تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 13 يونيو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

عام كامل: قراءة في أداء حكومة الأمل السودانية

25 مايو, 2026
الصورة
عام كامل: قراءة في أداء حكومة الأمل السودانية
Share

انقضى عام كامل على تولي الدكتور كامل إدريس لمنصب رئيس الوزراء في السودان، وهي الفترة التي رُوّج لها محليا ودوليا تحت شعار "حكومة الأمل"، لكن القراءة المتأنية والعميقة للواقع الاقتصادي والمعيشي تكشف عن هوة سحيقة تفصل بين الوعود الدبلوماسية الأنيقة والواقع الميداني المأزوم.

جاء إدريس بخلفيته الأممية الواسعة ليوحي بقدرة الإدارة المدنية التكنوقراطية على لجم التدهور الحاد، وفك طوق العزلة الدولية. غير أن هذه الواجهة المدنية لم تكن سوى غطاء تجميليا عجز عن معالجة الأزمات البنيوية المتجذرة في الاقتصاد السوداني المتآكل.

يتجلى هذا العجز بوضوح في ثلاثة ملفات رئيسية، شكلت مفاصل الفشل خلال العام المنصرم: الفشل الذريع في كبح الفساد المنظم المتمثل في التحصيل غير القانوني للجبايات، والغياب المطلق للاستراتيجية والتحرك الاستباقي لمواجهة التبعات الكارثية لإغلاق مضيق هرمز على قطاعات الإنتاج الحيوي، وأخيرا، تخبط سياسات دعم الإنتاج المحلي وتوفير الطاقة، والتي تحولت من خطط تنموية مزعومة إلى حزمة من الإجراءات والمسكنات المؤقتة التي زادت من اختناق السوق عوضاً عن إنعاشه.

الجبايات وإرهاق المواطن

إن أولى مظاهر تآكل هيبة الدولة والانهيار المؤسسي في ظل حكومة كامل إدريس، تتجسد في عجزها الفاضح عن حسم ملف التحصيل غير القانوني للجبايات والرسوم المفروضة قسراً على حركة التجارة والمواطنين. فرغم اعتراف رئيس الوزراء العلني والصريح خلال زيارته الميدانية لمعبر أرقين الحدودي بأن الجبايات أفقرت المواطن ولم تُغنِ الدولة، ورغم تأكيداته اللفظية على إعفاء العائدين طوعا من الرسوم الجمركية، إلا أن هذه التصريحات ظلت مجرد بالونات هوائية تفتقر إلى أي آلية إنفاذ حقيقية على أرض الواقع.

القوافل التجارية والشاحنات التي تعبر الولايات تقع ضحية لشبكة معقدة وغير منسقة من نقاط التفتيش والتحصيل التابعة لجهات مسلحة محلية وإدارات حكومية ولائية تتصرف بمعزل عن أي سلطة اتحادية مركزية. إن هذا التعدد العشوائي لمنافذ التحصيل لا يمثل فحسب نهبا منظما لأقوات السودانيين، بل يضرب في مقتل أي محاولة للإصلاح المالي العام الذي تدعيه وزارة المالية.

قراءة متأنية وعميقة للواقع الاقتصادي والمعيشي تكشف عن هوة سحيقة تفصل بين الوعود الدبلوماسية الأنيقة والواقع الميداني المأزوم

في محاولة بائسة لإظهار القدرة على اتخاذ القرار والسيطرة الميدانية، أصدر رئيس الوزراء قرارا بإعفاء تجار سوق السجانة في الخرطوم من الجبايات لمدة ثلاث سنوات. غير أن هذا القرار، ورغم ظاهره الحمائي، يحمل في طياته إدانة صارخة للنهج الذي تدار به السياسة المالية والرقابية للحكومة.

بدلا من صياغة إطار تشريعي موحد يسري على كافة الأسواق والقطاعات المتضررة من النزاع لضمان العدالة والمساواة، لجأت الحكومة إلى سياسة الاستثناءات الانتقائية والجزر المعزولة.

إن إعفاء سوق السجانة دون غيره من الأسواق الحيوية في الولايات يوضح غياب الرؤية الشاملة، واستبدالها بردود أفعال ترقيعية تهدف إلى استرضاء قطاعات جغرافية أو فئات تجارية محددة، بينما يظل باقي التجار والمزارعين في الأقاليم تحت وطأة إتاوات وجبايات تفرضها السلطات المحلية قسرا لتغطية عجز ميزانياتها، مما يسهم بشكل مباشر في مضاعفة أسعار السلع الأساسية ويفشل أي مبادرة للسيطرة على معدلات التضخم المستشرية في البلاد.

علاوة على ذلك، فإن القرارات الصادرة بتعديل الرسوم الجمركية ومراجعة الضرائب والرسوم المفروضة على السلع الاستهلاكية والخدمات الأساسية اتسمت بالضبابية والارتباك المنهجي. فالحكومة تسعى من جهة إلى إرضاء الشارع عبر الإعلان عن تخفيضات في ضرائب السلع الاستهلاكية، ومراجعة رسوم الجامعات، استجابة للضغوط الشعبية المتصاعدة. لكنها من جهة أخرى تعجز عن توفير مصادر دخل بديلة لتمويل ميزانيتها، التي تعاني من عجز مالي هائل يتجاوز ثلثي الإيرادات الضريبية التقليدية.

هذا التناقض قاد إلى ظهور طبقة من الوسطاء والسماسرة والمضاربين الذين يستفيدون من التخفيضات الجمركية والضريبية دون أن ينعكس ذلك إيجاباً على السعر النهائي للمستهلك البسيط. غياب الرقابة الصارمة من قبل أجهزة الدولة وتواطؤ البعض مع شبكات المصالح الفاسدة يحول أي إعفاء ضريبي أو جمركي إلى هبة مجانية للرأسمالية الطفيلية، بينما يستمر المواطن في دفع ثمن الجبايات الرسمية وغير الرسمية على حد سواء.

الصدمات الخارجية وانهيار الداخل

لم يكن التخبط الداخلي في إدارة الجبايات بأقل سوءا من الضعف الفاضح في التعامل مع الصدمات الخارجية، وتحديدا الأزمة الجيوسياسية الحادة الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز في الربع الأول من عام 2026. لقد كشفت هذه الأزمة، التي تُعد الأخطر من نوعها على سلاسل إمداد الطاقة والتجارة الدولية، عن عقم التخطيط الاستراتيجي لحكومة كامل إدريس. فالمرور المائي عبر مضيق هرمز يمثل شرياناً رئيسياً وحيوياً لحركة الطاقة العالمية، وأي اضطراب فيه يترجم فورا إلى زيادات قياسية في أسعار النفط الخام، وتكاليف الشحن والتأمين البحري، مما ينعكس بشكل كارثي ومباشر على الوقود والسلع الاستهلاكية داخل السودان الذي يعاني أصلا من تدمير بنيته التحتية النفطية.

إن تداعيات إغلاق المضيق طالت مباشرة عصب الاقتصاد السوداني المتمثل في القطاع الزراعي. وبدلا من أن تسارع الحكومة إلى وضع تحوطات وبدائل لاستيراد الطاقة ومدخلات الإنتاج، وقفت عاجزة تتفرج على انهيار الموسم الزراعي.

التعدد العشوائي لمنافذ التحصيل لا يمثل فحسب نهبا منظما لأقوات السودانيين، بل يضرب في مقتل أي محاولة للإصلاح المالي العام

تجسد هذا الفشل في تصريحات وزير الزراعة والري، عصمت قرشي، الذي أقر علانية بأن إغلاق مضيق هرمز أثر بشكل هائل ومدمر على القطاع الزراعي، متسببا في تقلص المساحات المزروعة نتيجة للارتفاع الجنوني في تكاليف الإنتاج والتمويل. وكان هذا الانهيار بمثابة ضربة قاصمة للصادرات الزراعية، وتحديدا محصول السمسم الذي كان يمثل رافعة حيوية للاقتصاد القومي بمساهمة بلغت نحو 330 مليون دولار في عام 2025، ليحتل المرتبة الثانية بعد الذهب في قائمة الصادرات الوطنية. إن تراجع هذه الصادرات حرم الخزينة العامة من النقد الأجنبي الشحيح، وفاقم من تدهور سعر صرف الجنيه السوداني والقدرة على تمويل الاحتياجات الأساسية.

ما يثير النقد الحاد للحكومة هو فشلها التام في استغلال الميزة الجغرافية النسبية لميناء بورتسودان في ظل أزمة مضيق هرمز. فبينما كان خبراء الاقتصاد يشيرون إلى أن الموانئ والمنتجات السودانية يمكن أن تمثل بديلا آمناً لدول الخليج للالتفاف على اضطرابات المضيق، بفضل استمرار تواصلها التجاري مع السعودية ومصر عبر البحر الأحمر، إلا أن البيروقراطية الحكومية المترهلة والارتفاع الحاد في أسعار الوقود المحلي والافتقار إلى لوجستيات النقل والتحول الرقمي أفشل هذه الفرصة التاريخية.

بدلا من أن يكون السودان مصدرا رئيسيا للحوم المبردة والحية والمنتجات الغذائية لتعويض النقص الخليجي، عجزت الحكومة حتى عن تأمين الوقود والكهرباء اللازمة للمسالخ ومراكز التخزين واللوجستيات، مما تسبب في تراجع حركة التصدير وعزز المخاوف الدولية من تفاقم شبح المجاعة داخل السودان نفسه نتيجة لتعطل سلاسل الإمداد وتضاعف أسعار الأسمدة عالمياً.

أدى هذا الشلل الإداري إلى تفاقم العجز المالي العام بنسب كارثية تجاوزت 30٪ نتيجة للارتفاع القياسي في أسعار الطاقة العالمية، وتوقف ناقلات النفط في الخليج العربي. وتزامن ذلك مع اتساع فجوة الميزان التجاري الدولي للسودان بنسب تفوق قدرة الدولة الهشة على التمويل، مما تسبب في شح حاد في الوقود محليا، وظهور صفوف طويلة أمام محطات الخدمة، فضلا عن تدهور مستمر في القوة الشرائية للمواطنين وموجة غلاء طالت المواد الغذائية الأساسية المستوردة.

إن الرد الحكومي على هذه الصدمة لم يتجاوز لغة التصريحات التفاؤلية الجوفاء التي أطلقها وزير الزراعة سابقاً بأن المجاعة والسودان لا يلتقيان، وهي مقولات تصطدم بوقائع الأرقام وتقارير الأمم المتحدة التي تؤكد أن إغلاق مضيق هرمز يهدد بدفع ملايين السودانيين إلى حافة العوز والجوع الحقيقي بسبب الشلل التام الذي أصاب الاقتصاد وتعطل تدفق المساعدات وتضرر الإنتاج المحلي.

استدراكات فاشلة

في سياق محاولات حكومة كامل إدريس لمداراة عجزها المالي والتغطية على استنزاف النقد الأجنبي، أصدر رئيس الوزراء في أبريل/نيسان 2026 قرارا بتقييد استيراد 46 سلعة وصفها بأنها غير أساسية، مثل: البسكويت والحلويات والشوكولاتة والأكياس البلاستيكية والفواكه والخضروات والأرز والإسمنت والعطور ومستحضرات التجميل والأثاث. ورغم ترويج الحكومة لهذا القرار كجزء من استراتيجية أوسع لتعزيز الإنتاج المحلي وحماية الجنيه السوداني من التدهور، إلا أن هذا القرار يمثل نموذجا فجا للسياسات الاندفاعية التي تتجاهل أبسط القواعد الاقتصادية. ففرض حظر على استيراد سلع حيوية مثل الإسمنت أو الأرز أو المواد الخام في ظل حرب دمرت البنية الصناعية والمصانع المحلية، يعني ببساطة خلق ندرة حادة في الأسواق، ومضاعفة أسعار البدائل الشحيحة، وزيادة تكاليف إعادة الإعمار التي تزعم الحكومة مباشرتها في العاصمة الخرطوم.

تحولت خطط تنموية مزعومة إلى حزمة من الإجراءات والمسكنات المؤقتة التي زادت من اختناق السوق عوضاً عن إنعاشه

إن مطالبة المصانع الوطنية بزيادة طاقتها الإنتاجية، وتسهيل توفير مدخلات الإنتاج لتعويض السلع المحظورة تصطدم بصخرة الواقع المظلم لقطاع الطاقة في السودان. فكيف لمصنع أن يعمل وينتج في ظل انقطاع كامل للكهرباء وشح مطلق في وقود الديزل والغاز؟ إن البنية التحتية لتكرير النفط في البلاد تعاني من شلل وخراب هيكلي، حيث تقتصر المرافق المحلية على مصافٍ صغيرة ومتهالكة مثل مصفاة أبو جابرة بطاقة لا تتعدى ألفي برميل يومياً، ومصفاة كونكورب بطاقة خمسة آلاف برميل يوميا، ومصفاة الأبيض بطاقة عشرة آلاف برميل يومياً. هذه الطاقات الإنتاجية الضئيلة تعجز تماما عن تغطية الحد الأدنى من الاستهلاك المحلي، مما يضطر الدولة للاستيراد المستمر للوقود في ظل أسعار عالمية ملتهبة فاقمتها أزمة مضيق هرمز والاضطرابات الإقليمية التي زادت كلف الاستيراد.

لم يقتصر العجز الطاقي على القطاع الصناعي، بل امتد ليدمر القطاع الزراعي المروي الذي تعول عليه البلاد لمنع المجاعة وتأمين الغذاء. فرغم تفاخر وزارة الزراعة بزراعة 23 مليون فدان في الموسم المنصرم، وتحقيق فائض نسبي في إنتاج الذرة والدخن، إلا أن المشروعات الاستراتيجية الكبرى، مثل مشروع الرهد تواجه تحديات وجودية تتمثل في الانقطاع المتواصل للطاقة، وفشل وزارة الطاقة في توفير الوقود والكهرباء اللازمين لتشغيل آليات الري ومكائن الحصاد. وحتى مشروع الجزيرة، الذي تروج له الحكومة كحصان طليعة للتعافي الاقتصادي، يعاني مزارعوه من تعطل قنوات الري ونقص التمويل الحاد، وصعوبة توفير الآليات الثقيلة لتطهير الترع. إن هذه الفجوة الهائلة بين الوعود الفضفاضة والواقع الميداني المظلم تؤكد غياب أي تنسيق مؤسسي حقيقي بين وزارات الاقتصاد والزراعة والطاقة في تشكيلة حكومة الأمل.

في غمرة هذه الأزمات الخانقة، يبرز نهج العلاقات العامة والدبلوماسية الاستعراضية التي يتقنها كامل إدريس كبديل عن الإجراءات التنفيذية الميدانية. ويتجلى ذلك في القمة الثنائية التي عقدها مع نائب الرئيس التركي جودت يلماز في أنقرة، حيث جرى استعراض فرص الاستثمار في مشروعات الجزيرة والرهد والهواد والتعاون في مجالات النفط والتعدين والكهرباء والطاقة المتجددة والتحول الرقمي. ورغم البريق الإعلامي لهذه اللقاءات، إلا أنها تظل حبراً على ورق وبروتوكولات شكلية يستحيل تطبيقها على أرض الواقع في ظل استمرار الحرب وغياب الأمن والاستقرار الخدمي واللوجستي، وعجز الدولة عن حماية الاستثمارات الأجنبية أو توفير شبكات طاقة مستقرة وموانئ نقل كفؤة.

إن الهروب إلى الخارج والبحث عن اتفاقيات استثمارية مع تركيا أو غيرها، في وقت تعجز فيه الحكومة عن تأمين الوقود لمشروع الرهد الزراعي أو حسم الفساد والجبايات في معبر أرقين، يعكس انفصاماً تاماً في أولويات القيادة السياسية.

لم تسلم حتى السياسات الإدارية للحكومة من النقد اللاذع، حيث تحولت مشاريع الإصلاح الإداري المزعومة وتشكيل اللجان لتقليص العاملين بالخدمة المدنية إلى أداة جديدة لإشعال الغضب الشعبي والنقابي. فقد واجه القرار الوزاري رقم (22) لسنة 2026 القاضي بحصر وتقليص العمالة الحكومية رفضاً قاطعاً من لجنة المعلمين السودانيين التي اعتبرته غطاءً للفصل التعسفي والتشريد السياسي، ومحاولة لإعادة إنتاج التمكين الحزبي والسياسي لصالح عناصر النظام السابق والحركات المسلحة المتحالفة مع السلطة الحالية.

هذا التشرذم الإداري يوضح كيف أن رئيس الوزراء الذي يتحدث عن الشفافية والنزاهة وحكم القانون يقود حكومة تعيد تدوير الممارسات الإقصائية والمحسوبية في توزيع الفرص والوظائف، مثلما حدث في فضيحة مخصصات مراقبي امتحانات الشهادة الثانوية في الخارج والتي منحت على أساس الولاءات الحزبية ووصلت مخصصاتهم لآلاف اليورو في وقت يتقاضى فيه صغار الموظفين ما لا يتجاوز 14 دولاراً شهرياً.

تقييم عام كامل من حكم الدكتور كامل إدريس يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن حكومة الأمل لم تكن سوى واجهة دبلوماسية استغلها مجلس السيادة العسكري لامتصاص الضغوط الخارجية وكسر طوق العزلة الدولية.

لقد نجح إدريس في صياغة خطاب سياسي منمق بلغة ترضي العواصم الغربية والمؤسسات المانحة، ولكنه فشل فشلاً ذريعاً ومطلقاً في تنزيل هذه الشعارات إلى سياسات عملية تنقذ المواطن السوداني من ثنائية الفساد والانهيار الاقتصادي المتسارع.

إن استمرار تغول شبكات الجبايات غير القانونية، والعجز الفاضح عن مواجهة تداعيات إغلاق مضيق هرمز، والتخبط العشوائي في سياسات الإنتاج والطاقة والاعتماد على الحلول الحمائية والقرارات الاستثنائية لأسواق معينة، كلها مؤشرات تؤكد أن السودان يدار بعقلية المسكنات المؤقتة والهروب إلى الأمام، في ظل سلطة تفتقر إلى الإرادة والسيادة الحقيقية على الأرض، وتترك إنسان السودان يواجه مصيره وحيداً بين سندان المعاناة الداخلية ومطرقة الصدمات الخارجية.