الأخيرة مرحلة مهمة في تاريخ الأدب الصومالي المكتوب بالعربية، فمن جهة- فإن مؤلفيه صوماليون أقحاح، ومن جهة أخرى، تم تأليفه بتأثير واضح بما يجري من مستجدات للأدب في المشرق العربي. فضلا عن ذلك فالمؤلفين الذين ارتبطوا به عاشوا، غالبا، خارج الصومال. وبما أننا سنركز على وضعية الأدب العربي في مرحلة ما بعد استقلال الصومال. فيمكن الحديث عن أن هناك أدبا عربيا مكتوبا باللغة العربية منطلق من مشكاتين أساسيتين: أولى، وهي تشمل مجموعة من الأدباء يكتبون أدبهم من بيئات عربية في السعودية والإمارات ومصر والأردن... إلخ. وثانية، وهي مجموعة تكتب من البيئة الصومالية.

إذا بدأنا بالأديب محمد طاهر أفرح- فسنجد أنه في نظر النقاد، يمثل أديبا ومؤرخا وعبقرية صومالية. وأن لأفرح روايات اجتماعية، ومسرحيات فنية، ومدونات أدبية- أحدثت هندسة إيديولوجية معيارية. وأنه جمع في كتاباته بين اللغة الصومالية واللغة العربية. وقد صدر له باللغة العربية "نداء الحرية" عام 1976، والذي يعد أول رواية يكتبها مؤلف صومالي باللغة العربية. وتم توصيفها بالرواية التاريخية الصومالية البحثة. كما تم توصيفه بأنه يجمع قصصا من التراث الصومالي، والمسرحيات التاريخية.

ثم يجيء الكاتب محمد علي ديريه، الذي يعدّه بعض النقاد بأنه أول كاتب صومالي يصدر كتابا ناضجا باللغة العربية، وهو كتاب "إلى كاراكاس بلا عودة"، الذي يضم نصوصا أدبية متشعبة، أطلق عليها اسم "سرديات". وقد تناول فيه جوانب من حياته الشخصية، ومواقفه تجاه الواقع المحيط به.

أما الشاعر محمد الأمين محمد الهادي، الذي عدّه بعض النقاد صاحب أكبر تجربة شعرية في الصومال، عبّر عنها باللغة العربية- فهو من الذين تشكلوا في البيئة الصومالية، على الرغم من أنه قضى معظم حياته خارجها، إلا أن نبوغه الشعري كان في الصومال. وهذا يفسر ارتباطه الوثيق بالأحداث المصيرية في الصومال.

يعد فارح أحد مؤسسي الأدب الروائي الأفريقي. الحق أنه بالإضافة إلى ذلك- تعكس مسيرته الإبداعية رحلة كتابة الأدب الصومالي بالإنجليزية.

الأدب الصومالي باللغات الغربية: الإنجليزية نموذجًا

حظي الأدب الصومالي بالمكتوب باللغة الإنجليزية بالانتشار عالميا؛ بسبب جغرافية انتشار هذه اللغة. ومن الكتاب الذين شقوا طرق إبداعاتهم بهذه اللغة الروائي الصومالي الكبير نور الدين فارح (المولود عام 1945). يعد فارح أحد مؤسسي الأدب الروائي الأفريقي. الحق أنه بالإضافة إلى ذلك- تعكس مسيرته الإبداعية رحلة كتابة الأدب الصومالي بالإنجليزية.

نكتفي هنا بتسليط الضوء على بعض إبداعاته، التي تستحق أن نبدأها بالإشارة إلى روايته "الإبرة العارية" (1976)، التي تدور أحداثها في العاصمة الصومالية، مقديشو، وفيها يرسم صورة قاتمة لهذه المدينة. ومن رواياته أيضا: "مولودا على ساحل آدم"، التي تعد روايته الأولى. و"من ضلع أعوج" (1970)، التي أثارت جدلها الخاص بسرد قصة فتاة صومالية شابة، هربت من زواج مرتب مع رجل كبير في السن. و"أغلق يا سمسم" (1983). وثلاثية "دماء الشمس" (خرائط، وهدايا، وأسرار)، التي توّجت بحصوله على جائزة "نيوستاد" الدولية عام 1998. ورواية "شمال الفجر" (2018)، التي حكى فيها عن حياة زوجين صوماليين أصبحا بشكل كامل نرويجيين، لكن ابنهما يلتحق بصفوف "حركة الشباب المجاهدين"، ويعود إلى الصومال.

يجمع بين روايات نور الدين فارح، التي قد تصل إلى 15 رواية، وتمت كتابتها باللغة الإنجليزية، التي شكلت له نافذة للاطلاع على الأدب الأوروبي والأمريكي، وما ترجم من آداب الأمم الأخرى إلى الإنجليزية، كما كتب أيضا باللغة الصومالية- يجمع بين هذه الروايات أنها في مجملها شكّل الصومال، وتاريخه، وحكاياته، ومأساته حروبه الأهلية- المادة الأساسية لها. فهو لم يلجأ، كما يرى بعض النقاد، إلى التغريب لتسويق نفسه في إطار الثقافة الشعبية لإرضاء القاريء الأوروبي، وإنما استخدم التغريب لكشف جحيم حياة الصومال والصوماليين أثناء فترة الاستعمار. فالصومال، على ما يبدو، ليس قطعة جغرافية، وإنما روح تعانق قلوب شعرائها وأدبائها.

الأدب الصومالي المكتوب باللغة الصومالية

يعدّ الأدب الصومالي المكتوب باللغة الصومالية- المحور الأساس، على اعتبار أن الأدب الصومالي المكتوب باللغات الأجني، يمثل عند البعض أدبًا مكتوبا بلغات أجنيية. وانطلاقا من ذلك يتوقع أن يكون الأدب الأكبر من حيث عدد المبدعين، والأكثر إنتاجا وتنوعا، والأوفر حظا في البلاد، حيث توجد ذائقة فطرية تساعد في انتشار هذا الأدب. ولأن ما نهدف هنا تقديم إشارات سريعة عن الأدب الصومالي المكتوب باللغة الصومالية، وليس التعمق في هذا المجال-وهنا نشير إلى أبرز الروائيين الصوماليين، الذين كتبوا باللغة الصومالية، وهو محمد طاهر أفرح (مواليد 1952)، الذي يعد من رواد الرواية الحديثة في الصومال، بل يمثل عند بعض النقاد أبا للرواية الصومالية، المكتوبة باللغة الصومالية. ولأفرح عدد من الروايات منها: رواية "Guur Ku Sheeg" (1975)، ورواية "Galti Macruuf"، (1980)، ورواية "Maana Faay"، التي صدرت عام 1980، والتي يرى أحد النقاد أنها أشهر رواية مكتوبة باللغة الصومالية. وأن مؤلفها استخدم فيها تقنيات حديثة في السرد (بمعايير زمنها). وأنها تصور المشهد الصومالي بعيون أدبية، فهي تضع أمام القاريء التصور الكامل عن الحياة في العاصمة، مقديشو، وكذلك حياة البدو في الصومال بين المعاناة وبين حياة مليئة بالتفاؤل.

أبرز الروائيين الصوماليين، الذين كتبوا باللغة الصومالية، وهو محمد طاهر أفرح (مواليد 1952)، الذي يعد من رواد الرواية الحديثة في الصومال، بل يمثل عند بعض النقاد أبا للرواية الصومالية، المكتوبة باللغة الصومالية

نخلص إلى أن هذا التعدد اللغوي أسهم في خلق أدب صومالي مكتوب بثلاث لغات، هي: العربية (والأدب المكتوب بها يخاطب المستوى الإقليمي، حيث المحيط العربي والأفريقي العربي)، والإنجليزية (والأدب المكتوب بها يخاطب المستوى العالمي)، والصومالية (والأدب المكتوب بها يخاطب المستوى القومي، وبعض دول الإقليم "إثيوبيا وكينيا").

انعكس هذا التعدد على الأدب الصومالي من جهة تطوره وقضاياه، إذ مثلت اللغة العربية انفتاحا له على مسيرة الأدب العربي بأجناسه المختلفة، ومثلت اللغة الإنجليزية انفتاحا له على الأدب الأوروبي والأمريكي. أما اللغة الصومالية فمثلت انفتاحا له على الأساطير والتقاليد الإفريقية المحلية، التي تعد مرتكزا أساسيا للروايات الإفريقية المحلية.