تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 21 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

إنه نفاقٌ عسكريّ يا ناندي

17 أغسطس, 2025
الصورة
إنه نفاقٌ عسكريّ يا ناندي
Share

وأنا على قارعة الطريق، أتت إليّ بنبرةٍ يميل إليها الفؤاد، قالت لي بلغة الفرنجة”HOW ARE YOU?” ، رددت لها كما تردون، وبدأت تسرد لي مقصدهم: إنهم فتيةٌ آمنوا بربهم، يهتمون بالكلاب وقطط الطريق، ويوفرون لهذه الحيوانات المأكل والمشرب والمسكن. طلبت مني أن أُساهم، من باب الرفق بالحيوان، بمبلغٍ ماليٍّ طفيف، فالحيوانات أيضًا لها حقّ العيش، أن تعيش مثل البشر.

أنا هنا، يا سادة، ليس لديّ جنسيةٌ معيّنة أمثّل القارة الأفريقية والأمريكية أيضًا، لأنها قالت لي: "متى أتيت من أمريكا؟!" وهي تظنني سيّد العالم، أمريكيًّا يحمل القوة والدولارات! فالسيدُ قويٌّ يقصف من يشاء، ويرحم من يشاء. يا سادة، العالم قد تطوّر، وأصبحوا يبحثون عن حقوق الكلاب والقطط. في أزقّة إسطنبول، ستجد أكواخًا أنيقةً للكلاب والقطط، مصنوعةً من الخشب المصقَل، مفروشةً ببطاطين ناعمة، وأقمشةٍ واقيةٍ من البرد. وأمام هذه الأكواخ، وُضعت أوعيةٌ للماء والطعام، يستطيع الكلب أو القطة أن يأكل في أي وقتٍ يشاء. يا سادة، هنا الكلاب ملوك، والقطط أميراتٌ في قصورهنّ وخُدورهنّ، يحظين بالرعاية الكريمة.

نحن مواطنون نحلم بسودان يجمعنا لا يفرقنا. نؤمِّن بالسودانية الجامعة، ونمهّد لقبول الآخر في ضمير كل شاب عاشق لهذا الوطن. نؤمن أن في تنوّعنا قوة، وفي اختلافنا تميز، وفي تعدّد ألسنتنا ثراء

كم تمنى صديقي أبوالزيك أن يكون قطة، لكي ينام بين تلتين جميلتين مرنّتين! كنتُ أحكي مع صديقٍ فكاهي، فقال لي: يا عمك ! ما في زول داير ليهو كلب هناك! فقلتُ له مازحًا: ألديك كلبٌ ترسله؟ فقال: يا زول، أنا الكلب زاتو!

ذكّرني بزميلي في المرحلة الابتدائية، الصديق المشهور بـ"كلب السُرّة"، السارق الذي سرق قلوب كلّ الفتيات في تلك الفترة.

لنعد إلى قصّتنا؛

الفرق كبيرٌ بين الكلاب هنا وهناك. الكلب هنا ودودٌ، يأتي إليك وهو يحمل في قلبه ذرّاتٍ من الحبّ والسلام والوئام، يهزّ ذيله كأنما يريد أن يحتفل بلقائك. تستطيع أن تلعب مع أي كلب شئت، أن تداعبه أو تلمسه، أو حتى تحدّثه؛ فالكلاب هنا للجميع، والجميع للكلاب. أما نحن في السودان، فالكلب إمّا أن تفرّ منه أو يفرّ منك بيننا وبينهم عداوةٌ وبغضاء، عداوةٌ غريبة، كأنها موروثة من جيلٍ عفا عليه الزمان.

زميلتي الرواندية، من أسرة برجوازية، تُدعى "ناندي"، لديها قطة جميلة تُدعى "لينا"، تأتي بها إلى الجامعة داخل حقيبة لها نوافذ، وفي الحقيبة طعامها وشرابها، وكيسٌ للقمامة إذا تغوّطت القطة، ومنديل مبلّل للتنظيف، وحقيبتها لا تخلو من معطّر "الصندل المحليّ الأفريقي".

جاءتنا يومًا تبكي بحرقة، والسبب أن قطةً كبيرة ضربت قطتها الصغيرة دون سبب. على أي حال، بعضنا اهتمّ بالقطة، والبعض الآخر اهتمّ بصاحبة القطة، وكنتُ أنا من المهتمّين بها؛ فما شأني بالقطط؟!

ناندي دعتني ذات مرة، حينما جاء أهلها لسياحة أسبوعية إلى مدينة أنطاليا، وقالت بكل صدق: "الذي يصارع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لا يفكّر إلا من أجل البقاء ليعيش، ليدافع عن نفسه، ليتجنّب الجوع، وليظلّ واقفًا على قدميه. لا يلجأ إلى التفكير، لمجرّد أنه نشاط ذهنيّ".

يلعبون بمفهوم الديمقراطية كما يلعب الأطفال بالرمل، يُشيّدون بها قلاعًا من الكلام، وما أن تأتي أول موجةٍ من الواقع حتى تنهار على رؤوسهم

يا سادة، كيف لي أن أعيش بين هذه الازدواجية؟ بين بيئة أتمناها لبلادي، وبين أحلام وتمنّيات تتلاشى كالسراب؟ أنا وسط قوم يحفظون حتى حقوق القطط، وفي الخرطوم، لحوم البشر قد باتت بالأمس وجبات شهيّة  للكلاب، وأطباقًا لذيذة لقطط أم درمان. نعم، هناك أطفال يموتون من الجوع، ونساء أرامل يفترشن الأرض، وكبارُ سنٍ فاقدو البصر والسند. معسكراتٌ ومخيّماتٌ للنازحين في دارفور تغطّي البلاد، وهي منسيّة، كأنها من مدن النسيان. وأبنوسيات الجبال يتغذّين من أوراق الشجر، وما زالت الحرب العبثيّة تدور رحاها، لتقضي على ما تبقّى من أمل، ولتطحن ما تبقّى من الوطن. رحمةُ الله تغشاكِ يا أُمّةً تقتلُ شعبها، وتبًّا لقومٍ لا يفقهون شيئًا عن لغة السلام والأمان وكرامة الإنسان. لا أؤمن بثنائيّة: "نصر أو شهادة"، ولا أؤمن بحربٍ تُسمّى "معركة الكرامة". لا شهادةَ في الأولى، ولا كرامةَ في الثانية. إنه نفاقٌ عسكريّ يا ناندي؛ كلاهما متعطّشٌ للسلطة، سفّاكٌ للدماء.

نحن مواطنون نحلم بسودان يجمعنا لا يفرقنا. نؤمِّن بالسودانية الجامعة، ونمهّد لقبول الآخر في ضمير كل شاب عاشق لهذا الوطن. نؤمن أن في تنوّعنا قوة، وفي اختلافنا تميز، وفي تعدّد ألسنتنا ثراء. نؤمن أن قوة السلاح لن تجلب لنا الخير. حاجتنا الحقيقية حفنة من الأمن، والسلام، والمحبة.

أيها السادة المتقاتلون، يا حماة الكراسي وورثة الخراب، تحسبون الوطن قطعة أرض تُقسَم بالمسطرة، وكرسيّ سلطة يُقاس بعمر الجالس عليه، ودراهم معدودة لا تكفي حتى لشراء شرفٍ مفقود. تقتلون الإنسان باسم الوطن، ثم تضعون أكاليل النصر على قبره، وتسمّونه شهيدًا لوطن لم يعد موجودًا. يرون أن الوطن عبارة عن قطعة أرض، وحفنة سلطة. وأنا من الذين كفروا بهذا الفكر؛ أرى أن الوطن، وقبل كل شيء، إنسان، وقتل الإنسان بغض النظر عن انتمائه أراه قتلًا للوطن.

فيا وطني، كفَّ عن هوايتك المفضّلة، وعد إلى رشدك، إلى الوطن الجامع.. إلى السوداناوية الجامعة. سيفهم شعبنا الأبي يوما لماذا ننادي بالوحدة، في ظلِّ حكومات تمهِّد للانفصال. لن ننفصل هذه المرّة، وسنظل نرفع راية الوحدة، وننادي بالسلام والوئام. فإن كنتم رجالًا للحرب، فنحن رجالٌ للسِّلم. وإن كانت الدعوة إلى الوحدة والسلام تُعدّ خطيئة في نظر البعض، فلتكن إذًا خطيئتنا التي سنعتزّ بها أمام التاريخ.

لعل المفكر التونسي  هشام جعيط كان محقا حينما قال: "أشعر أنني مهان في انتمائي إلى دولة بلا أفق ولا طموحً، دولة متسلطة، لا يوجد فيها علم ولا عقل ولا جمال ولا حياة ولا ثقافة حقيقية، هذه الدولة تقمعني، وأنا اختنق في هذا المجتمع الإقليمي المزيف والجاهل". إن كلمات جعيط هذه ماهي إلا ترجمة لواقعي وتعبيرا عن إحساسي تجاه هذه الدولة التي غربتني، وجعلت مني كائنا مستباحا.

تقتلون الإنسان باسم الوطن، ثم تضعون أكاليل النصر على قبره، وتسمّونه شهيدًا لوطن لم يعد موجودًا. يرون أن الوطن عبارة عن قطعة أرض، وحفنة سلطة

إن مصير هذه الدولة ومصير هذه القارة سيكتب بأيدينا نحن أبناؤها. إنه دين علينا، على تاريخنا، ثقافتِنا، ومشروعنا المشترك، فنحن حملة هذه الحضارة، نحن ورثتها وبُناتها في آن واحد.. سنظل ندعو إلى السلام وننادي بالسلام. أولم يقول الدكتور جون قرنف حول السودان الجديد وإعادة بناء الدولة السودانية. "فلنتقبل أنفسنا كسودانيين أولاً وقبل كل شيء، العروبة لا تستطيع توحيدنا، الأفريقانية المضادة للعروبة لا تستطيع توحيدنا، الإسلام السياسي لا يستطيع توحيدنا، المسيحية لا تستطيع توحيدنا لكن السودانوية تستطيع توحيدنا".

الدولة السودانية، يا سادة، ما استطاعت أن تلمّ شمل أهلها، لا لأنّها لم تحاول، بل لأنها ببساطة لا تعرف كيف تُمسك الخيط من أوله. فَسياسَتُها، كعودٍ يابس في يدِ من لا يُحسن العزف، لا تُطرب، ولا تُثمر، ولا تُرتجى. عقيمةٌ هي، لا ولادةَ فيها لفكرة، ولا ارتقاءَ فيها لأمل، كأمٍ عاقرٍ تلد الوجع وتُرضِعُ الخيبة.

اتخذ بعضهم الدين مطيةً، يركبون على ظهر العقيدة إلى حيث يشتهون، وآخرون جعلوا من الحرية شعارا، يرفعونه في النهار، ويخنقونه في الليل. أما الباقون وهم كثر فيلعبون بمفهوم الديمقراطية كما يلعب الأطفال بالرمل، يُشيّدون بها قلاعًا من الكلام، وما أن تأتي أول موجةٍ من الواقع حتى تنهار على رؤوسهم. وكلهم عُراةٌ من شعاراتهم، يُغنّون للعدالة بألسنةٍ لم تذقها، ويتحدثون عن الشعب كما يتحدث الجزار عن الخروف عشية العيد.

أعوذ بالله من سياسة لا تُسمنُ عقلًا، ولا تُغني وجدانًا، بل تُورِث السأم، وتوزّع الخيبة بالقسطاس. أما الساسة في بلادنا  إذا غضب أحدهم، قال لأخيه: "يا بن الكلب!"… ولا عجب، فالكلابُ تعرف أنسابها، وتتقن الوفاء، أمّا هؤلاء فلا نسبَ لهم ولا خُلق. فلا خير في حكم يقوده نباح، ولا  خير في وطنٍ صار ملعبا لذئاب ترتدي ربطة عنق وتقول: نحن هنا من أجل الشعب.