الخميس 16 أبريل 2026
"عالم 1975 كان مختلفًا تمامًا عن ذلك الذي شهدناه في الخمسينيات والستينيات. فقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن النظام العالمي المستقر للمستقبل لا يمكن أن يُبنى على القلق المرتبط بالمشاكل الاستراتيجية القديمة التي كانت تهيمن على العلاقات بين الشرق والغرب والشمال والجنوب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ... يجب تعزيز الروابط الودية والتعاون مع أصدقائنا وجيراننا ... لقد تعلمنا من خلال المعاناة كم هو مهم في فترات القلق والاضطرابات الدولية الحفاظ على علاقات وثيقة مع حلفائنا وأصدقائنا، والبحث عن اتفاقات متعددة الأطراف وحلول للمشاكل الحرجة. ... إن الاعتماد المتبادل بين الدول هو عامل حتمي ومتزايد في حياتنا الفردية ... للولايات المتحدة دور قيادي لا مفر منه يجب أن تلعبه في إطار مجتمع الأمم".
كلمة جيمي كارتر التي ألقاها أمام غرفة التجارة الأمريكية في طوكيو، اليابان، 28 مايو 1975
من المفيد أن نجد كتابا يتناول السياسة الخارجية الأمريكية تجاه القرن الأفريقي، ولعل الأمر يكون أكثر فائدة إذا ما تعلق الأمر بأطروحة دكتوراه؛ نظرا لأهمية البحث الأكاديمي من جهة، ونظرا لما تحتمه الدراسات الأكاديمية من موضوعية في الطرح والتصور.
في هذا السياق تأتي أطروحة الدكتوراه التي نوقشت بجامعة بول فاليري مونبليي III، عام 2023، للباحث غريغوار ميترا، بعنوان: "السياسة الخارجية الأمريكية تجاه القرن الأفريقي بين عامي 1977 و1981: دور الفاعلين السياسيين الأمريكيين في سياق أزمة إقليمية وعالمية"، وهي فترة عاصفة اتسمت بتشابك الأزمات الإقليمية مع التوترات العالمية، في ظل الحرب الباردة. تقدم الأطروحة قراءة معمقة لكيفية صياغة الإدارة الأمريكية، بقيادة الرئيس جيمي كارتر لاستراتيجيتها، في هذه المنطقة شديدة التعقيد، حيث تداخلت المصالح الجيوسياسية العالمية مع الصراعات المحلية.
شهد القرن الأفريقي، خلال تلك السنوات، تحولات جوهرية في موازين القوى. فقد أطاحت الثورة الاشتراكية في إثيوبيا بالإمبراطور هيلا سيلاسي، محولة البلاد إلى حليف للاتحاد السوفيتي، وانتقلت الصومال من معسكر السوفيات إلى صفوف الولايات المتحدة، بعد صراعها مع موسكو. وفي الوقت ذاته، حصلت جيبوتي على استقلالها في 27 يوليو/ تموز 1977، لتصبح الدولة الأفريقية الخمسين، ما أثار تساؤلات حول استقرارها، وموقعها الاستراتيجي عند مدخل البحر الأحمر.
تركز الأطروحة على دور الشخصيات السياسية الأمريكية، مثل: الرئيس كارتر ومستشاره للأمن القومي زبيغنيو بريجنسكي، ووزير الخارجية سيروس فانس، في صياغة الاستراتيجية الأمريكية، في ظل ديناميكيات داخلية وخارجية متشابكة. يجمع الباحث بين قراءة تاريخية دقيقة وتحليل لعمليات اتخاذ القرار، موضحًا كيف تأثرت هذه السياسة بصراع مستمر بين المثالية الأخلاقية التي ميَّزت إدارة كارتر، وبين الواقعية السياسية التي فرضتها الظروف الجيوستراتيجية.
تبرز الأطروحة كيف أن القرن الأفريقي، بسبب موقعه الاستراتيجي الحيوي المطل على البحر الأحمر، وقربه من مسارات النقل الدولي والطاقة، أصبح ساحة محورية في التنافس بين الشرق والغرب. فحرب الأوغادين التي اندلعت بين إثيوبيا والصومال بين عامي 1977 و1978، والتوترات الانفصالية في إريتريا، والصراعات العرقية والإقليمية، كلها أحداث أدت إلى تحويل الأزمات المحلية إلى قضايا ذات بعد عالمي. ومع تصاعد النفوذ السوفيتي في إثيوبيا، وبدعم من كوبا، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام تحديات غير مسبوقة.
يوضح الباحث أن سياسة إدارة كارتر تميزت بتوتر بين التزامها بحقوق الإنسان والمبادئ الأخلاقية، وبين ضرورة مواجهة التوسع السوفيتي. وقد ظهر هذا التوتر بوضوح في تعامل الإدارة مع الأنظمة الاستبدادية في المنطقة، ففي الوقت الذي دعا فيه بريجنسكي إلى تبني نهج صارم في مواجهة الاتحاد السوفيتي، كان فانس يدعو إلى اعتماد الحوار والتعاون. عكست هذه الخلافات الداخلية صعوبة الوصول إلى استراتيجية موحدة، ما أدى أحيانًا إلى سياسات متناقضة أو مترددة.
اعتمدت الإدارة الأمريكية على استراتيجية متعددة الأطراف، تشجع على إيجاد حلول محلية للأزمات. لكنها اصطدمت بقيود الواقع الجيوسياسي، وخصوصًا في ظل ضعف القدرات العسكرية الأمريكية في المنطقة نتيجة تبعات حرب فيتنام. وقد ظهر هذا التردد جليًا خلال حرب الأوغادين، حيث اكتفت واشنطن بإدانة التدخل السوفيتي-الكوبي في إثيوبيا دون القدرة اتخاذ خطوات حاسمة حيال الأمر.
يركز الباحث بالموازاة على دور الفاعلين المحليين في تشكيل ديناميات الصراع. فقد استغل قادة مثل: منغستو هايلي ماريام في إثيوبيا وزياد بري في الصومال التنافس بين القوى العظمى لتعزيز مواقفهم الداخلية والإقليمية. أما جيبوتي، ورغم صغر حجمها، فقد لعبت دورًا استراتيجيًا مهمًا بفضل موقعها عند مدخل البحر الأحمر. وقد أبرزت الأطروحة أن استقلال جيبوتي جاء نتيجة لتوازن دقيق بين الضغوط الدولية والرغبات المحلية، لكن مكانتها الجيوسياسية ظلت غير مستغلة بالكامل في التحليل.
ولعل ما يتميز به البحث المذكور هو منهجيته، واعتماده على مصادر أولية وثانوية متنوعة، بما في ذلك أرشيفات أمريكية وفرنسية وإفريقية. هذا التنوع في المصادر أتاح للباحث ـ وهذا واضح في المقدمة ـ تقديم صورة متكاملة عن الديناميات السياسية في تلك الفترة. كما أن تحليله للصراعات الداخلية في إدارة كارتر، وإبرازه للخلافات بين "الحمائم" و"الصقور" يعد ربما من أبرز نقاط القوة في عمل الرجل.
تحاول الباحث تفسير كيف أن السياسة الأمريكية في القرن الأفريقي، رغم وصفها بالتردد وعدم التماسك، كانت نتاج توازن معقد بين القيود الداخلية والخارجية. فقرارات إدارة كارتر لم تكن عشوائية، بل استندت إلى حسابات استراتيجية مدروسة، وإن كانت محدودة. ومع ذلك، فإن غياب رؤية طويلة المدى أدى إلى استمرار التوترات وعدم الاستقرار في المنطقة.
تعد هذه الأطروحة إسهامًا بارزًا في فهم تعقيدات السياسة الدولية خلال فترة الحرب الباردة، مع تسليط الضوء على منطقة غالبًا ما تم تهميشها في الدراسات الأكاديمية، بتقديمها تحليلًا غنيًا بتفاصيل ورؤى عميقة، تجعلها مرجعًا أساسيًا للباحثين والمهتمين بالعلاقات الدولية. ورغم أن بعض الجوانب كان يمكن تحسينها وتطويرها بشكل أكبر، فإنها تظل شهادة حية على التحديات التي واجهتها الولايات المتحدة في محاولة التوازن بين القيم الأخلاقية والمصالح الاستراتيجية في عالم منقسم.
كانت منطقة القرن الأفريقي، بسبب موقعها الاستراتيجي بالقرب من البحر الأحمر وخطوط نقل النفط العالمية، محط اهتمام القوى العظمى. لكن الأهمية الجيوسياسية لهذه المنطقة تضاعفت مع اندلاع الأزمات المحلية، مثل حرب الأوغادين، واستقلال جيبوتي، والنزاعات العرقية في إثيوبيا. ومع تحوّل التوازنات السياسية في هذه الدول، أصبح القرن الأفريقي ساحة تنافس شديدة بين المعسكرين الشرقي والغربي. وقد تناول مترا هذا التنافس من زاوية فريدة، موضحًا أن التحولات في التحالفات الإقليمية لم تكن فقط نتيجة للتأثيرات الدولية، بل كانت أيضًا نابعة من تفاعل القادة المحليين مع القوى العظمى.
على الرغم من التزام الرئيس الأمريكي جيمي كارتر بمبادئ حقوق الإنسان في سياسته الخارجية، فإن تعقيدات الحرب الباردة فرضت على إدارته اتخاذ مواقف براغماتية في التعامل مع الأزمات الأفريقية. تبرز هذه الأطروحة هاته التعقيدات من خلال إظهار التوتر الداخلي الذي عاشته إدارة كارتر بين رؤيتين متباينتين؛ الأولى كان يمثلها مستشار الأمن القومي زبيغنيو بريجنسكي، الذي دعا إلى التصدي بحزم للنموذج السوفيتي، بينما الثانية جسدها وزير الخارجية سايروس فانس، الذي تبنى مقاربة أكثر حذرًا تركز على الحوار والدبلوماسية. وقد انعكست هذه الانقسامات بوضوح على السياسة الأمريكية في المنطقة، حيث بدت أحيانًا مترددة وغير متماسكة في مواجهة التحديات.
وعلى سبيل المثال، عندما انتقلت إثيوبيا، الحليف التقليدي للولايات المتحدة، إلى المعسكر السوفيتي بعد الإطاحة بالإمبراطور هيلا سيلاسي، وجدت واشنطن نفسها في موقف ضعيف. وفي المقابل، تحول الصومال، الذي كان مدعومًا من الاتحاد السوفيتي، إلى شريك للولايات المتحدة بعد انهيار تحالفه مع موسكو. وقد كانت هذه التحولات تجسد ديناميكية التفاعلات الإقليمية في سياق الحرب الباردة، لكنها في الوقت نفسه كشفت عن حدود الاستراتيجية الأمريكية التي كانت تهدف إلى الحفاظ على نفوذها دون التورط المباشر في النزاعات المحلية.
يشير الباحث إلى أن التردد الأمريكي في التدخل العسكري يعود جزئيًا إلى إرث حرب فيتنام، الذي ترك أثرًا عميقًا على صانعي القرار في واشنطن. فقد فضّلت إدارة كارتر التركيز على الوسائل الدبلوماسية والمساعدات الاقتصادية بدلًا من التدخل المباشر. ومع ذلك، دفع تصاعد التدخل السوفيتي-الكوبي في إثيوبيا إلى إعادة تقييم هذا النهج، حيث بدأت واشنطن في تعزيز وجودها العسكري في المناطق المحيطة بالقرن الأفريقي. تزامن ذلك مع أزمات أخرى مثل غزو السوفيات لأفغانستان وأزمة الرهائن في إيران، مما جعل هذه الفترة مرحلة فارقة في السياسة الخارجية الأمريكية.
رغم الجهود المبذولة لتحقيق استقرار المنطقة، ظل الأداء الأمريكي في القرن الأفريقي محط انتقادات. يرى مترا أن السياسات الأمريكية، وإن كانت مدروسة على المستوى الاستراتيجي، إلا أنها عانت من غياب التماسك نتيجة التباينات الداخلية في الإدارة الأمريكية والقيود المؤسسية. لم تمنع هذه السياسات تفاقم النزاعات الإقليمية، بل ربما أسهمت في تعقيدها على المدى البعيد. على سبيل المثال، أدى الدعم الأمريكي للصومال إلى تعزيز الطموحات التوسعية للرئيس سياد بري، مما ساهم في زعزعة استقرار المنطقة.
تتناول الأطروحة أيضًا دور جيبوتي، التي أصبحت دولة مستقلة خلال هذه الفترة، في المعادلة الجيوسياسية. على الرغم من صغر حجمها، كانت جيبوتي تحظى بأهمية استراتيجية كبيرة نظرًا لموقعها المطل على باب المندب. حاولت الولايات المتحدة وفرنسا دعم استقرار الدولة الوليدة، لكن هذه الجهود لم تكن كافية لتخفيف الضغوط الإقليمية عليها. يقدم مترا رؤية نقدية لهذه الجهود، موضحًا كيف تعثرت بسبب غياب التنسيق الدولي والتحديات المحلية.
إن أحد أبرز إسهامات الكتاب هو تسليطه الضوء على كيفية استغلال القادة الإقليميين للتنافس بين القوى العظمى. يبرز هنا دور قادة مثل منغستو هايلي ماريام في إثيوبيا وسياد بري في الصومال، الذين استطاعوا توظيف الحرب الباردة لخدمة أجنداتهم المحلية. هذا البعد المحلي يُظهر أن التفاعلات الدولية لم تكن أحادية الاتجاه، بل كانت متبادلة ومتعددة الأوجه. ومع ذلك، يشير مترا إلى أن هذه الديناميات كانت ذات تأثير مدمر على المدى الطويل، حيث أدت إلى تأجيج الصراعات الداخلية وتعزيز الأنظمة الاستبدادية.
منهجية مترا تجمع بين التحليل الأيديولوجي والمؤسسي والجيوسياسي، مما يضفي عمقًا على الدراسة. استنادًا إلى أرشيفات أمريكية وفرنسية وإفريقية، يقدم الكتاب صورة شاملة لسياسة إدارة كارتر في المنطقة. ومع ذلك، تبقى هناك بعض الجوانب التي كان يمكن توسيعها. على سبيل المثال، يظل التحليل محدودًا فيما يتعلق برؤية الأطراف الأفريقية لهذه السياسة. بالإضافة إلى ذلك، يغيب التركيز على الديناميات السوفيتية أو الكوبية، التي كانت جزءًا أساسيًا من المعادلة.
تقدم هذه الأطروحة تحليلًا عميقًا للأبعاد السياسية والاستراتيجية للسياسة الأمريكية خلال فترة الحرب الباردة. يبرز الكتاب التحديات التي واجهتها الولايات المتحدة في التوفيق بين قيمها الأخلاقية ومصالحها الاستراتيجية، مسلطًا الضوء على دور الفاعلين المحليين والدوليين في تشكيل المشهد السياسي. رغم بعض القصور في التغطية، يظل هذا العمل مرجعًا مهمًا لفهم العلاقات الدولية والسياسة الخارجية الأمريكية في إفريقيا خلال تلك الحقبة.
في الختام، يجدر بقارئ هذه الأطروحة طرح سؤال محوري: "هل تغيرت الاستراتيجية الأمريكية تجاه القرن الإفريقي في الوقت الراهن؟"، الإجابة على هذا السؤال ليست بالأمر اليسير. لكن يمكن القول إنه على مر العقود، شهدت الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة تحولات جوهرية. إذ بعد انتهاء الحرب الباردة، تحول التركيز الأمريكي من الصراع الأيديولوجي إلى التصدي للتهديدات الأمنية المعاصرة مثل: الإرهاب والقرصنة...إلخ من خلال دعم الحكومات المحلية، وتعزيز التعاون مع المنظمات الإقليمية، مثل الاتحاد الإفريقي.
لقد سعت الولايات المتحدة إلى تعزيز الاستقرار في دول مثل: الصومال وإثيوبيا والسودان. ومع ازدياد التنافس الدولي، خصوصًا مع تصاعد النفوذ الصيني، أصبحت السياسة الأمريكية أكثر مرونة، مع التركيز على تحقيق توازن بين الأمن والتنمية. وبالتالي، تتسم الاستراتيجية الأمريكية الحالية في القرن الإفريقي مع الرئيس دونالد ترامب بالتركيز على التحديات الأمنية، مع إعادة تقييم دورها في ظل التغيرات الجيوسياسية والتهديدات المتزايدة.