الخميس 22 يناير 2026
يواجه الرئيس المنتخب في صوماليلاند، عبد الرحمن محمد عبد الله "عرّو"، لحظة سياسية حرجة، وسط تساؤلات متزايدة حول قدرته على تنفيذ أجندة الإصلاح التي أوصلته إلى الحكم من دون الاصطدام بشبكات النفوذ الداخلية والضغوط الإقليمية المتشابكة.
عرّو كان قد فاز بأغلبية تتجاوز 60 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، بعد عقدٍ قضاه في صفوف المعارضة، مقدِّماً نفسه مرشحاً للتغيير وكسر منظومة الفساد والمحسوبية التي التصقت بالإدارات السابقة. غير أن تحليلات سياسية ترى أن التحالفات نفسها التي قامت عليها حملته الانتخابية – من رجال أعمال ووجهاء عشائر ونخب حزبية – باتت اليوم أحد أبرز العوائق أمام أي إصلاح حقيقي في مؤسسات الدولة.
أولى التحديات، وفق القراءة ذاتها، تتعلق بـ"ديون" عرّو السياسية واختياراته في تشكيل فريقه الحاكم. ويُشار بشكل خاص إلى الحديث عن احتمال إعادة تعيين وزير الخارجية الأسبق محمد عبد الله عمر، الذي يُتهم في الأوساط المنتقدة بأنه قاد، خلال عهد الرئيس السابق أحمد سيلانيو، مسار الحوار مع الصومال بطريقة أضعفت موقف صوماليلاند وحوّلتها من طرف يطالب بالاعتراف إلى ما يشبه ولاية اتحادية في الخطاب القادم من مقديشو.
ويُخشى أن تعني عودة هذه الوجوه استمرارية في النهج نفسه، في وقت صوّت فيه جزء كبير من الشارع لصالح تغيير عميق في المقاربة تجاه ملف المفاوضات مع الحكومة الفيدرالية في الصومال.
ورثت الإدارة الجديدة جهازاً مدنياً متضخماً، تشكّل عبر عقود وفق منطق "الغنيمة" وتوازنات المحاصصة القبلية أكثر مما تشكل وفق معايير الخدمة العامة والكفاءة. فمنذ عهد الرئيس إبراهيم عقال، تعاقبت الحكومات على توسيع الجهاز الإداري وخلق مناصب ووحدات إضافية لإرضاء مراكز النفوذ العشائرية، ما خلق عبئاً مالياً وهيكلياً ثقيلاً على الدولة.
أمام عرّو خياران أحلاهما مرّ: إما الإبقاء على هذا الواقع لتجنب صدام مع شبكات النفوذ، أو الشروع في إصلاح مؤلم قد يثير ردود فعل قوية من المستفيدين من الوضع القائم.
خلال حملته، ركّز عرّو على ممارسات الأجهزة الأمنية والقضائية في عهد الرئيس السابق موسى بيحي، بما في ذلك الاعتقالات التعسفية والتدخل السياسي في عمل القضاء. لكن المقترحات المعلنة حتى الآن تظل، بحسب التقييم، «متواضعة»، وتتركز على تحسين أجور القوات النظامية، من دون التطرق بعمق إلى إصلاح البُنى القانونية والمؤسسية التي سمحت بتغوّل الأجهزة الأمنية وتسييس القضاء.
هذا الغياب لرؤية إصلاحية شاملة في ملف بالغ الحساسية كملف العدالة والأمن يثير مخاوف من استمرار أنماط الحكم السابقة تحت قيادة جديدة.
على الجبهة الشرقية، تبرز أزمة لاسعانود باعتبارها أخطر اختبار مبكر لعرّو. فالصراع هناك لا يُختزل في مطالب محلية، بل يُنظر إليه كجزء من "معركة بالوكالة" تستغلها أطراف في مقديشو – وفق هذا التحليل – لتقويض سردية صوماليلاند ككيان مستقر وديمقراطي، في لحظة اكتسبت فيها هرجيسا اهتماماً دولياً متزايداً، من بوابة موقع ميناء بربرة وحضوره في الحسابات الأميركية والإقليمية.
إدارة هذا الملف تتطلب من عرّو تحقيق توازن دقيق بين حماية المدنيين وتثبيت السيطرة على الأرض، وبين تفادي الانزلاق إلى مواجهة تُستغل ضد صوماليلاند خارجياً على أنها «حرب أهلية داخلية» وليست تدخلاً أو تصعيداً من أطراف خارج الحدود. أي نزوع إلى ترضية القوى والميليشيات التي يُنظر إليها في هرجيسا كأدوات لخصومها، قد يُقرأ كتنازل يمس جوهر مشروع السيادة الذي تستند إليه شرعية صوماليلاند.
دبلوماسياً، يتقاطع صعود عرّو مع لحظة استثنائية لصوماليلاند في دوائر غربية؛ إذ حظيت الانتخابات الأخيرة بإشادة من مسؤولين في الكونغرس الأميركي ودوائر في وزارة الخارجية، مع قراءة متزايدة لصوماليلاند كـ"استثناء ديمقراطي" في منطقة مضطربة.
في المقابل، تواجه هرجيسا بيئة إقليمية أكثر عدائية؛ فالصومال ترى في أي تقدم لصوماليلاند نحو الاعتراف تهديداً مباشراً لوحدة أراضيها، وتتحرك سياسياً وإعلامياً لإبراز أي توتر داخلي كدليل على "هشاشة" داخلية. أما جيبوتي، التي تعتمد اقتصادياً على احتكارها للممر البحري الإثيوبي، فتتعامل بحساسية شديدة مع أي ترتيبات تعزز موقع ميناء بربرة كمنافس محتمل، وهو ما ينعكس في مواقفها المنحازة لمواقف مقديشو أو لقوى محلية مناوئة لصوماليلاند.
في الخلاصة؛ التحدي الأكبر أمام عرّو لا يكمن في التعامل مع المعارضة أو الخصوم الخارجيين بقدر ما يتمثل في استعداد الرئيس لمواجهة جزء من حلفائه ومموّليه السياسيين، الذين يرون في فوزه استثماراً يجب أن يعود عليهم بعوائد سياسية واقتصادية مباشرة.
فإما أن يختار صرّو طريق الإصلاح الحقيقي، بما يحمله من مخاطرة بخسارة دعم بعض الدوائر النافذة، أو ينزلق إلى منطق التهدئة والتسويات الذي قد يحوّل انتصاره الانتخابي التاريخي إلى فرصة ضائعة أخرى، ويختزله في نسخة جديدة من إدارة قديمة، على حساب وعود التغيير التي منحت حملته زخمه الشعبي.