الأحد 7 يونيو 2026
لا يُفهم الزمن في السياق الأفريقي بوصفه إطارا محايدا تتعاقب داخله الأحداث، بل كتجربة تاريخية مركّبة تتداخل فيها الأزمنة بدل إنفصالها. التصوّر الخطي للزمن، كما تبلور في الحداثة الأوروبية - ماض يُطوى، حاضر عابر، ومستقبل بوصفه أفقا للتقدّم - يجد حدوده حين يُطبّق على سياقات عرفت انقطاعات عنيفة، وفي مقدّمتها التجربة الاستعمارية التي أعادت تشكيل البنى الاجتماعية والسياسية دون أن تُنهي ما سبقها.
ضمن هذا الأفق، لا يبدو الماضي مرحلة منتهية، بل أثرا فاعلا داخل الحاضر، ولا يتحدّد المستقبل كامتداد واضح، بل كاحتمال ملتبس. من هنا، تقترح قراءات مثل تلك التي يقدّمها أشيل مبيمبي فهما للزمن يقوم على التراكب والتشابك، حيث يتعايش التقليدي والحديث، والذاكرة واليومي، داخل "حاضر ممتد" لا يختزل في لحظة عابرة.
انطلاقا من ذلك، يسعى هذا المقال إلى مساءلة هذا التشكّل الزمني، وطرح السؤال التالي: كيف يؤثّر هذا التراكب الزمني في بناء الفعل السياسي، وفي صياغة التعبيرات الثقافية داخل السياق الأفريقي؟
لا يقوم تصوّر الزمن في السياق الأفريقي على فكرة القطيعة الصارمة بين ماض يُغلق وحاضر يعاش ومستقبل يُنتظر، كما هو الحال في النموذج الخطي الكلاسيكي، بل على منطق مختلف يمكن وصفه بمنطق التراكب الزمني. في هذا المنطق، لا تُفهم الأزمنة كطبقات منفصلة تتعاقب، بل كبُنى متداخلة تتعايش داخل الحاضر نفسه، بحيث يصبح هذا الأخير فضاء كثيفا لا لحظة انتقالية عابرة.
هذا التشكّل لا يمكن فصله عن التاريخ الاستعماري، وما ترتّب عنه من انقطاع غير مكتمل. بدل أن يؤدي الاستعمار إلى إدماج تدريجي في نموذج زمني خطي، أحدث حالة من التفكّك: تم إدخال مؤسّسات حديثة (الدولة، الإدارة، الاقتصاد النقدي)، دون أن تُلغى البنى الاجتماعية والرمزية السابقة بشكل كامل. النتيجة ليست انتقالا زمنيا سلسا، بل تراكب أنظمة زمنية مختلفة تعمل في آن واحد داخل الفضاء نفسه.
من هنا، لا يعود الماضي مجرّد خلفية تاريخية، بقدر ما يتحوّل إلى عنصر فاعل داخل الحاضر. فهو لا يظهر كذكرى، بل كمنطق يُعاد إنتاجه في العلاقات الاجتماعية، وفي أشكال السلطة، وفي أنماط التمثيل الثقافي. وبالمقابل، لا يتبلور الحاضر كمرحلة مكتملة السيادة، وإنما كفضاء تفاوض دائم بين ما هو موروث وما هو مفروض وما هو ناشئ. أما المستقبل، فلا يُبنى كأفق واضح، إذ يبقى في كثير من الأحايين معلّقا، لأنّ شروط استقراره الزمني غير مكتملة.
العيش داخل التاريخ في السياق الأفريقي يتم عبر تشابك مستويات زمنية متعدّدة: زمن الطقس، زمن الدولة، زمن الاقتصاد العالمي، وزمن الذاكرة الجماعية. هذه الأزمنة لا تندمج في وحدة واحدة، بل تتجاور وتتصادم أحيانا، مما ينتج وضعية زمنية غير مستقرّة لكنّها منتجة للمعنى في الآن نفسه
في هذا السياق، يصبح مفهوم "الحاضر الممتد" أكثر دقّة من فكرة "اللاخطية" العامة، لأنّه لا ينفي وجود الزمن، بل يعيد تعريف تنظيمه الداخلي. فالحاضر لا يختزل في "الآن"، وإنما يتّسع ليشمل بقايا الماضي غير المحسوم وإمكانات المستقبل غير المستقر. هذا ما يجعل التجربة الزمنية أقرب إلى بنية تراكمية غير مكتملة الحسم، إذ لا تُحل الأزمنة داخل تعاقب، بل داخل تداخل مستمر.
ضمن هذا الإطار، يمكن فهم الأطروحات التي يقدمها مبيمبي بوصفها محاولة لتفكيك وهم الزمن المتجانس، وإبراز أنّ العيش داخل التاريخ في السياق الأفريقي يتم عبر تشابك مستويات زمنية متعدّدة: زمن الطقس، زمن الدولة، زمن الاقتصاد العالمي، وزمن الذاكرة الجماعية. هذه الأزمنة لا تندمج في وحدة واحدة، بل تتجاور وتتصادم أحيانا، مما ينتج وضعية زمنية غير مستقرّة لكنّها منتجة للمعنى في الآن نفسه.
بهذا المعنى، لا يتعلّق الأمر بخصوصية ثقافية مغلقة، ولكن ببنية تاريخية تشكّلت عبر انقطاعات وتراكبات متكرّرة، جعلت من الحاضر فضاء غير مكتمل، ومن الزمن عملية إعادة تركيب مستمرّة بدل أن يكون خطا متصلا.
ينعكس التشكّل الزمني القائم على التراكب وعدم الحسم مباشرة على بنية الفعل السياسي في السياق الأفريقي، حيث يصعب افتراض زمن خطي مستقر يسمح بتراكم السياسات في شكل "مشاريع" طويلة المدى. الممارسة السياسية الحديثة، كما تشكّلت في النموذج الأوروبي، تفترض ضمنيا وجود أفق زمني واضح: ماض يُقرأ كخبرة منتهية، حاضر يُدار كمرحلة انتقالية، ومستقبل يُبنى كهدف قابل للتحقيق. غير أنّ هذا الافتراض يتعثّر عندما يكون الزمن نفسه غير مستقر، بل متداخل الطبقات.
في هذا السياق، لا تعمل السياسة بوصفها تخطيطا متدرّجا نحو المستقبل، بل تتحوّل في كثير من الحالات إلى إدارة مستمرّة للحاضر. الحاضر لا يُعاش كحلقة وسطى بين زمنين، وإنما كفضاء مثقل بالآثار غير المحسومة: آثار استعمارية في البنية المؤسسية، آثار تقليدية في تنظيم السلطة، وآثار عالمية في الاقتصاد والسيادة. هذا التداخل يجعل الفعل السياسي أقرب إلى تدبير التناقضات منه إلى تنفيذ برامج خطية.
يصبح الفعل السياسي أقل ارتباطًا بفكرة "التقدّم" وأكثر التصاقا بفكرة "الاستمرار داخل التوتّر". فبدل أن يتحرّك نحو مستقبل محدّد، يعمل داخل حاضر دائم التحوّل، حيث لا يُحسم الماضي بالكامل، ولا يُستقر المستقبل بما يكفي ليكون أفقا ثابتا
أحد أهم نتائج هذا الوضع هو هشاشة فكرة "المشروع السياسي" بالمعنى الحديث. المشروع يفترض استقرارا في الزمن يسمح بتحديد أهداف ووسائل ومراحل إنجاز. لكن حين يكون الحاضر نفسه غير مكتمل البنية، ومفتوحا على ارتدادات الماضي وتدخّلات أنظمة خارجية، يصبح الحفاظ على الاستمرارية السياسية أمرا صعبا. لذلك تميل السياسات إلى التكيّف السريع مع التحوّلات، بدل البناء التدريجي الطويل.
إلى جانب ذلك، يؤدي حضور الماضي كقوة فاعلة داخل الحاضر إلى إعادة تشكيل المجال السياسي حول الذاكرة والرموز التاريخية. فبدل أن يُعامل الماضي كمرجع معرفي، يُستدعى كعنصر صراع أو شرعية. وهذا ما يجعل السياسة في كثير من الحالات مشبعة باستعادات تاريخية متكرّرة، حيث يُستخدم الماضي لتبرير السلطة أو لمعارضتها، دون أن يُغلق فعليا أو يُحسم.
يمكن أيضا ملاحظة أنّ هذا التداخل الزمني يسمح بظهور أنماط هجينة من السلطة، تجمع بين آليات الدولة الحديثة وبُنى تقليدية في الشرعية والتنظيم. هذا التعايش لا يعكس انسجاما بقدر ما يعكس تركيبا غير مكتمل بين زمنين سياسيين مختلفين: زمن الدولة الحديثة القائم على المؤسّسات، وزمن السلطة التقليدية القائم على الشبكات والرموز. النتيجة هي نظام سياسي لا يتحرّك وفق منطق خطي، بل وفق منطق تفاعلي، يتغيّر بحسب توازنات اللحظة.
ضمن هذا الإطار، يصبح الفعل السياسي أقل ارتباطًا بفكرة "التقدّم" وأكثر التصاقا بفكرة "الاستمرار داخل التوتّر". فبدل أن يتحرّك نحو مستقبل محدّد، يعمل داخل حاضر دائم التحوّل، حيث لا يُحسم الماضي بالكامل، ولا يُستقر المستقبل بما يكفي ليكون أفقا ثابتا. وهذا ما يجعل السياسة أقرب إلى فن إدارة عدم الاستقرار الزمني منها إلى ممارسة تخطيطية خطية.
بهذا المعنى، لا تُفهم السياسة كنتيجة لخلل مؤسّساتي فقط، بل كبنية مرتبطة بطبيعة الزمن نفسه كما يُعاش داخل هذا السياق. وهو ما يفتح المجال لإعادة التفكير في مفهوم الفعل السياسي خارج افتراضات الخطية والتراكم المستمر.
إذا كان التشكّل الزمني القائم على التراكب وعدم الحسم يُنتج توتّرات في المجال السياسي، فإنّه في المجال الثقافي لا يظهر كعائق بقدر ما يتحوّل إلى شرط إنتاج جمالي. فالفن والأدب - بخلاف السياسة - لا يفترضان بالضرورة زمنا خطّيا مستقيما، بل يعملان غالبا داخل إمكانات الانكسار والتداخل وإعادة التشكيل. لذلك، فإنّ ما يبدو "اضطرابا زمنيا" في البنية الاجتماعية يتحوّل داخل الثقافة إلى مادّة للإبداع.
يتجلى ذلك أوّلا في تفكيك السرد الخطي داخل الأدب والسينما، حيث لا تُروى الأحداث وفق تسلسل سببي واضح يبدأ من الماضي وينتهي إلى المستقبل، بل تُبنى عبر تقاطعات واسترجاعات وانقطاعات متكرّرة. هذا الشكل لا يعكس مجرّد خيار تقني، بل يعبّر عن تصوّر مختلف للزمن نفسه، حيث لا يُنظر إلى الحدث بوصفه نقطة داخل خط، بل كعقدة داخل شبكة زمنية متعدّدة الاتجاهات. في هذا السياق، تصبح الذاكرة عنصرا بنائيا داخل السرد، لا مجرّد خلفية، وتتحوّل التجربة إلى إعادة تركيب مستمرّة للزمن بدل تمثيله.
كما يظهر هذا التداخل الزمني بوضوح في السينما، خاصة في أعمال جبريل ديوب مامبيتي حيث يتم كسر الاستمرارية الزمنية لصالح بناء بصري يسمح بتجاور مستويات زمنية مختلفة داخل المشهد الواحد. هنا لا يعود الزمن إطارا يحكم الصورة، بل يصبح جزءا من بنيتها الداخلية، مما يخلق تجربة مشاهدة لا تقوم على التتبّع، بل على التداخل والتأويل.
لا يُفهم الإبداع الثقافي كاستجابة لاضطراب زمني، وإنما كقدرة على تحويل هذا الاضطراب إلى بنية إنتاج، تجعل من التراكب الزمني شرطا لإمكانية القول والتشكيل الجمالي وليس عائقا
في مستوى آخر، يتجلى التراكب الزمني في حضور البعد الطقوسي داخل الفنون الأدائية. فالمسرح والرقص والأداء في كثير من السياقات لا ينفصل عن جذور طقسية تُعيد ربط الحاضر بأزمنة رمزية أقدم. غير أنّ هذا الحضور لا يعمل بوصفه استعادة فولكلورية للماضي، بل كإعادة تفعيل له داخل سياق معاصر. وبذلك، لا يُعرض الماضي كشيء منته، بل يُستحضر كزمن قابل للعيش مجدّدا داخل الحاضر الفني.
هذا ما يجعل العمل الثقافي فضاء لإعادة تركيب الأزمنة بدل ترتيبها. فبدل أن يسعى إلى تنظيم الزمن وفق تسلسل واضح، يقوم الفن بإبراز تداخله، وتحويل هذا التداخل إلى مصدر للمعنى. ومن هنا يمكن فهم الثقافة بوصفها مجالا لإدارة التعدّد الزمني لا لتوحيده، حيث تتجاور مستويات مختلفة من التجربة دون أن تُختزل في وحدة تفسيرية واحدة.
في هذا السياق، لا تكون الثقافة مجرّد انعكاس لبنية زمنية قائمة، بل تصبح آلية لإعادة إنتاجها بشكل رمزي وجمالي. فهي لا تلغي التوتّر بين الأزمنة، بل تُحوّله إلى شكل تعبيري، يسمح بعيش التعقيد بدل اختزاله. وهكذا، تتحوّل الفنون إلى فضاء تُختبر فيه إمكانات الزمن غير الخطي، لا كفكرة نظرية، بل كتجربة حسية ومعيشة.
بهذا المعنى، لا يُفهم الإبداع الثقافي كاستجابة لاضطراب زمني، بل كقدرة على تحويل هذا الاضطراب إلى بنية إنتاج، تجعل من التراكب الزمني ليس عائقا، بل شرطا لإمكانية القول والتشكيل الجمالي.
لا يكمن اختلاف الزمن في السياق الأفريقي في خروجه عن التاريخ، بل في طريقة العيش داخله. فبدل التعاقب نجد التراكب، وبدل القطيعة التعايش، وبدل الأفق الواضح الاحتمال المفتوح. في هذا الإطار، تتشكّل السياسة كإدارة لحاضر مثقل، بينما تتحوّل الثقافة إلى مجال لإعادة تركيب الأزمنة. وهكذا، لا يكون السؤال: هل الزمن الأفريقي مختلف؟ بل: كيف يُعاد تشكيل الزمن داخل شروط تاريخية لم تُحسم، وما الذي يتيحه ذلك من إمكانات للفعل والإبداع؟