الخميس 22 يناير 2026
في قلب أفريقيا المتخيلة، حيث تتقاطع الخرائط السياسية مع جراح التاريخ، ظهر كتاب "In the United States of Africa" بوصفها انقلابًا سرديًا جريئًا على منطق العالم المعاصر. ليست الرواية مجرد تمرين تخييلي، بل صدمة فكرية تعيد ترتيب موازين القوة، وتكشف هشاشة المركز حين يُوضَع في موقع الهامش. هنا، تصبح أفريقيا القوة العظمى، بينما تنكمش أوروبا والولايات المتحدة إلى أطراف فقيرة، مثقلة بالهجرة والحروب والاعتماد على “المساعدات الأفريقية". هذا العمل لا يطرح سؤال “ماذا لو؟” ببراءة، بل يستخدم الخيال كأداة تفكيك نقدي، ليعرّي البنية الأخلاقية والسياسية للنظام العالمي، ويحوّل التاريخ الاستعماري إلى مرآة معكوسة تكشف عُري السرديات السائدة.
تقوم رواية "In the United States of Africa" على انقلاب ذهني هادئ في شكله، صادم في مضمونه، إذ تضع القارئ أمام عالم تُعاد فيه صياغة الجغرافيا السياسية دون ضجيج أيديولوجي. أفريقيا هنا ليست الهامش المعتاد، بل مركز عالمي موحد، متقدم، ومستقر، بينما تنزلق أوروبا إلى هوامش الفقر والتفكك والاعتماد. هذا التحويل لا يُقدَّم كحلم انتصاري أو تعويض تاريخي، بل كأداة نقدية صارمة تكشف أن التخلف ليس قدرًا جغرافيًا، بل نتيجة تراكمات طويلة من الهيمنة والاستغلال. وبهذا، تتحول الرواية إلى مرآة تعكس هشاشة التصنيفات التي اعتدنا اعتبارها حقائق ثابتة.
من خلال هذا القلب الجذري للمعادلة، يدفعنا عبد الرحمن وعبري إلى مساءلة مفهوم “التقدم” ذاته، بعيدًا عن الروايات الأخلاقية السائدة. فحين تصبح أفريقيا مانحًا وأوروبا متلقيًا، تتعرى لغة “المساعدات الإنسانية” بوصفها خطابًا سلطويًا مغلفًا بالشفقة، لا تعبيرًا خالصًا عن التضامن. هنا لا تهاجم الرواية الغرب بوصفه آخر تاريخيًا، بل تضع القارئ أمام سؤال أكثر إرباكًا وذاتية: هل التفوق نتاج عبقرية ثقافية فعلًا، أم حصيلة تاريخ طويل من القوة والنهب؟ والأهم، كيف سيتصرف من كان ضحية بالأمس حين يجد نفسه في موقع الهيمنة؟
اللاجئون البيض يعبرون البحر في قوارب متهالكة، يتكدسون في المخيمات، وتُلاحقهم نظرات الشفقة والريبة معًا، في مشاهد مألوفة بقدر ما هي صادمة. هذا التصوير لا ينطوي على انتقام تخييلي، بل على إعادة تمثيل دقيقة لعالم نعرفه جيدًا حين يُنزَع عنه قناعه الأخلاقي. فالمشهد لا يسأل من يعاني، بل كيف تُدار المعاناة، ومن يملك حق تعريفها
في قلب هذا العالم المقلوب، تبرز شخصية مايا بوصفها محورًا نفسيًا وفكريًا عميقًا، تجسّد تجربة اقتلاع الهوية من زاوية معكوسة. الطفلة الأوروبية البيضاء التي تُنقَل بالتبني إلى أسرة أفريقية نافذة تعيش اغترابًا وجوديًا مركبًا، يشبه في بنيته اغتراب المهاجر الأفريقي في أوروبا الواقعية، لكن دون أن يمنح القارئ راحة التعاطف السهل. فالمعاناة هنا لا تُختزل في الألم، بل تتشابك مع الامتياز، لتكشف أن الاغتراب ليس مجرد فقدان للمكان، بل تصدع داخلي ناتج عن اختلال موقع الذات داخل منظومة القوة.
غير أن الرواية، بذكاء سردي لافت، ترفض تقديم مايا كضحية بريئة بالكامل. فهي، رغم تمزقها النفسي، تستفيد من موقعها داخل البنية السلطوية الجديدة، ما يجعل تجربتها مساحة توتر دائم بين المعاناة والامتياز. في هذا السياق، تتحول الهوية من جوهر ثابت إلى بناء سياسي-اجتماعي هش، يتشكل ويتبدل وفق موقع الفرد داخل شبكة السلطة. وبهذا، يكشف النص أن المركز الجديد، مهما تبدلت لغته، يميل إلى إعادة إنتاج آليات الإقصاء ذاتها، مؤكدًا أن المشكلة لا تكمن في لون السلطة، بل في منطقها العميق.
على الرغم من الطابع “الانتصاري” الذي قد يوحي به عالم الولايات المتحدة الأفريقية، لا تنزلق الرواية إلى وهم اليوتوبيا الساذجة التي ترى في تبدل المواقع خلاصًا أخلاقيًا تلقائيًا. فالدولة الأفريقية الموحدة، رغم تقدمها واستقرارها، لا تُقدَّم كجنة سياسية أو نموذج إنساني مكتمل، بل ككيان سلطوي يحمل في داخله بذور التشوه ذاتها التي حملتها الإمبراطوريات السابقة. تظهر البيروقراطية الثقيلة، والنخبوية الصامتة، وأشكال من التمييز المعكوس بوصفها أمراضًا كامنة في جسد السلطة الجديدة، تؤكد أن الحلم، حين يتحول إلى حكم، يصبح عرضة للفساد.
بهذا الطرح، يرفض الكاتب تقديم أفريقيا بوصفها “خلاصًا أخلاقيًا” للعالم، ويمضي بدلًا من ذلك إلى تفكيك الفكرة الأكثر إغراءً وخطورة في آن واحد: أن الضحية، حين تمتلك القوة، ستصبح بالضرورة أكثر عدلًا. الرواية تكشف أن السلطة لا تغيّر طبيعتها بتغيّر حامليها، بل تعيد إنتاج منطقها بأشكال مختلفة. فحيثما وُجدت القوة غير المُساءَلة، تنشأ التراتبية، ويتحوّل التقدم إلى أداة ضبط ناعمة لا تقل فتكًا عن القهر الصريح.
حين تصبح أفريقيا مانحًا وأوروبا متلقيًا، تتعرى لغة “المساعدات الإنسانية” بوصفها خطابًا سلطويًا مغلفًا بالشفقة، لا تعبيرًا خالصًا عن التضامن. هنا لا تهاجم الرواية الغرب بوصفه آخر تاريخيًا، بل تضع القارئ أمام سؤال أكثر إرباكًا وذاتية: هل التفوق نتاج عبقرية ثقافية فعلًا، أم حصيلة تاريخ طويل من القوة والنهب؟
هذا العمق النقدي هو ما يحرر النص من أي نزعة دعائية أو خطاب انتقامي، ويحوّله إلى تأمل فلسفي في جوهر الحكم ذاته، لا في هوية من يحكم. فالسؤال المركزي لا يدور حول من يمتلك السلطة، بل حول الكيفية التي تُمارَس بها، والحدود الأخلاقية التي تُفقد معناها حين تُختزل العدالة في مجرد تبديل المواقع. بهذا، تصبح الرواية نقدًا شاملًا لوهم الخلاص السياسي، وتحذيرًا من تحويل الحلم إلى ذريعة لهيمنة جديدة.
يكتمل هذا العمل عبر لغة سردية هادئة ودقيقة، تخلو من الانفعال المباشر، لكنها مشحونة بالمفارقة والدلالة. يعتمد وعبري السخرية الباردة بدل الخطابة، ويكتفي بتقديم العالم المعكوس في اعتياديته اليومية، تاركًا الواقع نفسه يتكفل بإدانة منطقه. اللغة هنا ليست أداة إقناع، بل أداة كشف، تفكك المفاهيم الكبرى كالتحضر والمساعدات والهجرة وحقوق الإنسان، وتضعها تحت مجهر أخلاقي صارم. إنها لغة تشبه مشرطًا فكريًا، لا يجرح بصوت عالٍ، لكنه يكشف ما كان مخفيًا تحت سطح الحلم.
يقدّم الكاتب أحد أكثر مشاهده إيلامًا وتأثيرًا عبر تصويره للهجرة الأوروبية نحو أفريقيا، في انقلاب رمزي يعرّي بنية الخطاب الإنساني السائد. اللاجئون البيض يعبرون البحر في قوارب متهالكة، يتكدسون في المخيمات، وتُلاحقهم نظرات الشفقة والريبة معًا، في مشاهد مألوفة بقدر ما هي صادمة. هذا التصوير لا ينطوي على انتقام تخييلي، بل على إعادة تمثيل دقيقة لعالم نعرفه جيدًا حين يُنزَع عنه قناعه الأخلاقي. فالمشهد لا يسأل من يعاني، بل كيف تُدار المعاناة، ومن يملك حق تعريفها.
أفريقيا هنا ليست الهامش المعتاد، بل مركز عالمي موحد، متقدم، ومستقر، بينما تنزلق أوروبا إلى هوامش الفقر والتفكك والاعتماد. هذا التحويل لا يُقدَّم كحلم انتصاري أو تعويض تاريخي، بل كأداة نقدية صارمة تكشف أن التخلف ليس قدرًا جغرافيًا، بل نتيجة تراكمات طويلة من الهيمنة والاستغلال.
حين يصبح الأوروبي “لاجئًا”، تنكشف هشاشة مفهوم الكرامة الإنسانية حين يُربَط بالقوة والمكانة السياسية. الرواية تُذكّر بأن الإنسانية لا تُختبَر في لحظة التفوق، بل في لحظة التعامل مع الضعيف دون تحويله إلى موضوع شفقة أو أداة تفوق أخلاقي. الشفقة هنا ليست فعل تعاطف بريء، بل خطاب سلطة ناعم يُعيد إنتاج التراتبية بين المانح والمتلقي. وبهذا، يكشف النص أن الخطاب الإنساني، حين ينفصل عن العدالة، يصبح أحد أشكال الهيمنة الرمزية الأكثر أناقة.
في عمق هذا الطرح، لا يدعونا الكاتب إلى تصديق مستقبل أفريقي متخيل، بقدر ما يدفعنا إلى التفكير النقدي في شروط إمكانه. “الولايات المتحدة الأفريقية” ليست نبوءة سياسية ولا مشروعًا بديلًا جاهزًا، بل أداة صدم فكرية تُرغِم القارئ على إعادة النظر في التاريخ ومساراته المحتملة. السؤال المحوري لا يتمحور حول ما إذا كانت أفريقيا قادرة على الحكم، بل حول ما إذا كانت ستنجو أخلاقيًا من التجربة ذاتها التي سحقتها طويلًا. هنا، يتحول الحلم من وعد إلى امتحان قاسٍ للوعي والذاكرة.
وتصل الرواية في نهايتها إلى خلاصة تتجاوز الجغرافيا والهوية، لتضع الأدب نفسه في موقع المساءلة الأخلاقية، إنها ليست رواية عن أفريقيا وحدها، بل عن العالم كما هو، وعن القيم التي تحكمه حين تتبدل المواقع وتبقى البُنى. إنها تمرين ذهني صارم يجبر القارئ على الاعتراف بأن الظلم لا يرتبط بلون أو ثقافة، بل بمنظومة قوة غير مُساءَلة. وبهذا، ينجح النص في تحويل الخيال إلى محاكمة، والأدب إلى مساحة اختبار أخلاقي، لا تمنح الطمأنينة، بل تفتح أسئلة لا يمكن الهروب منها.