الاثنين 9 مارس 2026
كان عام 2024 لحظة كاشفة في تاريخ حقوق الإنسان العالمي، لا لأن الانتهاكات بلغت ذروتها فحسب، بل لأن الاختبار الحقيقي وقع في مكان آخر: في قدرة النظام الدولي والمؤسسات الديمقراطية على حماية البشر عندما تصبح الكرامة هدفًا مشروعًا للقوة، وعندما تتحول اللغة الحقوقية إلى ديكور سياسي يُستعمل عند الحاجة، ويُهمل عند التعارض مع المصالح. إنّ خلاصة التقرير العالمي 2025 لمنظمة هيومن رايتس ووتش Human Rights Watch، في مراجعته السنوية لحقوق الإنسان حول العالم، تؤكد أنّ العالم دخل مرحلة جديدة من التآكل المعياري؛ مرحلة تتراجع فيها المبادئ التي تأسست عليها منظومة حقوق الإنسان بعد الحرب العالمية الثانية، وتتقدم فيها ثقافة الإفلات من العقاب، ويُعاد فيها تعريف العدالة وفق ميزان القوة لا وفق ميزان القانون.
في هذا السياق، تبدو الانتخابات في العديد من البلدان حدثًا مزدوج الدلالة: من جهة كانت علامة على استمرار الشكل الديمقراطي في أكثر من سبعين دولة، ومن جهة أخرى كشفت أنّ الديمقراطية الإجرائية وحدها لا تكفي لحماية حقوق الإنسان. كما أن الانتخابات التي تُدار داخل مناخ العنصرية والكراهية والمعلومات المضللة تنتج شرعية شكلية تُحوّل صناديق الاقتراع إلى آلية لإعادة إنتاج التمييز بدل كبحه. لهذا اكتسب صعود اليمين المتطرف في أوروبا، وعودة دونالد ترامب في الولايات المتحدة، قيمة تتجاوز حدود السياسة الداخلية؛ إذ ترتبط هذه التحولات بخطاب عالمي متزايد يرى حقوق الإنسان عبئًا على "السيادة"، ويرى الأقليات والمهاجرين تهديدًا ينبغي ضبطه لا بشرًا ينبغي حمايتهم. وفي المقابل، أظهر المشهد نفسه نماذج صمود لافتة، كما حدث في الهند حيث لم يحقق خطاب الكراهية أغلبية مطلقة كما طمح له التيار الحاكم، مما يشير إلى أنّ المجتمعات، حتى في ظل الضغط، قادرة على إنتاج مقاومة ديمقراطية عبر آليات التصويت نفسها.
لكن أكثر ما يلفت النظر في التقرير هو أنّ الاستبداد لم يعد يكتفي بالقمع الأمني، وإنما صار يطوّر أدواته عبر الاقتصاد الرقمي والمراقبة والتشريعات الفضفاضة، وتوسيع مفهوم "الأمن القومي" ليشمل الرأي والمعارضة والصحافة والمجتمع المدني. على سبيل المثال لا الحصر: السلفادور وبعض دول الساحل (مالي وبوركينا فاسو والنيجر)، تمثل نماذج لهذا التحول: السلطة تُدار عبر الخوف، وتُغذّى بالمعلومات المضللة، وتُدعّم بتقنيات الرقابة، ويُعاد تشكيل المجال العام ليصبح مساحة صامتة. وتكمن خطورة هذه المرحلة في أنّ القمع لم يعد فعلًا استثنائيًا؛ بل صار سياسة دائمة تُشرعن ذاتها عبر القانون الداخلي، فتتحول الدولة إلى ماكينة إنتاج "مشروعية" للقمع بدل أن تكون ضامنًا للحقوق.
حقوق الإنسان لا تنهار بسبب وجود خصوم لها فقط، وإنما تنهار أيضًا بسبب تردد المدافعين عنها، وبسبب ازدواجية المعايير لدى الدول التي تتحدث باسمها
وعلى الرغم من ذلك، يبرز خيط مضيء في قلب الصورة القاتمة: المقاومة الشعبية، التي اعتبارها التقرير هي القوة الأكثر حيوية في الدفاع عن الحقوق، لا الحكومات ولا المؤسسات الدولية وحدها. في بنغلاديش، وفي فنزويلا، وفي كينيا، وفي جورجيا، وحتى في كوريا الجنوبية حيث أُسقطت الأحكام العرفية بسرعة قياسية بفعل تعبئة الشارع والمؤسسة التشريعية...، كل هذا يؤكد الحقيقة التالية: الشعوب لا تستسلم بسهولة عندما تُمسّ كرامتها. هذه المقاومة لا تعني انتصارًا نهائيًا، لكنها تفضح وهم الاستبداد الذي يتظاهر بالتماسك. وهي في الوقت نفسه تذكير بأن حقوق الإنسان ليست خطابًا نخبويا، بقدر ما هي مطلب يومي يرتبط بالخبز والعدالة والشفافية والحق في الحياة دون خوف.
على مستوى النزاعات المسلحة، يبدو عام 2024 عامًا مفصليًا في انهيار المعايير الدولية الخاصة بحماية المدنيين. مثلاً: غزة والسودان وأوكرانيا وهايتي هي مرايا لنظام دولي يتجه نحو قبول فكرة أنّ المدنيين يمكن أن يصبحوا "خسائر جانبية" بشكل طبيعي، وأن الحصار والتجويع والتهجير يمكن أن يُقدَّم كسياسة عسكرية دون أن يترتب عنه ثمن سياسي حقيقي. في غزة، يقدّم التقرير وصفًا صارمًا للانتهاكات الإسرائيلية التي ترتقي إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، مع الإشارة إلى أنّ الدعم العسكري غير المشروط من قوى كبرى، خاصة الولايات المتحدة وألمانيا، جعل الحديث عن القانون الدولي يظهر متناقضًا في الوعي الجمعي العالمي، وأعطى مادة خصبة لخطاب يرى العدالة انتقائية. وفي السودان، يتكرر السيناريو عبر فظائع واسعة ارتكبتها عناصر الدعم السريع، نذكر منها ما يلي: تطهير عرقي في غرب دارفور، قتل جماعي وعنف جنسي وتهجير قسري...، لكن الاستجابة الدولية كانت ضعيفة، ما يجعلها تُقرأ عمليًا كرسالة سماح ضمنية بمزيد من الجرائم ضد المدانين الابرياء.
أما أوكرانيا، فتظهر نموذجًا آخر للانتهاكات عبر ضرب البنية التحتية المدنية، واستهداف الطاقة والمستشفيات، ومحاولة محو الهوية عبر المناهج والدعاية. لكن المفارقة الكبرى هنا أنّ التزام الحكومات الغربية بالعدالة بقي بطيئًا، وكأنّ العدالة تُعلن خطابًا أكثر مما تُنجز ممارسة. وفي هايتي، يتحول العنف الإجرامي إلى واقع في دولة منهارة وفاشلة، حيث يُستباح الجسد الإنساني عبر القتل والتجنيد القسري والاغتصاب، بينما تتأخر الموارد الدولية في دعم الشعب في جمهورية هايتي. هذه الحالات جميعًا تفضح معنى "التسابق نحو القاع" الذي يحذّر منه التقرير: لأن الجرائم ضد الانسانية تُترك بلا ردع، الأمر الذي يؤدي إلى تدهور المعايير الحقوقية، مما يساهم في انتشار عدوى الانتهاكات عالمياً، ويصير مستقبل الجميع أقل أمانًا.
ضعف الاستجابة الدولية للسودان لا يعود فقط إلى نقص الموارد، بل إلى أزمة اهتمام سياسي عالمي، حيث تتنافس الأزمات على انتباه الدول الكبرى، وتُترك أفريقيا غالبًا في الهامش
تحت هذا الضغط، تظهر أهمية المؤسسات المستقلة، وفي مقدمتها المحكمة الجنائية الدولية ولجان التحقيق الأممية. يرى التقرير أنّ هذه المؤسسات تمثل إحدى آخر أدوات الردع الممكنة في عالم تضعف فيه الإرادة السياسية. غير أنّ المشكلة الجوهرية لا تكمن في غياب النصوص القانونية، وإنما في غياب استعداد الدول لتنفيذها حين تمسّ مصالحها. لهذا تتعرض المحكمة الجنائية الدولية لضغوط من قوى كبرى تسعى إلى تقويض ولايتها، وتقليص التمويل، وتسييس العدالة. وفي هذا الإطار، يصبح الدفاع عن المحكمة دفاعًا عن فكرة القانون ذاتها، لا عن مؤسسة إدارية فحسب.
وعند الانتقال إلى أفريقيا، تظهر القارة في التقرير باعتبارها مسرحًا مركبًا: مسرح نزاعات دامية، وانقلابات عسكرية، وأزمات إنسانية، وفي الوقت نفسه فضاء مقاومة مدنية متنامية، ووعي شعبي متصاعد ضد الفساد والاستغلال. تقدم منطقة الساحل والصحراء مثالًا واضحًا على التحول من هشاشة الدولة إلى عسكرة السياسة. فقد شهدت مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعدًا للأنظمة العسكرية التي تبرر قبضتها بالحرب على الإرهاب، بينما يتوسع القمع وتضيق مساحة المجتمع المدني والإعلام. هذا النمط يخلق حلقة مغلقة: الاستبداد يولّد هشاشة، والهشاشة تولّد عنفًا، والعنف يُستعمل ذريعة لتعميق الاستبداد.
علاوة على ذلك، فالسودان يمثل الجرح الأكثر ألماً ونزيفاً في أفريقيا خلال العام المنصرم. حيث أن الصراع هناك لم يدمّر المدن فحسب، بقدر ما دمّر فكرة الدولة نفسها، وخلق واحدة من أكبر موجات النزوح واللجوء في العالم. واللافت في التقرير هو أنّ ضعف الاستجابة الدولية للسودان لا يعود فقط إلى نقص الموارد، بل إلى أزمة اهتمام سياسي عالمي، حيث تتنافس الأزمات على انتباه الدول الكبرى، وتُترك أفريقيا غالبًا في الهامش. وبالتالي، يتحول "التهميش" إلى عامل بنيوي في استمرار المأساة، لأن الجرائم حين تقع بعيدًا عن مركز الإعلام والسياسة، تمسي أقل تكلفة على مرتكبيها.
الشعوب لا تستسلم بسهولة عندما تُمسّ كرامتها. هذه المقاومة لا تعني انتصارًا نهائيًا، لكنها تفضح وهم الاستبداد الذي يتظاهر بالتماسك. وهي في الوقت نفسه تذكير بأن حقوق الإنسان ليست خطابًا نخبويا، بقدر ما هي مطلب يومي يرتبط بالخبز والعدالة والشفافية والحق في الحياة دون خوف
وفي المقابل، تبرز أفريقيا أيضًا كقارة احتجاج. فقد شهدت كينيا مظاهرات واسعة ضد التفاوت الاقتصادي وغياب المساءلة. هذه الاحتجاجات لا يمكن اختزالها في سياق محلي، لأنها تعكس أزمة أوسع: نموذج التنمية الذي يُطلب من المجتمعات الأفريقية أن تتكيف معه، نموذج يفرض سياسات اقتصادية قاسية، ويترك الشباب في البطالة، ويحوّل الدولة إلى وسيط بين النخب والموارد بدل أن تكون ضامنًا للعدالة الاجتماعية. إنّ حقوق الإنسان في أفريقيا لا تنفصل عن سؤال الاقتصاد، ولا عن سؤال الديون، ولا عن علاقة الدولة بالمجتمع.
من خلال ما سبق، يمكن القول إنّ التقرير العالمي 2025 يضع العالم أمام معادلة حاسمة: حقوق الإنسان لا تنهار بسبب وجود خصوم لها فقط، وإنما تنهار أيضًا بسبب تردد المدافعين عنها، وبسبب ازدواجية المعايير لدى الدول التي تتحدث باسمها. فحينما تدين حكومةٌ ما انتهاكات في مكان، وتتجاهل انتهاكات مشابهة عند حلفائها، فإنها لا تضعف خصمها فقط، بل تضعف شرعية الفكرة نفسها. وحينما تصبح العدالة الدولية أداة انتقائية، تتحول إلى مادة للسخرية، وتفقد القدرة على الردع. ومع ذلك، لا يقدّم التقرير رؤية يائسة. هو يضع الصبع على الجرح لكي تتبنى الحكومات موقفًا أكثر صرامة وإلحاحًا، وتعزز دور المجتمع المدني، وتُدعم المؤسسات المستقلة ماليًا وسياسيًا، وتُعيد الاعتبار إلى القانون الدولي الإنساني باعتباره خط الدفاع الأخير عن المدنيين. إنّ جوهر الرسالة أن حماية الحقوق ليست رفاهًا أخلاقيًا، بقدر ما هي شرطًا لبقاء الإنسانية نفسها في زمن الحروب الرقمية، والتضليل، والتجويع، والتهجير.
في الأخير، إنّ وضعية حقوق الإنسان في العالم وفي أفريقيا تحديدًا، كما تظهر في هذه القراءة، تتجه نحو مفترق طرق: إمّا أن يستمر تآكل المعايير حتى يصبح العنف قاعدة، أو أن تتشكل موجة جديدة من الدفاع الصارم عن الحقوق عبر المقاومة الشعبية، والمحاسبة الدولية، والضغط المدني، وإعادة بناء السياسة على أساس الكرامة. وفي كلتا الحالتين، يبقى الدرس الأعمق الذي يلخّصه التقرير، هو: حين تُحمى الحقوق تزدهر الإنسانية، وحين تُنتهك الحقوق تُقاس الكلفة بالأرواح لا بالشعارات المزيفة.