الجمعة 17 أبريل 2026
قرر النيجيري أليكو دانغوتي، أغنى رجل في أفريقيا، نهاية الشهر الماضي (يوليوز/ تموز) التقاعد، بعد إعلانه التنحي من رئاسة مجلس إدارة شركة "دانغوتي للإسمنت" التي شكلت العمود الفقري لإقلاع إمبراطوريته الاقتصادية، قبل التحول بثقله الاستثماري، بعد معركة طويلة وشاقة، إلى قطاع الطاقة بإطلاق "مصفاة دانغوتي" أكبر مصفاة للنفط في القارة.
نسج أليكو محمد دانغوتي المولود في مدينة كانو لأسرة مسلمة من قومية الهوسا عام 1957، قصة نجاح فريدة في عالم الاقتصاد بمنطقة غرب أفريقيا، بعيدا عن الجوع والتعاسة والعنف التي تجرف الملايين سنويا في أفريقيا، بالسير عكس التيار في رحلته نحو الثراء، باعتماده استراتيجية هادئة تقوم على السعي الدائم لاستثمار الأموال بدل تخزينها، مع الحرص على اقتناص الفرص متى ظهرت، دون التفريط في مسافة أمان نحو الأنظمة السياسية المتعاقبة في البلاد.
ينتمي دانغوتي إلى عائلة تجارية ثرية في مدينة كانو كبرى مدن الشمال وعاصمة بلاد الهوسا، ما يجعل عنوان "من الفقر إلى الثراء" غير متطابق مع رحلة ومسيرة الرجل. لكن ذلك لا يبعد الإثارة في سيرة الرجل، الذي استهوته التجارة منذ كان طفلا داخل في فصول الدراسة، حيث كان يشتري علب الحلوى قصد إعادة بيعها لزملائه في المدرسة، رغم ثراء عائلته.
قررت العائلة إرسال أليكو إلى الأزهر بمصر بعد إتمام الثانوية العامة، لكن الرحلة التعليمية لم تدم طويلا، حيث قرر العودة مجددا إلى عوالم التجارة في مسقط رأسه، مدينة كانو، بحثا الخبرة واكتساب التجربة في مشاريع عمه الذي يرعاه منذ وفاة والده في سن صغيرة. لكنه سرعان ما فارقه، بعدما منحه قرضا بقيمة 3000 دولار، استطاع الشاب تسديده بعد 3 أشهر فقط، من إطلاق مشروعه التجاري الأول في لاغوس عام 1977.ثم ما لبث أن صار عام 1981 "مجموعة دانغوتي" (Danjote Group) التي شكلت عماد إمبراطوريته المالية.
"أنا لا أستثمر في الأشياء التي أستهلكها، بل في الأشياء التي تبني بلدي"
الابتعاد عن العائلة لا يعني بالضرورة الابتعاد عن مجال النشاط التجاري، فالمغامرة في عالم تعرف أسراره وتفاصيله أكثر أمانا من عالم تجهله، ما جعل ابن 21 ربيعا يقتحم التجارة، وتحديدا توزيع السلع والمواد الأساسية حيث نسج شبكة توزيع تجاري قوية جدا على طول وعرض البلاد، استثمرها بذكاء لاحقا عندما تحول التوزيع إلى مرحلة التصنيع.
بحلول عام 1990، أضحت مجموعة دانغوتي المعروفة بالتجارة في توزيع السلع الأساسية والمنسوجات فضلا عن الإسمنت، إحدى أكبر الشركات التجارية في نيجيريا، ما جعل الرجل يفكر بالتصنيع المحلي، بعدما اكتشف أن الاكتفاء بالعمل وسيطا بين المنتج والمستهلك نشاط مكلف، لذلك قرر التحول من مجرد مورد إلى منتج رئيسي في البلد، فدائما ما يردد شعار: "أنا لا أستثمر في الأشياء التي أستهلكها، بل في الأشياء التي تبني بلدي".
شكل الابتعاد عن النفط عصب الاقتصاد النيجيري، ومصدر الثراء الذي كان رائجا في البلاد، عنصرا مهما ساهم في نجاح دانغوتي، فالصراع بين رجال الأعمال في مجال النفط كان على أشده، بسبب حرب الولاءات وتوزيع النفود وفق لتقلبات موازين القوى في النظام السياسي في نيجيريا. ناهيك عن كثرة العقبات والعراقيل المتربصة بمستثمر مبتدئ في قطاع تحكمه شبكة قوية من العلاقات تتداخل فيها المصالح الوطنية مع الأجنبية.
يبدو أن دانغوتي استوعب مبكرا أحد أقدم دروس عالم المال والأعمال، وهو تركيز الاستثمار في المجالات التي يملكها عنها سابق معرفة. وقد أكد ذلك في أحد حواراته عند تفسيره لخطة التحول "حاولت دائما الصعود في السلسلة، بدأت بالإسمنت ثم انتقلت إلى المنسوجات... عندما كنت أتاجر في السكر أضفت الملح والدقيق حتى نتمكن من صنع المعكرونة".
"مافيا النفط أكثر من مافيا المخدرات، لأن مافيا النفط تضم العديد من الأشخاص المتورطين؛ قد تناول العشاء معهم، لكنهم من يحركون القرارات"
في سياق هذه التحول دائما، لأن مراكمة ثروة من مجال استثماري واحد في دولة هشة مثل نيجريا يعد مغامرة غير محسوبة العواقب، فلا أحد يتوقع ما قد تحمل تقلبات السياسة غدا من أنظمة غير ديمقراطية، ما دفعه نحو قطاع الإسمنت حيث أنشأ أكبر مصنع أوبجان للإسمنت في أوغون عام 2003، الذي أضحى أكبر مصنع إسمنت في القارة. واستغل بذكاء تحولات الاقتصاد النيجري للحصول على شركة إسمنت كانت مملوكة للدولة، ما حول صناعة الإسمنت إلى أهم مجالاته الاستثمارية، فشركة "دانغوت إسمنت" تنتشر في 16 بلدا أفريقيا، بإنتاج إجمالي يتعدى 45 مليون طن سنويا.
كان للحظ نصيب في صعود دانغوتي، فالتقلبات السياسية والانقلابات العسكرية في نيجيريا، مطلع الثمانينيات حتى أواخر التسعينيات، ساهمت في بناء إمبراطوريته المالية، حيث ساهمت حملات اعتقال رجال الأعمال الكبار، بسبب علاقاتهم مع الأنظمة السياسية السابقة، إمكانية بروز طبقة أخرى جديدة إلى الواجهة. درس استوعب الرجل جيدا بجعل علامته التجارية في مأمن عن الأشخاص والأحزاب المتداولة على السلطة في أبوجا.
قرر دانغوتي العودة للاستثمار في قطاع النفط بعدما صنع اسم إمبراطوريته بعيدا عنه، فالدخول إلى هذا المجال أشبه باقتحام عالم المافيا، كما اعترف في أحد حواراته "مافيا النفط أكثر من مافيا المخدرات، لأن مافيا النفط تضم العديد من الأشخاص المتورطين؛ قد تناول العشاء معهم، لكنهم من يحركون القرارات".
لم يكن الرجوع إلى قطاع يشكل نحو 6,33٪ من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد قصد التنافس مع أباطرة الطاقة، وإنما من أجل رؤية ترمي تحقيق الأمن الطاقي في بلد تم تصنيفه في أبريل/ نيسان 2024 بكون الثاني قاريا والعاشر عالميا في قائمة أكبر احتياطات النفط في العالم الذاتي. فقد خاض الرجل مغامرة تشييد مصفاة دانغوت؛ أكبر مصفاة للنفط والغاز في أفريقيا، التي شرعت في العمل، بعد 11عاما ومبلغ بقيمة 23 مليار دولار، بطاقة إنتاجية تصل إلى 650 ألف برميل يوميا، بتكلفة تتجاوز 20 مليار دولار، يجعلها سابع أكبر مصفاة في العالم.
بدأت المصفاة العمل قبل نحو عام تقريبا وفق خطة تدريجية، آخر مراحلها الشروع منتصف الشهر الجاري (أغسطس/ آب) في تزويد محطات البيع بالتجزئة بالوقود بتجهيز 4 آلاف صهريج لهذه المهمة، ما حافظ نسبيا على استقرار الأسواق رغم رفع الدعم الحكومي، في أكبر دولة نفطية في أفريقيا.
"يتعين علينا أن نبني هذه الأمة بسواعدنا... لا أن نعتمد على الاستثمار الأجنبي"
ساهم المصفاة من جهة أخرى، في وقف نزيف العملة الصعبة، فالشركات الكبرى المستثمرة في قطاع النفط (توتال إنرجيز، أوندو، كونويل) تشتكي من تراجع في أرباحها في النصف الأول من العام الجاري، وذلك عائد إلى عمل المصفاة الذي أحدث تغييرات مالية كبرى في ميزان المدفوعات الوطني.
أليكو رجل أعمال، لكن أيضا صاحب رؤية، فمشروع بناء المصفاة الذي وصفه ب "أكبر مغامرة أخوضها، ولم يكن أمامي سوى خيارين: النجاح أو الموت"، يرمي تحويل نيجيريا، أحد أكبر منتجي النفط الخام في العالم، لدولة منتجة لمشتقات البترول. بذلك يجسد فعليا مقولته: "يتعين علينا أن نبني هذه الأمة بسواعدنا... لا أن نعتمد على الاستثمار الأجنبي".
بعيدا عن التجارة والأعمال يمتلك الرجل أيضا مؤسسة للأعمال الخيرية باسمه (ADF) منذ 1994؛ أي قبل أن يصبح مليارديرا، تتولى دعم مبادرات الصحة والتعليم والتمكين الاقتصادي حتى أصبح أكبر مؤسسة خاصة بمنطقة جنوب الصحراء الكبرى. فالرأسمالية تصبح متوحشة متى فقدت البعد الاجتماعي والحس الوطني، فما أكثر المليارديرات في أفريقيا حين تعدهم، لكنهم عند التصدي لأزمات بلدانهم ومعضلات الشعوب الأفريقية قليلون!
لقد نجحت مؤسسته بالشراكة مع مؤسسة بيل وميليندا جيتس، وخلال سبع سنوات، في إعلان أفريقيا صيف 2020 قارة خالية من شلل الأطفال البري. نجاح لن يكون غريبا عن رجل يعتبر أن "الشيء الحقيقي في الثروة، هو ما يجعلك تستمتع بها وتكون سعيدا لأنك غني، هو عدد الأرواح التي يمكنك لمسها وأنت على قيد الحياة".