تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 8 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
فكر

الوقفة التي حوّلت جسد مشجّع إلى أرشيف حي للتاريخ الأفريقي

24 يناير, 2026
الصورة
الوقفة التي حوّلت جسد مشجّع إلى أرشيف حي للتاريخ الأفريقي
Share

خلال دورة كأس أفريقيا التي انتظمت بالمغرب، لفت مشجّع من جمهورية الكونغو الديمقراطية يُدعى «ميشيل كوكا مبولادينغا» أنظار الجماهير ووسائل الإعلام بسلوك غير مألوف: وقف طوال مباريات منتخب بلاده ثابتا على المدرّجات، محاكيا وضعيّة تمثال "باتريس لومومبا"، الزعيم التاريخي للاستقلال الكونغولي، وأحد أبرز رموز التحرّر الأفريقي في القرن العشرين، الذي اغتيل سنة 1961 في سياق تواطئ استعماري وصراع دولي حول السيادة الكونغولية.

لم يصدر عن هذا المشجّع أي هتاف أو شعار، ولم يحمل لافتة أو يشارك في طقوس التشجيع الجماعي. اقتصر فعله على محاكاة جسديّة دقيقة لوضعيّة التمثال المعروف للومومبا، في فعل صامت استمرّ على امتداد المباريات التي خاضها منتخبه. سرعان ما انتشرت صورته ومقاطع الفيديو التي توثّق سلوكه على شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الدوليّة، وتراوحت القراءات بين اعتباره مجرّد تصرّف غرائبي، أو تعبيرا وطنيّا عاطفيّا، أو لفتة رمزيّة طريفة في فضاء رياضي.

غير أنّ اختزال هذا الحدث في بعده الطريف أو العاطفي يُفرغه من كثافته الدلاليّة. فالسياق الذي ظهر فيه، أي فضاء مدرّج رياضي جماهيري أفريقي، لحظة تشجيع وطني عابر للحدود، وتداول إعلامي سريع، يحوّل الفعل من نزوة فرديّة إلى ممارسة أدائيّة رمزيّة ذات حمولة سياسيّة وتاريخيّة.

من هذا المنطلق، نحاول تفكيك هذه الظاهرة بوصفها إعادة كتابة صامتة للذاكرة الوطنيّة عبر الجسد، داخل فضاء رياضي جماهيري، في لحظة ما بعد استعماريّة، تتّسم بتآكل الرموز الوطنيّة وتحوّل السياسة إلى طقس إعلامي استهلاكي.

محاكاة وضعيّة التمثال في المدرّج لا تعيد إنتاج الرّمز كما هو، بل تنقله من حيّز التقديس الرسمي إلى حيّز التسييس الشعبي

يمثّل باتريس لومومبا حالة نموذجيّة لما يسمّيه بول ريكور "الذاكرة المأسورة"؛ أي الذاكرة التي تُختزل في سرديّة رسميّة تُحيّد عنفها التأسيسي. اغتيال لومومبا لم يكن حدثا تاريخيّا منتهيا، بل لحظة تأسيسيّة لعلاقة مشوّهة بين الدولة الكونغوليّة الحديثة وسيادتها الرمزيّة، ويعكس ذلك كيف تتشابك الأحداث التاريخيّة مع الاستعمار والاحتلال، وتستمرّ في تشكيل العلاقات الاجتماعيّة والسياسيّة حتى اليوم. تحويل لومومبا إلى تمثال يدخل ضمن ما يسمّيه بيير نورا "أماكن الذاكرة"، أي تثبيت الذاكرة في شكل مادّي يعوّض عن فقدانها الحيّ في الوعي الجمعي، ويتيح للمتلقّي الوصول إلى التاريخ عبر علامة محسوسة.

غير أنّ هذا التثبيت يحمل مفارقة: فهو يحفظ الرمز، لكنّه يفرغه من قدرته على الإزعاج السياسي، ويحوّل لومومبا إلى "ماض منته" بدل أن يكون سؤالا مفتوحا في الحاضر. محاكاة وضعيّة التمثال في المدرّج لا تعيد إنتاج الرّمز كما هو، بل تنقله من حيّز التقديس الرسمي إلى حيّز التسييس الشعبي. هنا يفقد التمثال حياده المتحفي، ويستعيد الرّمز توتّره الأصلي بوصفه علامة على جرح لم يُغلق، وعلى سيادة لم تكتمل، وعلى سرديّة وطنيّة ما تزال متنازعا حول معناها.

الوقوف الجامد ليس سكونا فيزيائيّا، بل فعل تعطيل رمزي، وكسر لإيقاع الفرجة الرياضيّة، أي إدخال «زمن الذاكرة» داخل «زمن المباراة»

في التحليل الفوكوي، لا يُفهم الجسد كموضوع محايد، بل حقلا تُستثمر فيه السلطة، ويعاد عبره صياغة الخطاب. فعل ميشيل كوكا ليس تعبيرا ذاتيّا عن هويّة فرديّة، بل إدراج للجسد في شبكة خطابيّة تُنتج معنى سياسيّا خارج اللّغة، ويؤكّد على كيفيّة دخول التاريخ إلى اللّحظة الحاضرة عبر الفعل الفردي. الوقوف الجامد ليس سكونا فيزيائيّا، بل فعل تعطيل رمزي، وكسر لإيقاع الفرجة الرياضيّة، أي إدخال «زمن الذاكرة» داخل «زمن المباراة». بهذا المعنى، لا يمثّل الجسد الماضي، بل يفرض حضوره القسري داخل الحاضر، ويجبر المشهد الرياضي على استقبال تاريخ لا يريد استحضاره.

يمكن قراءة هذا الأداء في ضوء مفهوم إرفينغ غوفمان عن «إدارة الانطباع»، ولكن بصورة معكوسة، إذ لا يسعى الفعل إلى نيل اعتراف اجتماعي أو الاندماج في التفاعل الجماهيري، بل إلى إرباك قواعده ذاتها، وإلى إنتاج نشاز بصري ودلالي يقطع سلاسة المشهد.

وفق بيير بورديو، يتجسّد النظام الاجتماعي في أنماط الحركة والسلوك اليوميّة التي يسمّيها «الهابيتوس»، ويُنتج المدرّج الرياضي هابيتوسا خاصّا يقوم على الجلوس والهتاف والانفعال والمشاركة الإيقاعيّة في الفرجة الجماعيّة. ما يفعله ميشيل كوكا هو خرق لهذا الهابيتوس عبر إدخال جسد غير منسجم مع قواعد المكان، جسد يقف حين يُفترض الجلوس، ويصمت حين يُفترض الهتاف، ويجمُد حين يُفترض الانفعال. الوقوف الجامد لا ينسجم مع منطق التشجيع، بل يخلق نشازا بصريّا يُجبر الآخرين على إعادة تأويل المشهد، ويحوّل الجسد إلى أداة تخريب رمزي للنظام الدلالي للمدرّج، أي احتجاج بلا شعار، وبلا لافتة، وبلا لغة.

الأداء هنا لا يهدف إلى تمثيل لومومبا، بل إلى إعادة تشغيل دلالته في سياق جديد، أي ما يمكن تسميته بـ«الأداء الذاكراتي» أو «سياسة الصمت»، حيث يُنتج المعنى عبر الامتناع عن الكلام لا عبر الإفصاح، في مقابل أشكال الاحتجاج الكلاسيكيّة القائمة على الهتاف والشعارات واللافتات، يشتغل هذا الفعل على مستوى أعمق هو مستوى البنية الإدراكيّة للمتلقّي، إذ يُجبر المتفرّج على السؤال: ماذا يفعل هذا الجسد هنا؟ ولماذا الآن؟ وكيف دخل التاريخ إلى المدرّج؟ هنا تتقاطع هذه الممارسة مع تقاليد الأداء السياسي المعاصر، حيث يصبح الجسد نفسه مادّة الخطاب، لا حاملا له فقط.

ما يفعله ميشيل كوكا هو إعادة فتح هذا الجرح في فضاء غير سياسي ظاهريّا، وتحويل الجسد الفردي إلى أرشيف مضاد للأرشيف الرسمي

المدرّج ليس فضاء بريئا، بل أحد أكثر الفضاءات الجماهيرية كثافة في إنتاج الهويّة والانتماء. في السياقات ما بعد الاستعماريّة، تتحوّل الرياضة إلى بديل رمزي عن السّيادة السياسيّة الناقصة، وإلى مسرح تُعاد فيه صياغة الانتماءات الوطنيّة في شكل طقوس جماعيّة. إدخال رمز سياسي في هذا الفضاء يعيد تسييسه، ويكشف هشاشة الفصل بين الرياضي والسياسي. ما يحدث هنا ليس تسييسا للرياضة، بل كشف لسياستها الكامنة، وإظهارا لما تحمله من توتّرات تاريخيّة مؤجَّلة.

تداول صورة المشجّع الجامد على وسائل التواصل الاجتماعي يضع الفعل داخل منطق ما يسمّيه غي ديبور «مجتمع الفرجة»، حيث تتحوّل حتى أفعال الاحتجاج إلى صور تُستهلك داخل اقتصاد المشهد. المفارقة أنّ هذا الانتشار يمنح الفعل قوّة رمزيّة وانتشارا واسعا، لكنّه في الآن نفسه يهدّده بالتسليع والتفريغ من مضمونه السياسي، حين يُختزل في لقطة غريبة أو طريفة قابلة للمشاركة السريعة، مفصولة عن سياقها التاريخي والاستعماري. هنا يُعاد إنتاج العنف الرمزي نفسه الذي حوّل لومومبا إلى تمثال، أي تثبيت الرمز في صورة تُفرغه من قدرته على الإزعاج والسؤال.

في منطق فرانز فانون، لا يُشفى الجرح الاستعماري بالاستقلال السياسي وحده، بل يظلّ كامنا في البنى الرمزيّة والتمثيليّة للمجتمع، ويعاود الظهور في لحظات غير متوقّعة. ما يفعله ميشيل كوكا هو إعادة فتح هذا الجرح في فضاء غير سياسي ظاهريّا، وتحويل الجسد الفردي إلى أرشيف مضاد للأرشيف الرسمي، حيث تُستعاد الذاكرة خارج مؤسّسات الدولة، وخارج خطابها التصالحي. إنّه تفكيك صامت لاحتكار الدولة لمعنى لومومبا، وإعادة توزيع للعلاقة بين الجسد والذاكرة والفضاء العام.

ليس ما قام به ميشيل كوكا مبولادينغا فعلا رمزيّا بسيطا، بل ممارسة ما بعد استعماريّة كثيفة الدلالة، تُعيد توزيع العلاقة بين الجسد والذاكرة والفضاء العام، وتحوّل المدرّج إلى مسرح سياسي غير معلن، والجسد الفردي إلى جهاز إنتاج للمعنى السياسي. بهذا المعنى، لا يعود لومومبا تمثالا يُزار، بل علامة حيّة تُعاد كتابتها في كلّ مرّة يجرؤ فيها جسد على أن يصبح وسيطا للتاريخ، وفي كلّ مرّة يدخل الماضي إلى الحاضر لا بوصفه ذكرى منتهية، بل بوصفه سؤالا مفتوحا، وجُرحا لم يُغلق، وسردية وطنيّة ما تزال تبحث عن لغتها الخاصّة خارج لغة الدولة وخارج ضجيج الفرجة.