تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 15 فبراير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
ثقافة

الزمن الأفريقي واختراع التقاويم: بين رهان الذاكرة والسلطة والتنمية

16 يناير, 2026
الصورة
الزمن الأفريقي واختراع التقاويم:  بين رهان الذاكرة والسلطة والتنمية
Share

إذا كان العقل - كما ذهب ديكارت - أعدل الأشياء قسمة بين الناس، فإن الزمن، بوصفه ميدان اشتغال العقل ومختبر تشكّله الفعلي، لا يقل عنه عدلًا في هذه القسمة. فجميع البشر يخضعون لتعاقب الليل والنهار، ويعيشون الساعات ذاتها. إن الذي ينبغي الوعي به هو أن الزمن ليس محايدا، وإنما يُؤوَّل ويُنظَّم ويُستثمر ويُروى، حتى ليغدو أكثر المرايا صفاء تعكس البنية العميقة للثقافات.

والناظر حقيقة يجد أن استعمالنا للزمن بل والإحساس به قد أضحى أداة تقنية رسمية للضبط الاجتماعي، يُقاس بالدقيقة، ويُدار بمنطق الإنتاجية والانضباط، ويُدمج في حسابات العائد والنجاعة. يظل الزمن، في عمقه الرمزي سردية كبرى وذاكرة جمعية، وإطارا مرجعيًا لتعريف الذات الجماعية، ولتثبيت علاقة الإنسان بالأرض والتاريخ. إن استعمالنا للزمن وطريقة التعامل معه صيغة مخصوصة لرواية رؤيتنا للعالم، يثوي خلفها تاريخ.

لعلّ أوضح تجليات هذا المعطى ما نعاينه في السياق الأفريقي، حيث تُؤرَّخ الحياة اليومية ـ من الميلاد إلى الوفاة، ومن الاستعمار إلى الاستقلال ـ وفق تواريخ غريغورية حملها المشروع الاستعماري معه إلى القارة، واستقرت في وجدانها الإداري والرمزي معًا. نادرًا ما نتساءل لماذا لا يعرف أغلبنا تاريخ ميلاده، وفق التقويم الهجري أو الإثيوبي أو الأمازيغي، وكأن الزمن، هنا، لم يعد خيارًا ثقافيًا، بل قدرا مفروضا لا يُفكَّر فيه. إن هذا الصمت اليومي إزاء التقويم ليس تفصيلا عابرا، بل علامة على عمق الهيمنة الرمزية التي يمارسها الزمن الموروث عن الاستعمار.

غير أن هذا التقابل لا يمكن اختزاله في مفاضلة بسيطة بين "الديني" و"المدني"، بل يكشف عن توتر بنيوي أعمق بين أنماط مختلفة من الزمن

هذه السنة يحتفل كثير من أمازيغ العالم برأس السنة الأمازيغية "إيض إيناير"، هنا نتساءل عن المعنى الممنوح لهذا الاحتفال. وهل تستطيع الذاكرة الزمنية أن تتحول إلى رافعة لإعادة بناء المعنى والتفكير في التقدم، أم أنها - متى انفصلت عن التاريخ والمعرفة والسياسات العمومية - تنقلب إلى مجرد طقس فولكلوري معطّل، يكرّس فكرا نمطيا فاقدا للمعنى والعقلنة حسب التعبير الفايبري؟ إننا إذ نحتفل غالبا ما نجعل فعل الاحتفال خارج سياق تنموي، إلى سياق صراع هوياتي، يؤدي غالبا إلى عرقلة عربة الزمن عندنا.

إيناير: من الطقس الزراعي إلى الاعتراف السياسي

يمثّل مسار الاعتراف الرسمي برأس السنة الأمازيغية "إيض إيناير" نموذجًا دالًا على تحوّل الزمن من ممارسة اجتماعية محلية إلى موضوع قرار سياسي. فعندما أقرت الجزائر، بمرسوم رئاسي صادر في 27 ديسمبر/كانون الأول 2017، يوم يناير/كانون الثاني عطلة رسمية تُحتفل بها في 12 يناير/كانون الثاني من كل عام، لم يكن ذلك مجرد إدراج يوم جديد ضمن الروزنامة الوطنية، بل كان إقرارًا ضمنيًا بأن الزمن الأمازيغي يشكّل أحد أبعاد السيادة الرمزية للدولة. وقد تجسّد هذا التحول لأول مرة في الاحتفال الرسمي لسنة 2018، قبل أن تتوالى خطوات مماثلة، من بينها قرار المغرب في 3 مايو/آيار 2023 اعتماد 14 يناير/كانون الثاني عطلة رسمية، ثم إدراج "يناير/كانون الثاني" في فرنسا منذ عام 2020 ضمن قائمة الجرد للتراث الثقافي غير المادي.

إن هذا الصمت اليومي إزاء التقويم ليس تفصيلا عابرا، بل علامة على عمق الهيمنة الرمزية التي يمارسها الزمن الموروث عن الاستعمار

غير أن هذا الاعتراف، على أهميته السياسية والثقافية، يكشف في الآن ذاته عن مفارقة عميقة: فالاعتراف السياسي بالزمن لا يفضي بالضرورة إلى استثماره حضاريًا. إذ إن نقل يناير من فضائه الاجتماعي الأصلي إلى مستوى القرار العمومي لا يضمن تلقائيًا إعادة إدماجه في أنساق المعرفة والتعليم والتنمية، بل قد يفضي إلى تجريده من وظائفه الأولى، واختزاله في رمز احتفالي منزوع السياق، كما نحتفل بوجبة محلية، وربما جعله سلعة ثقافية.

لقد نشأ الزمن الأمازيغي، في جذوره العميقة، مرتبطًا بالدورة الزراعية، وبإيقاع الفصول، وبممارسات الخصوبة، وبعلاقة عضوية بين الإنسان والأرض والمناخ. كان زمنًا عمليًا بقدر ما كان رمزيًا، يُنظّم العمل الزراعي، ويؤطر الطقوس، ويضبط العلاقة مع الطبيعة.

هل يوجد «زمن أفريقي» واحد؟ تفكيك وهم الوحدة

الحديث عن «الزمن الأفريقي» بصيغة المفرد ينطوي على تبسيط معرفي لا يخلو من مخاطر منهجية. فأفريقيا لم تُنتج زمنًا واحدًا متجانسًا، وإنما تشكّلت داخلها أزمنة متعددة ومتراكبة، وأحيانًا متصادمة، بحسب أنماط العيش، وأنساق السلطة، وشروط المعرفة.

لقد عرفت القارة أزمنة زراعية مرتبطة بالدورة الطبيعية والخصوبة، وأزمنة طقسية تنظمها الشعائر والاحتفالات الدينية، كما عرفت أزمنة إمبراطورية صاغتها الدول الكبرى التي حكمت المجال الأفريقي قبل العصر الحديث، ثم أزمنة استعمارية فُرضت بقوة الإدارة والخرائط والتقاويم الأوروبية، وأخيرًا أزمنة ما بعد الدولة الوطنية، التي ما تزال تتأرجح بين استمرارية الموروث الاستعماري ومحاولات بناء سيادة زمنية جديدة.

ضمن هذا التعدد، لا يكون الزمن مجرد خلفية محايدة للأحداث، بل مجالًا للصراع الرمزي بين أنماط مختلفة من تنظيم الحياة. فكل نمط زمني يعكس تصورًا خاصًا للعالم، وللعلاقة بين الإنسان والطبيعة، وبين الفرد والجماعة، وبين الحاضر والماضي والمستقبل. ومن هنا لا يُفهم تنوّع التقاويم في العالم ـ والتي يُقدَّر عددها بنحو أربعين تقويمًا استُعملت أو ما تزال تُستعمل ـ بوصفه مجرد تنوّع تقني، بل بوصفه تعبيرًا عن تعدّد طرق إدراك الزمن ذاته: تقاويم قمرية، وشمسية–قمرية، وشمسية، وأخرى مركّبة تقوم على حسابات فلكية وثقافية معقدة.

بهذا المعنى، لا يمكن الحديث عن «زمن أفريقي» واحد، بل عن ميدان زمني مفتوح، تتجاور داخله أزمنة مختلفة، بعضها مقاوم، وبعضها مهيمن، وبعضها لم يُتح له بعد أن يتحول إلى مشروع تاريخي واعٍ بذاته.

العطلة الأسبوعية: رهان الزمن المقدّس والسوق

حتى العطلة الأسبوعية! التي تبدو في ظاهرها ترتيبًا إداريًا محضًا، ليست بريئة ثقافيًا ولا محايدة سياسيًا. فهي تمثّل حقيقة، أحد أكثر أشكال تنظيم الزمن اليومي الروتيني تعبيرًا عن منظومة القيم التي تحتكم إليها المجتمعات. ففي العالم العربي، يتأرجح الأسبوع بين نموذجين متباينين: نموذج الجمعة/السبت، المستند إلى مركزية الزمن الديني، ونموذج السبت/الأحد، المنخرط في الإيقاع الاقتصادي العالمي. غير أن هذا التقابل لا يمكن اختزاله في مفاضلة بسيطة بين "الديني" و"المدني"، بل يكشف عن توتر بنيوي أعمق بين أنماط مختلفة من الزمن.

لقد عرفت أفريقيا أزمنة زراعية مرتبطة بالدورة الطبيعية والخصوبة، وأزمنة طقسية تنظمها الشعائر والاحتفالات الدينية، كما عرفت أزمنة إمبراطورية صاغتها الدول الكبرى التي حكمت المجال الأفريقي قبل العصر الحديث، ثم أزمنة استعمارية فُرضت بقوة الإدارة والخرائط والتقاويم الأوروبية

فمن جهة، يقوم زمن العبادة على إيقاع طقسي دوري، يفرض على الجماعة لحظة توقف جماعي، تُعاد فيها صياغة العلاقة بالمقدّس وبالجماعة. ومن جهة أخرى، يفرض زمن السوق إيقاعًا متسارعًا، تُقاس فيه الأيام بمدى اندماجها في سلاسل الإنتاج والتبادل العالمية. وبينهما، تحاول الدولة الحديثة أن تفرض زمنًا إداريًا موحدًا، يُوفّق - أو يساوم - بين متطلبات الهوية الدينية وشروط الاقتصاد المعولم. لقد أضحت العطلة الأسبوعية نقطة تماس حساسة بين ثلاثة أزمنة متنافسة: زمن العبادة، وزمن السوق، وزمن الدولة.

إن اختيار دول مثل: المغرب وتونس ولبنان اعتماد نظام السبت/الأحد لا يمكن فهمه باعتباره تخليًا عن المرجعية الدينية (فكما هو واضح الأول لليهود والثاني للمسيحين)، بقدر ما يعكس سعيًا إلى الاندماج في الإيقاع الزمني للاقتصاد العالمي، حيث تتحدد أيام العمل والتبادل على نطاق عابر للحدود.

في المقابل، فإن حفاظ دول أخرى على مركزية الجمعة يكشف عن أولوية مختلفة في ترتيب القيم الزمنية. غير أن السؤال الجوهري لا يتعلق بكون هذا الاختيار أو ذاك "أصح" أو "أكثر أصالة"، بل بمدى قدرتنا على امتلاك تصور سيادي للزمن. فهل نعيد التفكير في الزمن بوصفه موردًا رمزيًا وسياسيًا قابلًا للتشكيل، أم نكتفي بإدارته بوصفه معطًى تقنيًا مفروضًا من خارج النقاش العمومي؟

التوقيت الصيفي: حين يتحوّل الزمن إلى سياسة عمومية

إذا كان التقويم يُمثّل السردية الكبرى التي يُنظَّم بها الزمن الطويل، فإن التوقيت الصيفي يُجسّد، على نحو أكثر مباشرة، تحويل الزمن إلى أداة من أدوات السياسة العمومية. وفي هذا الإطار، يمكن فهم اندفاع عدد من الدول الأفريقية نحو توحيد توقيتها أو تثبيته لا باعتباره خيارًا تقنيًا محضًا، بل بوصفه استجابة لضغوط الاندماج الاقتصادي مع أوروبا، وسعيًا إلى تقليص الفارق الزمني بما يضمن سلاسة المعاملات البنكية، وتزامن حركة الأسواق، وانتظام العمل بين المؤسسات العابرة للحدود.

الزمن، هنا، لا يُعاد تنظيمه وفق إيقاع المجتمع المحلي وحاجاته اليومية، وإنما يُضبط على إيقاع السوق العالمية، حيث يتحوّل الفرق الزمني ذاته إلى عائق اقتصادي ينبغي "تصحيحه".

غير أنّ هذا التكييف الزمني يتم غالبًا دون اعتبار كافٍ لانعكاساته الداخلية، سواء على الصحة العامة أو على النجاعة الاقتصادية المحلية. بل إنّ التوقيت الصيفي، الذي يُسوَّق في الغالب بوصفه إجراءً لترشيد الطاقة، قد يفضي في بعض السياقات إلى نتائج عكسية، خاصة على المستوى البيئي؛ إذ يتيح امتداد ساعات الضوء بعد انتهاء العمل فسحةً زمنية أطول للتنقّل والترفيه، وهو ما يؤدي إلى زيادة استعمال السيارات واستهلاك الوقود، ومن ثمّ تعاظم الأثر البيئي بدل الحدّ منه.