تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 13 يونيو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
حوارات

أميلكار كابرال خلف الأيقونة.. حوار مع ميغيل إيك عن فيلمه "أميلكار"

17 مايو, 2026
الصورة
أميلكار كابرال خلف الأيقونة.. حوار مع ميغيل إيك عن فيلمه "أميلكار"
Share

وصل أميلكار كابرال؛ المهندس الزراعي الشاب القادم من الرأس الأخضر، في عام 1952 إلى غينيا بيساو - البلد الآسر الجمال إلى درجة ربع مساحته مُدرج ضمن المناطق المحمية - هذه المستعمرة البرتغالية آنذاك، لإجراء تعداد زراعي. وهناك، لم يفته أن يلمس سحر المكان وثراءه. فقد كتب في رسالة إلى زوجته الأولى، ماريا هيلينا، أن الأرض كانت "مدهشة بمعنى أن واقع اليوم يفتح أفق الغد". جاب كابرال البلاد كلها، بما في ذلك أرخبيلها، من أجل إنجاز التعداد، وتعرّف خلال رحلته إلى طبيعتها وسكانها عن قرب. وكتب أيضا: "هنا تدعو الطبيعة إلى العمل وتبث الحيوية في الحياة". لاحقا، سيكرّس حياته لتوحيد نضال غينيا بيساو من أجل التحرر مع نضال الرأس الأخضر، المستعمرة البرتغالية الأخرى. وبعد ثمانية أشهر فقط من اغتياله، أعلنت غينيا بيساو استقلالها.

كيف يتحول إنسان عادي إلى ثائر ناجح؟ يحاول المخرج الإسباني ميغيل إيك الاقتراب من هذا السؤال في فيلمه الوثائقي "أميلكار". لكن الفيلم لا يقدّم قراءة معمّقة في أفكار كابرال السياسية بقدر ما يرسم سيرة إنسانية تتأمل المساحات الخفية بين العمل والنضال. فقد تخلّى إيك عن عشرات المقابلات التي أجراها في البداية لبناء الفيلم، واختار بدلا منها أن يعتمد على رسائل كابرال وقصائده ونصوصه الشخصية. ومن خلال ذلك، يسعى الفيلم إلى الكشف عمّا كان يشغل ذهن الرجل الذي رأى إيك صورته حاضرة في كل أنحاء الرأس الأخضر، بينما كان يقود حرب عصابات قاسية.

تحدثتُ إلى إيك عن التحول في مقاربته للعالم الداخلي لكابرال، وعن أهمية ألا نتركه يتحول إلى مجرد رمز جامد أو أثر من الماضي.

فيفن ميريد: ما الذي دفعك إلى صنع فيلم عن أميلكار كابرال؟

ميغيل إيك: بدأت هذه الرحلة فعليا قبل اثني عشر عاما، حين كنت أعيش في الرأس الأخضر. في ذلك الوقت، كانت إسبانيا تمر بأزمة اقتصادية، وكذلك أوروبا عموما، وكنت أبحث عن تغيير، فقررت الانتقال إلى هناك. في أنحاء البلاد، تنتشر تماثيل كثيرة لأميلكار، ومن هنا بدأت أقرأ عن سيرته أولا، ثم نصوصه. وما شدني حقا هو أنني وجدت نفسي مستلهما إلى هذا الحد من شخص ينتمي إلى ثقافة وسياق مختلفين تماما عني.

كان كابرال من أولئك الذين جعلوني أؤمن بالسياسة من جديد. كان يتحدث بصوت واضح وبلغة بسيطة عن قضايا يومية يعيشها الناس في حياتهم العادية. ففي أحيان كثيرة، يستخدم السياسيون لغة معقدة يصعب فهمها، لكن ما أثار إعجابي فيه أنه كان قادرا على مخاطبة سكان القرى الصغيرة بالبساطة نفسها التي يخاطب بها الناس على المستوى الدبلوماسي. كانت قدرته على التواصل مع الآخرين استثنائية بالنسبة إلي.

من هناك، بدأت أُجري مقابلات مع أشخاص قاتلوا إلى جانبه، ومع إحدى زوجتيه، وإحدى شقيقاته، وابنته. بدأت من دون أن أعرف تماما إلى أين سيقودني هذا الطريق؛ كان الأمر في البداية مدفوعا بفضولي ورغبتي في أن أفهمه أكثر.

فيفن ميريد: ما الذي جعلك تقرر استخدام الرسائل وحدها كسرد للفيلم؟

ميغيل إيك: أجريت مقابلات كثيرة جدا، ربما نحو 40 مقابلة، في الرأس الأخضر وغينيا بيساو وفرنسا، والسويد والبرتغال. بدأت أعدّ صيغة أولية للفيلم، قائمة أساسا على بعض المواد الأرشيفية وكثير من المقابلات، لكنني أدركت أن هذه ليست المقاربة الأفضل. كنت أريد التعمق أكثر في تعقيد شخصية قررت أن توحّد بلدين في معركة من أجل الاستقلال. وفي تلك اللحظة، بعد نحو أربع سنوات من البداية، اكتشفت الرسائل التي كتبها إلى زوجتيه.

كان الأمر مصادفة إلى حد كبير. كنت أعمل على الفيلم، وفي إحدى رحلاتي إلى البرتغال اكتشفت أن دار نشر مستقلة أصدرت الرسائل التي كتبها إلى زوجته الأولى وزوجته الثانية. اكتشفت العواطف التي تقف خلف القائد: الهشاشة، والضعف، والخوف، والرومانسية، وطبقات كثيرة أخرى. غيّر ذلك الطريقة التي أردت أن أقترب بها من الفيلم. أردت أن أعمل من منظور الشخص الأول، لا من منظور الشخص الثالث. أعني أنني لم أكن أريد أن أصنع فيلما عن أميلكار كابرال من خلال صورة يرسمها الآخرون له، بل أن أجسّد، بطريقة ما، أميلكار كابرال من خلال نصوصه الشخصية: الرسائل، والنصوص السياسية، وقصائده. لذلك بدأت أستكشف هذه الإمكانية، وأنشئ نوعًا من الحوار مع الأرشيف.

قررت الذهاب إلى غينيا بيساو والرأس الأخضر للتصوير بكاميرات 16 ملم، وهي الكاميرات التي كان يستخدمها صناع الأفلام في المواد الأرشيفية خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. كنت أحاول خلق الملمس البصري نفسه، ومحاولة التصوير كهاو، كما تعلمين. لم أكن أسعى إلى التقاط لقطات فائقة الجمال؛ كنت أحاول صنع لقطات إنسانية جدا.

فيفن ميريد: ما الذي كشفته لك الرسائل عن كابرال ولم تكن قد عرفته من خلال المقابلات؟ وهل كان هناك ما فاجأك؟

ميغيل إيك: اكتشفت من خلال الرسائل شخصا يتمتع بحساسية بصرية عالية. كان قادرا على وصف الأشياء بلغة شعرية وجميلة. على سبيل المثال، هناك بطاقات بريدية أرسلها إلى زوجته الثانية، تحمل صور جمل أو بعض الزهور، وكان يتأمل فيها شعرية الحياة الكامنة في تلك الصور وفي الأشياء التي تقع عليها عيناه. ساعدني ذلك، بطريقة ما، على إعادة بناء نظرته إلى العالم، أو على الأقل ألهمني في محاولة الاقتراب منها.

لم يصوّر كابرال أفلاما، لكنه التقط بعض الصور. ومن خلال هذه الصور، إلى جانب الأوصاف التي وردت في رسائله، اكتشفت تلك الحساسية البصرية العميقة لديه. واكتشفت أيضا أن الإنسان يمكن أن يسلك طريقا شديد التعقيد في الثورة والحرب والدبلوماسية الدولية من دون أن يفقد فضوله تجاه الأطفال والطبيعة. فقد كان مهندسا زراعيا، وكانت نظرته إلى النباتات والزهور والغابات حاضرة بقوة في هذه الرسائل.

فيفن ميريد: ما الدور الذي يمكن أن يؤديه اليوم فيلم وثائقي عن ثائر، في لحظتنا الراهنة، وسط البنى القمعية الكثيرة التي كان أشخاص مثل أميلكار يقاومونها؟

ميغيل إيك: عندما بدأت العمل على هذا الفيلم، كما يحدث مع كل أفلامي، لم أفكر كثيرا في رسالته أو في ما أريد تحقيقه من خلاله. بالنسبة إليّ، تبدأ الأفلام عادة من سؤال ومن فضول؛ من رغبة في معرفة المزيد وفهم شخص ما، أو مرحلة معينة، على نحو أعمق. ما أثّر فيّ عندما قرأت أميلكار كابرال قبل اثني عشر عاما هو أنه كان يتحدث عن قضايا لا تزال، حتى اليوم، أسئلة مفتوحة بلا إجابات حاسمة؛ عن تحديات الإمبريالية والاستعمار، وعن الطريقة التي يعيدان بها تشكيل المجتمعات.

لذلك أعتقد أن فيلمًا كهذا يمكن أن يدفعنا إلى التفكير في مسؤولية كل جيل عن خوض أسئلته ونضالاته الخاصة. لا يكفي أن يكون جيل سابق قد انتزع بعض الحقوق أو ناضل من أجلها؛ فمكاسب جيل واحد يمكن أن تتلاشى إذا لم يتمكن الجيل التالي من الدفاع عنها.

فيفن ميريد: لقد أمضيت وقتا طويلا في العمل على هذا الفيلم، وأجريت مقابلات مع عشرات الأشخاص، وتوغلت في رسائل أميلكار الشخصية. كيف أثّر فيك هذا القرب الطويل من حياة شخص آخر؟

ميغيل إيك: غيّرني ذلك كثيرا. أولا على مستوى انخراطي السياسي؛ أشعر الآن بأنني أكثر وعيا بالحاجة إلى إشراك نفسي والآخرين في القضايا التي تقع ضمن مسؤوليتي. لا أعني أنني سأصبح سياسيا بعد هذا الفيلم، لكنني أدرك أن بين يديّ أشياء كثيرة ومسؤوليات كثيرة، وأن علي أن أكون واعيا بها وأنا أصنع الأفلام.

لقد استغرق إنجاز هذا الفيلم المدة نفسها التي قضاها أميلكار في خوض الحرب. عشر سنوات من الحرب بالنسبة إليه، وعشر سنوات من المعركة بالنسبة إليّ لصنع الفيلم. هناك نوع من السحر في أميلكار كابرال، أو في صلتي به، لأنني لم أكن أتخيل أنني سألتزم إلى هذا الحد بعملية طويلة ومعقدة كهذه. كان الطريق الأسهل أن أنهي الفيلم مبكرا بالاعتماد على المقابلات.

أجريت أربعين مقابلة في سبع دول من دون ميزانية. كنت أستخدم مالي الشخصي للسفر إلى أماكن مختلفة، ومعي كاميرا صغيرة وميكروفون، كي أقابل الناس. كان ذلك مهما جدا، لأنه خلق نوعا من الالتزام داخلي وداخل الآخرين تجاه إنجاز الفيلم. من دون ذلك، ربما كان العمل سيبدو أكثر سطحية بكثير، وربما لم أكن لأمتلك القوة الكافية لمواجهة تعقيد صنع فيلم عن شخص مثل أميلكار كابرال، وما يحمله ذلك من مسؤولية.

ورغم أن الشكوك ساورتني أحيانا بشأن قدرتي على إنجاز هذا الفيلم، كنت مقتنعا بأن المحاولة تستحق، حتى لو لم تكن النتيجة هي الأفضل. آمل أن تظهر أفلام جديدة عن أميلكار، وأن يأتي مخرجون من غينيا ومن الرأس الأخضر ليستكشفوا قصته من منظورهم الخاص.

لقد اخترت الطريق الأصعب والأكثر تعقيدا لإنجاز هذا الفيلم. بدأت العمل عليه عندما كنت في الثالثة والثلاثين، وها أنا الآن في الثالثة والأربعين. خلال هذه السنوات، نضجت كثيرا كمخرج، واستمتعت بتعلّم طريقة مختلفة تماما في صناعة الفيلم، بعيدة عن أفلامي السابقة. كان عليّ أن أتخلى عن كثير مما تعلمته من قبل كي أتمكن من إنجاز هذا العمل. وبالنسبة إلى أي مخرج، فإن فرصة استكشاف مقاربة جديدة كهذه هي نوع من الهبة.

فيفن ميريد: والآن بعد أن اكتمل الفيلم، كيف تشعر تجاهه؟

ميغيل إيك: أشعر أنني بذلت أفضل ما أستطيع، بما توفر لديّ من موارد، وبمساندة فريقي، وبحدود مهاراتي. لكنني أعرف في الوقت نفسه أن شخصية مثل أميلكار كابرال تستحق أفضل فيلم ممكن. ومع ذلك، تأتي لحظة لا بد فيها من التوقف، واتخاذ قرار بتسليم الفيلم كما هو.

إن كوني لست مخرجا أفريقيا يضعني في موقع امتياز إشكالي إلى حد ما. فأنا أدرك أن رؤيتي هي رؤية أوروبي وأنها صادرة، بشكل ما، عن منظور مرتبط بتاريخ استعماري، حتى وإن كنت أناهض الاستعمار. أعرف أنني لا أملك نظرة أفريقية، وأنني أصنع هذا الفيلم من موقع امتياز، من بلد أستطيع فيه الوصول إلى التمويل، وبمنظور خاص لا يمكن أن يكون منظور أميلكار نفسه. هذا أمر ما زلت أتعامل معه وأفكر فيه. الفيلم صار موجودًا الآن، وأنا سعيد به، وآمل أن يفتح نقاشًا أوسع حول أميلكار كابرال.

المزيد من الكاتب