الأربعاء 20 مايو 2026
ماذا حقّقت مؤتمرات باريس ولندن السابقة حقا؟ هل أوفى المانحون بتعهداتهم؟ هل غيّرت مسار التدخلّات بنية الكارثة سياسيا ودبلوماسيا، أم اكتفت بإعادة توصيفها؟ هل فتحت ممرات إنسانية فاعلة، أو قرّبت بين أطراف الصراع، أو دفعت نحو وقف إطلاق نار قابل للقياس والتفاءل؟ أم أنّها، في المجمل، لم تتجاوز إنتاج خطاب مُعاد عن الإلحاح الإنساني، بلا نتائج فعلية على أرض المأساة. أين القيمة المضافة حقاً، في إقامة مؤتمر برلين لمقاربة الأزمة السودانية المستمرة التي تدخل بمنتصف أبريل/نيسان الجاري، عامها الرابع مع توصيفها كواحدة من أضخم الكوارث الإنسانية في العالم، حيث نحو 14 مليون نازح، وأكثر من 34 مليون محتاج إلى مساعدات عاجلة، وسط انهيار عميق في بنية الدولة والخدمات الأساسية، في ظل تمدّد المجاعة واتساع رقعة الهشاشة.
على امتداد استمرار الحرب، تتابعت المبادرات الإقليمية والدولية، بين جولات وساطة ومؤتمرات إنسانية، ومساعي ضغط سياسي، غير أنّ كثافتها لم تُترجم إلى اختراق نوعي في مسار الأزمة. في هذا السياق، يجيء انعقاد مؤتمر برلين في نسخته الثالثة كمحاولة مكررة لإعادة حشد الدعم الدولي، وتنسيق الاستجابة الإنسانية، إلى جانب الدفع نحو وقف إطلاق النار.
بالتوازي، تكثّفت تحركات سياسية أخرى، من اجتماعات داخل البرلمان الإيطالي، إلى لقاءات في واشنطن مع ممثلين عن الحكومة السودانية، فضلًا عن مشاورات في باريس بمشاركة قوى مدنية، في محاولة لإعادة إدراج الملف السوداني ضمن أولويات الأجندة الدولية. ومع ذلك، وسط هذه التحركات مع تباين مواقف القوى السودانية في ظل تنوع المنصات، يبقى التباعد قائمًا بين زخم الدبلوماسية والمناصرة السياسية ووقائع الميدان؛ حيث يستمر القتال، وتتعقّد خرائط السيطرة، وتتآكل فرص الاحتواء السريع. وهو ما يعيد طرح السؤال الجوهري: هل نحن أمام محطات جادّة لإنتاج حل، أم أمام حلقة مستديرة في نمط متكرر من إدارة أزمة تتفاقم، لا تُحل؟
استضافت العاصمة الألمانية برلين في 15 أبريل/نيسان 2026 المؤتمر الدولي الثالث حول الأزمة السودانية، بمشاركة مسؤولين من أكثر من 60 دولة إلى جانب أكثر من 50 منظمة غير حكومية سودانية ودولية. وجاء المؤتمر استمراراً لمسار دولي بدأ في باريس عام 2024، ثم لندن عام 2025، برعاية مشتركة من ألمانيا والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي وحضور جامعة الدول العربية.
أعلن وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول عن تعهدات مالية تجاوزت 1.3 مليار يورو (نحو 1.5 مليار دولار)، وصفها بأنها "إشارة إيجابية" في وقت تتراجع فيه الموارد المخصصة للمساعدات الإنسانية عالميا. وتعهدت ألمانيا وحدها بتقديم 212 مليون يورو من المساعدات الإنسانية، فيما أفاد بيان آخر صادر عن وزارة الخارجية الألمانية أن إجمالي التعهدات بلغ 1.49 مليار يورو كمساعدات إنسانية إضافية.
يلاحظ أن قيمة التعهدات تتراجع تدريجياً من باريس نحو لندن إلى برلين، وهو ما يعكس "إرهاق المانحين" وتراجع الاهتمام الدولي في ظل أزمات عالمية متزامنة
ركز المؤتمر على دمج العمل الإنساني بالمسار السياسي المدني، وأسفر عن تأسيس آلية جديدة لضمان تنسيق الضغوط الدولية من أجل وضع حد للصراع المستمر. وصرح وزير الخارجية الألماني بأن "هذه الحرب تهم العالم أجمع، وكل من يملك القدرة على إنهاء القتل والموت ملزم سياسياً وأخلاقياً بممارسة هذا النفوذ".
على الجانب الآخر، اتخذت الحكومة السودانية موقفاً رافضاً للمؤتمر. فقد أكد رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس أن المؤتمر ومخرجاته "لا تعني الحكومة والشعب السودانيين"، مشيرا إلى أنه لم تتم دعوة السودان للمشاركة، واعتبر ذلك "خطأ فادحاً" من قبل الجهات المنظمة. ووصفت وزارة الخارجية السودانية المؤتمر بأنه "يمثل تدخلاً مفاجئاً وغير مقبول" في الشأن الداخلي، "ويعكس نهج الوصاية الاستعماري"، وكانت حكومة السدوان قد سلمت مذكرة رسمية إلى وزارة الخارجية الألمانية بشأن المؤتمر وموقفها الرافض له. كما غاب عن المؤتمر ممثلو طرفي النزاع (الجيش السوداني وقوات الدعم السريع) لعدة عوامل.
عقب ختام المؤتمر، وقّعت العديد من الكيانات المدنية السودانية إلى جانب نشطاء بأوروبا وحركات مسلحة، ممن شاركوا في المؤتمر، على إعلان سياسي تحت مسمى "إعلان برلين". وأكد الإعلان رفض المؤتمر شكلاً ومضموناً، والتمسك بسيادة الدولة السودانية، وضرورة تمثيل حقيقي يعكس إرادة الشعب السوداني. ومن المقرر تسليم الإعلان إلى الآلية الخماسية والرباعية (باستثناء دولة الإمارات)، إضافة إلى الدول المستضيفة، وعدد من الدول المشاركة في المؤتمر.
في الخلفية، يثير الدور الألماني البارز في الأزمة السودانية تساؤلات حول دوافع برلين للاضطلاع بهذه المهمة في هذا التوقيت تحديداً. ودون استعراض الخلفية التاريخية للعلاقات بين البلدين، والتي تمتد إلى ما قبل استقلال السودان، وقد تطورت على مدى العقود التالية بشكل ملحوظ. ففي الفترة التي تلت سقوط البشير مثلا، انخرطت ألمانيا بقوة في دعم عملية التغيير السياسي في السودان. ووفقاً لمصادر سودانية، بلغت المعونات الألمانية للسودان منذ عام 1959 وحتى عام 1991 ما قيمته 367 مليار مارك ألماني، في مؤشر على عمق العلاقة التنموية بين البلدين.
أما عن توقيت التحرك الألماني الحالي، فيمكن تفسيره بعدة عوامل متداخلة: أولاً، المخاوف الأوروبية المتزايدة من تداعيات الأزمة السودانية على استقرار المنطقة وأوروبا، لا سيما في ظل موجات الهجرة والتدخلات الإقليمية والدولية المتشابكة. ثانياً، تراجع الاهتمام الدولي بالسودان في ظل استمرار الحروب في أوكرانيا وإيران، وانعكاساتها على الاتحاد الأوروبي، ولاسيما في صراعها مع الولايات المتحدة، بشأن مستوى التدخل في الأزمة السودانية ضمن بنية الصراعات السياسية بين الاتحاد الأوروبي والإدارة الأمريكية الحالية، وهو ما دفع ألمانيا إلى محاولة "إبقاء السودان على الأجندة الدولية"، كما صرح وزير خارجيتها. ثالثا، تمتع ألمانيا بقبول نسبي في الأوساط السودانية بفضل تاريخها التنموي الطويل، مما يجعلها وسيطاً مقبولاً نسبياً مقارنة بقوى استعمارية أخرى.
قبل انعقاد مؤتمر برلين، استضافت العاصمة الإثيوبية أديس أبابا اجتماعاً تحضيرياً برعاية الآلية الخماسية، ضم ممثلين عن قوى مدنية وسياسية سودانية بما فيها تحالف صمود، وتنسيقية القوى الوطنية، والشباب، والمجموعات النسوية، وحركات مسلحة. وقد استهدف الاجتماع تهيئة حوار سوداني-سوداني عبر تشكيل لجنة تدير النقاشات وتمهّد لمخرجات عملية، في محاولة لإنعاش مسار سلام متعثر، في لحظة حرجة مع دخول الحرب عامها الرابع، بوصفه منصة لحشد الدعم الإنساني وتنسيق الجهود الدولية، وربما الدفع نحو مسار سياسي. غير أن التقديرات تتباين: فبينما نظر إليه البعض، كمحطة مفصلية يمكن أن تعزّز الضغط لوقف إطلاق النار وفتح أفق انتقال مدني، رأى آخرون أن محدودية نتائج مؤتمري باريس ولندن، واستمرار فجوة التمويل والتنسيق، فضلاً عن ضعف الضغط الدولي، قد تُبقي أثره في حدود تحسين الاستجابة الإنسانية دون إحداث اختراق حقيقي في مسار الحرب، الذي يظل رهين إرادة الأطراف السودانية نفسها.
في تحركات موازية، مع منصة برلين، تكشف لقاءات مستشار رئيس مجلس السيادة للشؤون السياسية والعلاقات الخارجية، أمجد فريد، في واشنطن مع عدد من أعضاء الكونغرس، عن مسعى رسمي لإعادة صياغة السردية السودانية داخل دوائر القرار الأمريكي. إذ ركّزت هذه اللقاءات على طرح الحرب بوصفها نتاجًا مباشرًا لتدخلات خارجية، مع التشديد على ضرورة وقف تدفق السلاح إلى قوات الدعم السريع، ورفض أي مقاربة تساوي بين مؤسسات الدولة و"ميليشيا مسلحة" متهمة بارتكاب انتهاكات ممنهجة. كما تطرّقت النقاشات إلى التحديات الإنسانية، بما في ذلك استخدام التجويع كسلاح حرب وفجوات تمويل الإغاثة، إلى جانب التحذير من حملات تضليل تسعى، إلى تشويه طبيعة الصراع وربطه بأبعاد أيديولوجية. كما سعت هذه التحركات إلى حشد دعم سياسي أمريكي أكثر صرامة تجاه التدخلات الإقليمية، والدفع نحو مقاربة تستند إلى ما تصفه الحكومة بـ"الحقائق الميدانية"، مع التأكيد على حق الدولة في الدفاع عن سيادتها في مواجهة ما تعتبره عدوانًا خارجيًا.
تمتع ألمانيا بقبول نسبي في الأوساط السودانية بفضل تاريخها التنموي الطويل، مما يجعلها وسيطاً مقبولاً نسبياً مقارنة بقوى استعمارية أخرى
كما عُقدت، في 14 أبريل/نيسان الجاري، أي يوما واحدا قبل مؤتمر برلين، ندوة في البرلمان الإيطالي خصصت لمناقشة الأزمة السودانية. خلال كلمته أمام مجلس النواب الإيطالي، استعراض القيادي في تحالف "صمود" ونائب رئيس حزب المؤتمر السوداني، خالد عمر يوسف (الملقب بـ"سلك")، إلى جانب القيادي بتحالف صمود، بكري الجاك، عدة نقاط بشأن ضرورة مناصرة الأزمة السودانية. ودعا يوسف إلى وقف فوري لإطلاق النار، وطالب بتنسيق الجهود مع إيطاليا والاتحاد الأوروبي للضغط على الأطراف المتحاربة. كما شدد على ضرورة توحيد المبادرات السياسية تحت إطار واحد لمنع الأطراف المتحاربة من استغلال تعدد المنابر لإطالة أمد النزاع.
يشكّل الانقسام العميق داخل القوى المدنية السودانية أحد أبرز العوائق أمام أي حل سياسي للأزمة. فمنذ اندلاع الحرب ظل المشهد المدني ضعيفاً ومشتتاً، وتعتريه انقسامات عميقة بين مؤيد للجيش ورافض له على خلفية الانقلاب على الحكومة المدنية. وتتوزع القوى المدنية السودانية البارزة حالياً على عدة تكتلات رئيسية: حيث "تحالف صمود" (التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة)، وقد تشكل في مايو/آيار 2025، ويضم أحزاباً وشخصيات مدنية تسعى لوقف الحرب واستعادة المسار الديمقراطي. وقد شارك بفعالية في الاجتماعات التحضيرية بأديس أبابا، إلى جانب "تحالف تأسيس"، وهو تحالف سياسي تقوده قوات الدعم السريع، وتعتبره القوى المحسوبة على الجيش طرفاً غير مقبول في أي حوار سياسي، فضلاً عن قوى الكتلة الديمقراطية وقوى الحراك الوطني، وتحالف سودان العدالة، وتنسيقية العودة لمنصة التأسيس، وهي كلها كيانات سياسية شاركت في مشاورات أديس أبابا، لكنها متباينة في مواقفها من طرفي الحرب.
يظل أبرز إنجازات هذه المؤتمرات، إبقاء القضية السودانية حية على الأجندة الدولية، في وقت تتنافس فيه أزمات عالمية متعددة على الاهتمام والموارد
لا تكمن، المعضلة الأساسية، كما يلاحظ محللون، في غياب بيان إضافي، أو في نقص النداءات العامة، بل في وجود خلافات تأسيسية وعميقة بين القوى السياسية والمدنية حول قضايا جوهرية. وقد تحولت "تقدم" (تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية) خلال أكثر من عام إلى مظلة رمادية تجمع تحتها من يدّعون الحياد، بينما يميلون عملياً لصالح أحد أطراف الحرب، وهو ما عمّق أزمة الثقة في هذه الكيانات. وقد انعكس هذا الانقسام بوضوح في مواقف القوى المدنية من مؤتمر برلين نفسه. فبينما رحب تحالف "صمود" بالوثيقة المشتركة لوقف الحرب التي وقعتها قوى مدنية سودانية خلال المؤتمر، نظم سودانيون في ألمانيا وقفات احتجاجية رفضا لما وصفوها بـ"الحلول المفروضة" و"المساس بسيادة السودان".
يؤدي هذا التشتت المدني إلى عدة نتائج سلبية: فهو يمنع تشكيل جبهة مدنية موحدة قادرة على الضغط على طرفي الحرب، ويفسح المجال لاستمرار الاستقطاب العسكري. كما يضعف مصداقية القوى المدنية لدى الأطراف الدولية التي تبحث عن شريك سوداني موثوق للحل السياسي. وقد أدى تعدد المنابر الدولية والإقليمية إلى "تشتيت الجهود وعدم توحيدها"، مما يزيد من تعقيد المشهد بدلاً من تبسيطه.
يأتي مؤتمر برلين تتويجاً لسلسلة من مؤتمرات المانحين التي عُقدت منذ اندلاع الحرب: حيث في مؤتمر باريس (أبريل 2024)، حصد تعهدات فاقت ملياري يورو لدعم الاحتياجات الإنسانية في السودان. بينما أسفر مؤتمر لندن (أبريل 2025)، عن تعهدات بتقديم نحو 800 مليون دولار إضافي للسودان وجواره. فيما جاءات تعهدات مؤتمر برلين (أبريل 2026)، بمبلغ قيمته بـ 1.3 مليار يورو. وعليه، يلاحظ أن قيمة التعهدات تتراجع تدريجياً من باريس نحو لندن إلى برلين، وهو ما يعكس "إرهاق المانحين" وتراجع الاهتمام الدولي في ظل أزمات عالمية متزامنة.
تكمن الإشكالية الأكبر في الفجوة الواسعة بين التعهدات المعلنة والمساعدات التي تصل فعلياً إلى المستفيدين. ففي فبراير/شباط 2025، أي بعد نحو عام من مؤتمر باريس، دعا مجلس السيادة السوداني مانحي مؤتمر باريس للوفاء بالتعهدات المالية، في إشارة واضحة إلى عدم تنفيذ جزء كبير من تلك التعهدات. كما دعت الحكومة السودانية في يوليو/تموز 2024 المجتمع الدولي للوفاء بتعهداته. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الاحتياج المالي للمساعدات الإنسانية في السودان يبلغ نحو 2.9 مليار دولار أميركي، مما يعني أن التعهدات التي تم حشدها لا تغطي سوى جزء من الاحتياجات الفعلية، حتى لو تم تنفيذها بالكامل.
في الواقع، تتعدد أسباب عدم وفاء المانحين بالتزاماتهم. حيث تختلف بين تراجع أولويات التمويل الدولي مع تزايد الأزمات العالمية (أوكرانيا، غزة، إيران)، وغياب آليات رقابية فعالة لمتابعة تنفيذ التعهدات. وتتباين بين العوائق اللوجستية والأمنية التي تحول دون إيصال المساعدات إلى المناطق المتضررة بسبب استمرار القتال، وغياب ثقة المانحين في قدرة الأطراف السودانية على ضمان وصول المساعدات لمستحقيها دون استغلالها في المجهود الحربي.
رغم أهمية التعهدات المالية التي تم حشدها، يبقى أثرها الإنساني مرهوناً بثلاثة شروط أساسية: أولا، وصول التمويل فعلياً وليس فقط التعهد به. ثانيا، القدرة على إيصال المساعدات إلى المناطق المتضررة في ظل استمرار القتال. ثالثا، استمرار تدفق التمويل، وعدم اقتصاره على دفعات متقطعة. وقد صرحت وزارة الخارجية الألمانية بأن هدف المؤتمر هو "وقف العنف بأسرع وقت ممكن، وتمكين تدفق المساعدات الإنسانية بشكل كامل ودون عوائق، وتحقيق وقف إطلاق النار". لكن غياب طرفي النزاع عن المؤتمر يثير شكوكاً جدية حول قدرة المجتمع الدولي على فرض هذه الشروط على أرض الواقع.
تشير المعطيات إلى أن فرص تحقيق اختراق سياسي عبر هذه المؤتمرات تبقى محدودة لعدة أسباب، أبرزها: غياب أطراف الصراع من أي مؤتمر، ما يعني أن أي مخرجات سياسية ستظل حبراً على ورق، ما لم يوافق عليها طرفا القتال. ثانياً، تعدد المنابر والمنصات، ما يؤدي إلى تشتت الجهود وغياب استراتيجية دولية موحدة. ثالثاً، انقسام القوى المدنية، حيث أن استمرار الانقسامات العميقة داخل القوى المدنية والسياسية، يضعف قدرتها على تشكيل بديل سياسي مقنع لطرفي الحرب. لكن رغم ذلك، يظل أبرز إنجازات هذه المؤتمرات، إبقاء القضية السودانية حية على الأجندة الدولية، في وقت تتنافس فيه أزمات عالمية متعددة على الاهتمام والموارد. كما تساهم في خلق إطار تنسيقي بين القوى الغربية، والقوى الإقليمية، وإن كان هذا الاصطفاف لا يزال هشاً بسبب تضارب المصالح الإقليمية في السودان.
في المحصلة، تمثل سلسلة المؤتمرات الاقليمية والدولية حول السودان، من باريس إلى لندن فبرلين، فضلاً عن جدة والمنامة، محاولات مقدرة من المجتمع الدولي لإدارة الأزمة السودانية، لكنها تبقى أقرب إلى "إطار لإدارة الصراع منه إلى آلية لحله". ويكمن جوهر المشكلة في أن هذه المؤتمرات تعالج أعراض الأزمة (الاحتياجات الإنسانية بما تمثل إدارة للأزمة) دون معالجة أسبابها الجذرية (الصراع على السلطة والموارد وتقاطع مصالح القوى الاقليمية والدولية في البلاد بما يعني إنهاء الأزمة). ودون معالجة التحدياث الماثلة، ستظل هذه المؤتمرات، رغم أهميتها الإنسانية والاخلاقية، تدور في حلقة مفرغة: تعهدات تتكرر سنوياً، وأزمة تتفاقم يوماً بعد يوم، وشعب مكلوم يدفع الثمن وحده وسط قتال مستمر.