تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 20 يناير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

"عام ترامب" في أفريقيا… كيف أعاد 2025 تشكيل علاقة واشنطن بالقارة؟

24 ديسمبر, 2025
الصورة
"عام ترامب" في أفريقيا… كيف أعاد 2025 تشكيل علاقة واشنطن بالقارة؟
Share

من نيجيريا إلى جنوب أفريقيا، مروراً بالقرن الأفريقي ومنطقة البحيرات العظمى، عاش القادة الأفارقة خلال عام 2025 على وقع سياسة أميركية متقلّبة طبعها حضور قوي للرئيس دونالد ترامب، الذي أعاد صياغة ملفات قديمة وفتح جبهات جديدة في العلاقة بين واشنطن والقارة.

في نيجيريا، تحوّل ملف العنف الطائفي إلى محور العلاقة مع الإدارة الأميركية. فقد أعادت واشنطن تصنيف نيجيريا بلداً "يثير قلقاً خاصاً" في مجال الحرية الدينية، ولوّحت بعقوبات تستهدف مسؤولين وكيانات متَّهمَة بالتقصير في حماية المسيحيين، في ظل هجمات "بوكو حرام" وبعض الميليشيات المسلحة في الشمال والحزام الأوسط. وفي المقابل، أعلنت إدارة ترامب عن حزمة دعم صحي بقيمة 1.6 مليار دولار لخمسة أعوام، مخصّصة لمكافحة الإيدز والملاريا والسل، مقابل تعهّد أبوجا بزيادة إنفاقها الصحي، مع توجيه جزء من التمويل عبر شبكات مرتبطة بمؤسسات صحية كنسية، في تداخل واضح بين ملفَي الدين والمساعدات.

هذا النهج ظهر أيضاً في إعادة هيكلة برامج الصحة العالمية الموجَّهة لأفريقيا؛ إذ وقّعت الولايات المتحدة اتفاقات جديدة مع دول بينها كينيا ورواندا وإسواتيني وموزمبيق وأوغندا، تقوم على تقليص الكلفة المباشرة على واشنطن ورفع مساهمة الحكومات الأفريقية، وربط التمويل بشروط سياسية وأمنية أكثر وضوحاً. وتشير تقديرات متداولة إلى أن حجم التمويل الصحي الأميركي للقارة تراجع بنحو النصف مقارنة بعام 2024، ما يضع أنظمة صحية هشة تحت ضغط إضافي في مواجهة الأوبئة والأمراض المزمنة.

في جنوب أفريقيا، أخذ التوتر طابعاً أكثر علنية. فمع استضافة جوهانسبرغ أول قمة لمجموعة العشرين على أرض أفريقية، قرر ترامب مقاطعة القمة ورفض إرسال أي وفد رفيع، مبرّراً خطوته بما وصفه "اضطهاد الأقلية الأفريكانية البيضاء" في قضايا إصلاح الأراضي والعنف في المزارع. رفضت الحكومة الجنوب أفريقية هذه الرواية واعتبرتها "ادعاءات مشوّهة"، لكن البيت الأبيض ذهب أبعد عندما لوّح بحرمان بريتوريا من دعوة حضور قمة العشرين المقبلة في ميامي عام 2026، في استخدام واضح لمنصة دولية كأداة ضغط سياسي.

في مملكة إسواتيني الصغيرة، جاءت الصدمة من بوابة الهجرة؛ إذ أثار هبوط طائرة أميركية تقلّ مدانين بجرائم خطيرة – بعضهم من دول غير أفريقية – غضباً واسعاً، بعد وصفهم من مسؤول أميركي بأنهم "من أخطر المجرمين الذين ترفض بلدانهم استقبالهم". اتهمت المعارضة ومنظمات حقوقية في إسواتيني واشنطن بالتعامل مع أفريقيا كـ"مستودع" لمن لا ترغب في إبقائهم على أراضيها، في تجسيد صارخ لسياسة ترحيل متشددة تُدار عبر تفاهمات ثنائية مع دول أفريقية مقابل حوافز اقتصادية أو أمنية.

في المقابل، برز في القرن الأفريقي حديث متزايد عن احتمال تحوّل سياسة ترامب تجاه صوماليلاند – البلد الذي يعلن نفسه دولة مستقلة بحكم الأمر الواقع منذ أكثر من ثلاثة عقود – إلى ملف تفاوضي مفتوح. فوفق تحليلات وتقارير متداولة في المنطقة، تُطرَح فكرة الاعتراف بصوماليلاند أو رفع مستوى التعامل معها كورقة ضغط على الحكومة الفدرالية في مقديشو، وكجزء من إعادة هندسة الترتيبات في البحر الأحمر وخليج عدن، بما في ذلك تموضع عسكري غربي أوسع ومنافسة نفوذ قوى مثل الصين وتركيا.

وفي منطقة البحيرات العظمى، حاولت إدارة ترامب تقديم نفسها بوصفها "صانعة سلام" عبر استضافة رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي والرئيس الرواندي بول كاغامي في واشنطن، لتوقيع اتفاق جديد حول شرق الكونغو يهدف إلى إنهاء دور حركة "إم 23" المتمردة وسحب القوات الرواندية من الأراضي الكونغولية، مقابل إطار للتكامل الاقتصادي في قطاع المعادن الحيوية. غير أن استمرار المعارك في الميدان والخلافات العميقة حول تنفيذ بنود الاتفاق طرحا أسئلة جدية عن قدرة واشنطن على فرض التزامات حقيقية على حلفائها، وعن موقع مصالح الشركات الأميركية في الكوبالت والمعادن الإستراتيجية داخل هذه المعادلة المعقّدة.

ترسم كل هذه الملفات ملامح مقاربة أميركية مختلفة مع أفريقيا في عهد ترامب؛ علاقات أقل جموداً وأكثر صدامية، تُستخدم فيها أدوات التصنيف والعقوبات والمساعدات كأوراق تفاوض، فيما تُزاحم اعتبارات السياسة الداخلية الأميركية – من الهجرة إلى الحروب الثقافية – الحسابات الإستراتيجية التقليدية في القارة.

ومع نهاية 2025، يبدو أن ما سُمّي "عام ترامب في أفريقيا" لن يتوقف عند حدود هذا العام؛ إذ يرجّح مراقبون أن تترك سياسات البيت الأبيض الحالية أثراً طويل الأمد على طريقة صياغة الدول الأفريقية لعلاقاتها مع واشنطن، وعلى الكيفية التي ستوازن بها بين الانفتاح على الولايات المتحدة من جهة، وتجنّب التحوّل إلى مجرد ساحات اختبار لسياسات انتخابية وصراعات داخلية أميركية من جهة أخرى.