السبت 13 يونيو 2026
يندرج مقال "الآثار البيئية، ومفاضلات استعمال الأرض، ومسارات التدبير المستدام لتوسع مزارع اليوكالبتوس في إثيوبيا"، للباحثين يوهانس جيلاي وكيروس غيتاشو، المنشور في مجلة العالم العلمي، بتاريخ 24 فبراير/شباط 2026، ضمن الدراسات البيئية التي تعالج أثر التوسع الزراعي والغابوي في إعادة تشكيل المجال الطبيعي والاجتماعي.
يتناول المقال، في ظاهره، تمدد زراعة اليوكالبتوس في إثيوبيا، وما يرافق ذلك من آثار في الماء والتربة والتنوع الحيوي واستعمالات الأرض؛ غير أنّ قيمته لا تقف عند حدود الوصف البيئي، بل تمتد إلى مساءلة أعمق للعلاقة بين التنمية والضرورة الاقتصادية والهشاشة الإيكولوجية. فهو يضعنا أمام حالة نموذجية من حالات التوتر بين حاجة الفلاحين إلى الدخل السريع، وحاجة المجال الطبيعي إلى التوازن والاستدامة.
من هنا يمكن قراءة هذا المقال بوصفه نصا كاشفا عن مأزق أوسع في سياسات التنمية الريفية: كيف يتحول مورد اقتصادي واعد إلى مصدر ضغط بيئي؟ وكيف تصبح الشجرة التي تمنح الخشب والوقود والدخل، في الوقت نفسه، عنصرا منافسا للماء ومهددا للتربة ومربكا للتنوع الحيوي؟ يعكس اليوكالبتوس بهذا المعنى طريقة التفكير التنموي التي تجعل المنفعة القريبة أكثر حضورا من الكلفة البعيدة.
ينطلق المقال من معطى أساسي هو أنّ اليوكالبتوس أصبح جزءا مؤثرا في المشهد الزراعي الإثيوبي، بفعل سرعته في النمو وقيمته في إنتاج الوقود والخشب وقدرته على توفير دخل مباشر للأسر الريفية. وقد وجد الفلاح الصغير في هذه الشجرة ما يشبه الضمان الاقتصادي؛ فهي لا تحتاج إلى عناية معقدة، وتملك سوقا جاهزة، وتمنح مردودا أسرع من كثير من المحاصيل التقليدية. لهذا ينبغي فهم هذه المسألة ضمن شروط الفقر الريفي، وضغط السوق وندرة البدائل وتراجع القدرة الإنتاجية للأرض.
هذه النقطة تمنح المقال قوته النظرية؛ إذ يدفعنا إلى تجاوز السؤال المبسط: هل اليوكالبتوس شجرة نافعة أم ضارة؟ فالسؤال الأجدى: ضمن أي نظام اقتصادي وبيئي تصبح نافعة، وضمن أي شروط تتحول إلى عبء؟ هنا تظهر الشجرة بوصفها كائنا مزدوج المعنى: فهي في ميزان الأسرة مصدر دخل، وفي ميزان البيئة مستهلكمستنزف للمياه، ومنافس قوي للمحاصيل وضاغط على التربة والتنوع الحيوي. هذا التوتر بين المنفعة المباشرة والكلفة المؤجلة هو جوهر المسألة.
حين تصبح السوق أقوى من التخطيط، تظهر الأشجار السريعة النمو بوصفها خلاصا عمليا، لكنها قد تنقل الأزمة من مستوى إلى آخر
يعالج المقال أثر اليوكالبتوس في الموارد المائية بوصفه أحد أكثر الأبعاد حساسية. فالشجرة ذات قدرة عالية على امتصاص المياه، خصوصا في المناطق التي تعاني أصلا من هشاشة مائية. وحين تتوسع زراعتها في مجال محدود الموارد، فإنها تعيد توزيع حق الانتفاع بالماء بين الإنسان والنبات، بين الحاضر والمستقبل، وبين المصلحة الفردية والمصلحة الجماعية. بذلك تصبح المياه غير المرئية في أعماق التربة جزءا من اقتصاد غير معلن: فالسوق يحتسب ثمن الخشب، لكنه لا يحتسب ثمن الينبوع الذي يضعف، ولا رطوبة التربة التي تتراجع، ولا كلفة الجفاف البطيء.
أما التربة، فيقدمها المقال بوصفها ذاكرة المجال وموضوع استنزافه في آن واحد. فالنمو السريع لليوكالبتوس يقوم على امتصاص مكثف للمغذيات. وكلما قصرت دورة القطع والحصاد، ازدادت سرعة استخراج العناصر الحيوية من التربة. وهنا ينكشف وجه آخر من وجوه التنمية غير المتوازنة: الربح السريع قد يكون اقتراضا خفيا من خصوبة المستقبل. ما يربحه الفلاح اليوم قد تدفعه الأرض غدا في صورة تراجع إنتاجي، وانجراف، وفقر بيولوجي، وحاجة متزايدة إلى أنماط زراعية أكثر قسوة على المجال.
من أزمة دخل إلى أزمة ماء، ومن أزمة خشب إلى أزمة تربة، تتبدى حدود التنمية حين تفكر بمنطق الحل السريع
يكتسب المقال بعدا بيئيا أوسع حين يتناول أثر اليوكالبتوس في التنوع الحيوي. فالمزارع الأحادية تغير نظام الحياة كله. فحين تهيمن شجرة واحدة، تتراجع النباتات المحلية، وتضعف فرص التجدد الطبيعي، ويتأثر الغطاء السفلي، وتتبدل علاقات الكائنات داخل المجال. إنّ المشكلة هي أن الأرض تتحول إلى فضاء إنتاجي ضيق، محكوم بمنفعة واحدة، ومحصول واحد، وسوق واحدة. بهذا المعنى، فإنّ الشجرة ليست إلا مظهرا من مظاهر اختزال الطبيعة في وظيفة اقتصادية.
غير أنّ المقال ينجو من الخطاب البيئي التبسيطي، لأنه لا يدعو إلى استئصال اليوكالبتوس ولا إلى شيطنته. وهذه فضيلة منهجية مهمة. فالشجرة تؤدي أدوارا لا يمكن تجاهلها: توفر الخشب، وتخفف الضغط على الغابات الطبيعية، وتدخل في اقتصاد الأسر، وقد تسهم في تخزين الكربون. لذلك فإنّ المعالجة الحكيمة تقوم على التدبير الرشيد: اختيار المواقع المناسبة، ضبط الكثافة، تجنب المناطق الهشة مائيا، إدماجها في أنظمة زراعية مختلطة، وربطها بأنواع محلية متعددة المنافع.
مع ذلك، فإنّ المقال كان يحتاج إلى توسيع أفقه النظري في اتجاهين. الأول سياسي، يتعلق بمن يقرر مصير الأرض. فالحديث عن اليوكالبتوس لا يكتمل من غير مساءلة الدولة والسوق والسياسات الزراعية. حين يجد الفلاح نفسه أمام محصول غذائي ضعيف العائد وشجرة مربحة، يتحرك داخل بنية تضيق فيها البدائل. لذلك، فإنّ تحميل الفلاح وحده مسؤولية التدهور البيئي يغفل الشروط التي دفعته إلى هذا الاختيار. والثاني اجتماعي، يتعلق بآثار التوسع على علاقات الجوار والغذاء المحلي، وتوزيع الماء وأنماط الملكية والنزاعات المجالية، فالمسألة لها طابع اجتماعي واقتصادي وثقافي أساس...
تصبح المياه غير المرئية في أعماق التربة جزءا من اقتصاد غير معلن: فالسوق يحتسب ثمن الخشب، لكنه لا يحتسب ثمن الينبوع الذي يضعف، ولا رطوبة التربة التي تتراجع، ولا كلفة الجفاف البطيء
إنّ القيمة الفكرية الكبرى للمقال تكمن في أنه يجعل من اليوكالبتوس نموذجا لمأزق أوسع في سياسات التنمية: البحث عن حلول سريعة لمشكلات عميقة. فحين تعجز السياسات الزراعية عن حماية الفلاح، وحين تتراجع خصوبة الأرض، وحين تصبح السوق أقوى من التخطيط، تظهر الأشجار السريعة النمو بوصفها خلاصا عمليا. لكنها، في غياب رؤية بيئية متكاملة، قد تتحول إلى صورة أخرى من صور نقل الأزمة من مستوى إلى آخر: من أزمة دخل إلى أزمة ماء، ومن أزمة خشب إلى أزمة تربة، ومن ضغط على الغابات الطبيعية إلى ضغط على التنوع الحيوي.
لذلك، ينبغي قراءة المقال بوصفه نصا عن علاقة المجتمعات الفقيرة بالطبيعة تحت ضغط الضرورة. فاليوكالبتوس يكشف أن التنمية فن في الموازنة بين الحاجات. وحين تفقد التنمية هذا الحس التركيبي، تصبح أقرب إلى إدارة مؤقتة للندرة، تؤجل الكلفة ولا تلغيها.
خلاصة هذه القراءة أن المقال يقدم مادة علمية مهمة عن توسع اليوكالبتوس في إثيوبيا وآثاره البيئية، لكنه يكتسب قيمته الأعمق حين نقرأه بوصفه مدخلا إلى نقد نمط من التفكير التنموي الذي يختزل الأرض في مورد، والفلاح في منتج، والشجرة في سلعة. ويكمن البديل في بناء سياسة أرض قادرة على الجمع بين الدخل والخصوبة، بين السوق والماء، بين حاجات الفلاح وحقوق المجال. عندئذ فقط يمكن أن تتحول الشجرة من علامة على الاستنزاف إلى جزء من توازن جديد بين الإنسان وبيئته.