تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 6 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

الولادة الثانية: هل تعترف واشنطن بصوماليلاند؟

4 يونيو, 2025
الصورة
الولادة الثانية: هل تعترف واشنطن بصوماليلاند؟
Share

أعلنت جمهورية صوماليلاند استقلالها من طرف واحد عن جمهورية الصومال الديمقراطية منذ أكثر من ثلاثة عقود، لكنها لم تستطع تحقيق اعتراف دولي بالمراهنة على نجاح تجربتها السياسية والأمنية. فهذه المحفزات الاستثنائية، لم تقنع سوى أطرافا دولية محدودة، تتعاون مع سلطتها لتحقيق مصالحهم، دون أن ترتقى إلى الاعتراف بالاستقلال. لم تفلح الابتسامات المتبادلة خلال الزيارة الأخيرة للرئيس الصوماليلاندي، عبد الرحمن محمد عبد الله "عرو"، مع نظيره الكيني، ويليام روتو، في ترجمة الود بينهما إلى اعتراف دبلوماسي، وإن نجحت في ترقية مكتب الاتصال هناك إلى بعثة دبلوماسية.  

تتعزز مؤشرات كثيرة بأن تحدي الحصول على الاعتراف في بدايته للتفكك، أمام نشاط قادة هرجيسا في واشنطن، يدعمه ارتفاع أصوات من الإدارة الجمهورية تستعجل الاعتراف الدبلوماسي من أجل ضمان مصالحهم بالمنطقة. تأكيدا لهذه التكهنات، صرح الرئيس عرو في مقابلة مع صحيفة الغارديان متفائلا بأن الاعتراف الأمريكي "يلوح في الأفق"، وأن موعده في أقصى تقدير عام 2028. فهل تفعلها إدرة دونالد ترامب، وتغير الثوابت الناظمة للعلاقات الأمريكية-الصومالية على قاعدة "صومال واحد"، في ظل صعود تيار جمهوري يغري صاحب الصفقات بمكاسب هذه الاعتراف؟ 

الاعتراف الدولي المؤجل 

أعلنت جبهة الحركة الوطنية الصومالية من طرف واحد انفصال إقليم صوماليلاند عن الصومال الموحد، في 18 مايو/أيار 1991، بعد اندلاع الحرب الأهلية وسقوط الحكومة المركزية، منهية الوحدة الصومالية بين الشمال والجنوب. فيما تعتبر الحكومة الفيدرالية هذا التحرك الانفرادي انتهاكا للسيادة الصومالية، مراهنة بأن مشروع الوحدة هو المحدد الوحيد للاستقرار بالمنطقة، وأن الانفصال مفتاح لتفكيك البلد. في المقابل راهنت صوماليلاند على استقرار سياسي، قوامه نظام ديمقراطي رئاسي، وأمني باستثناء فترات قصيرة، من أجل تعزيز حراك دبلوماسي نشيط ببرنامج واحد، يتمثل في السعي لضمان الاعتراف باستقلالها.  

كان الرهان في البداية على اعتراف دول الجوار، غير أن المنظمات الإقليمية، في مقدمتها الاتحاد الأفريقي، رفضت طلبها، معتبرة ذلك انتهاكا لمبدأ الحدود الموروثة عن الاستعمار، فعوضته بشراكات متميزة مع دول الجوار مثل: إثيوبيا وكينيا. وتوسعت بحثا عن شراكات دولية تقود إلى الاعتراف، فحققت تعاونا مع دول عديدة (المملكة المتحدة وألمانيا)، ونجحت في إقناع بعضها بافتتاح مكاتب تمثيلية (الاتحاد الأوروبي والإمارات وتركيا) دون الرقي لمستوى الاعتراف الرسمي. 

ظاهريا، يبدو أن الاعتراف الدولي بهرجيسا لم يتزحزح منذ سنوات، لكن علاقات تنسج في الخفاء مع قوى إقليمية ودولية رغم محدوديتها. فهناك مكاتب إدارية واقتصادية ودبلوماسية؛ إقليميا ودوليا، وحتى اعتراف متبادل بين صوماليلاند وتايوان، وإن كان هذا التحرك بمنطق البحث عن الاعتراف الخارجي، واستثمار كل المحددات من أجل ذات الهدف، ما يحولهما إلى ساحة للصراع الأمريكي-الصيني على النفوذ والمكاسب. 

عاد الحديث بقوة لمعركة الاعتراف في أعقاب زيارة وزير الخارجية، عبد الرحمن طاهر آدم، إلى واشنطن في الشهر الماضي، واعتبر بيان وزارة الخارجية بأنها تأتي لتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة، وسعيا للاعتراف الأمريكي بصوماليلاند شريكا موثوقا واستراتيجيا. وأعاد الرئيس "عرو" التأكيد، بعد هذا البيان بأيام، على أن الاعتراف الأمريكي بات وشيكا ومجرد مسألة وقت. يتقاطع ذلك مع تسريبات عن تقديم هرجيسا عرضا لإدارة دونالد ترامب، تضمن إنشاء قاعدة عسكرية بميناء بربرة، فيما أكدت صحيفة فايننشال تايمز استنادا إلى تصريحات مسؤول أمريكي بدء مفاوضات للتصديق على هذه التعهدات. 

راهنت صوماليلاند على استقرار سياسي، قوامه نظام ديمقراطي رئاسي، وأمني باستثناء فترات قصيرة، من أجل تعزيز حراك دبلوماسي نشيط ببرنامج واحد، يتمثل في السعي لضمان الاعتراف باستقلالها 

في سياق متصل، بعث الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، رسالة خاصة إلى الرئيس الأمريكي ترامب في ذات المنحى، تعرض "السيطرة العملياتية الحصرية" على مينائي بربرة وبوصاصو وقواعد جوية "لتعزيز المشاركة الأمريكية في المنطقة" لإفشال مقترحات هرجيسا السابقة. هكذا تجدد النقاش حول أهمية هذا الميناء الرئيسي الذي تمعن صوماليلاند في استثمار موقعه الاستراتيجي ورقة للمساومة وكسب الاعتراف. كما تستحضر مقديشو الاهتمام الدولي به، أمريكيا وصينيا وروسيا، ناهيك عن القوى الإقليمية كأثيوبيا، للظفر بحضور مركزي بالمنطقة للهدف ذاته. 

أعادت هرجيسا ترتيب تحركاتها لاستمالة إدارة ترامب وفق سيناريو التعاون مع جارتها إثيوبيا، إذ قلبت الأوراق بالمنطقة بعد توقيعها مذكرة تفاهم في يناير/كانون الثاني 2024، تكفل لأديس أبابا ميناء بربرة لمدة 50 سنة لأغراض بحرية وتجارية مقابل الاعتراف الدبلوماسي، وإن كان ذلك لم يتحقق، إلا أنه خلخل خريطة التحالفات، وهددت بتفجيرها المنطقة لولا مساهمة جهود الوساطات في تهدئتها.  

يبدو أن الأنظار جميعها موجهة إلى القرارات المرتقبة من واشنطن، وإمكانية اعترافها باستقلال صوماليالاند، إذ سترسم معالم جديدة لتحركاتها هناك، ويمكن أن يقدم دافعا لإعادة ضبط العلاقات الأمريكية الصومالية وفي عموم منطقة القرن الأفريقي. 

المعركة في واشنطن: السياسة والمصالح 

كانت العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة والصومال تاريخية بعد الاستقلال، لكن تغيرت المعادلة بعد الانقلاب العسكري عام 1969، حيث تأكدت الانعطافة إلى الاتحاد السوفياتي، وانتهى خفوت العلاقة بين البلدين بعد بحادثة استهداف المروحية بلاك هوك الأمريكية إلى قطع الاتصالات. وبعد إقرار دستور مؤقت ومؤسسات دستورية، جددت واشنطن علاقاتها بتعيين أول سفير بعد الاعتراف بإدارة شريف. 

تقاطعت ديمومة العلاقات الدبلوماسية مع تعزيز التعاون والتدريب العسكري للجيش الصومالي، لاسيما قوات الداناب الخاصة بمكافحة الإرهاب، وتواصل الضربات الجوية ضد حركة الشباب التي انطلقت بكثافة في عهد أوباما، ولاتزال مستمرة ضد الشباب والقاعدة وداعش. لكن العلاقات واجهتها تحديات بعد وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، إذ كانت الصومال على قائمة الدول المحظور على أفرادها السفر للولايات المتحدة، كما أن سوء الحظ قاد بعض المهاجرين للترحيل لبلدهم. ورغم ذلك، حافظت إدارته على الامتدادات السياسية والاستراتيجية لوجودها بالمنطقة، كما استمرّت ضرباتها ضد معاقل الشباب، وإن كان ترامب قد فاجأ الجميع بدعوته إلى سحب الفريق العسكري من الصومال. 

يبدو أن الأنظار جميعها موجهة إلى القرارات المرتقبة من واشنطن، وإمكانية اعترافها باستقلال صوماليالاند، إذ سترسم معالم جديدة لتحركاتها هناك، ويمكن أن يقدم دافعا لإعادة ضبط العلاقات الأمريكية الصومالية وفي عموم منطقة القرن الأفريقي 

في سياق متصل، ظلت الاتصالات الدبلوماسية مع صوماليلاند متواصلة، تستحضرها واشنطن طبعا لموقعها الاستراتيجي، وإن كانت مقتصرة على تحركات فردية بحثية، قبل أن تتكشف كحركية مؤسساتية بعد استقبال قادة هرجيسا، وتحركات الوفد في واشنطن. بعد عودته حافظ دونالد ترامب على نهج الفجائية دوليا وإقليميا، ما عزز التكهنات بإمكانية الاعتراف، الذي إن حدث فحتما سيصنف كأخطر مثال على انقلاباته السياسية، وفق تقديرات الصوماليين. 

ما يلاحظ أن الرؤية الأمريكية العامة لم تتغير، إذ لا تزال متمسكة بسيادة ووحدة الصومال، وقد جدد تعليق السفير الأمريكي السابق، لاري أندريه، التأكيد عليها بمناسبة حضوره احتفال بالذكرى 62 لاستقلال الصومال، معتبرا أن بلاده تراهن على "سياسة صومال واحد"، وتعترف بالحدود التي أقيمت خلال فترة الاستقلال، غير أن هذه الثوابت السياسية قد لا تصمد أمام التحركات الأمريكية لإعادة ترتيب المشهد الداخلي والعالمي. كما تحظى في الآن ذاته بانتقادات؛ إذ اعتبرها السفير السابق جيه بيترفام "مجرد وهم"، وإصرار من بيروقراطية واشنطن على واقع لم يعد موجودا منذ أكثر من ثلاثة عقود. 

يجسد هذا الانتقاد المتزايد لهذه السياسة وجود تيار داخل المؤسسات الأمريكية، يسعى لتغيير هذه المعادلة، إذ تعززت بالكونغرس دعوات للاعتراف بصوماليلاند، فخلال ولاية بايدن، أرسل مايكل ماكول، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الجمهوري، وكريس سميث، رئيس اللجنة الفرعية المعنية بأفريقيا، رسالة في مارس/آذار 2022، مذيلة بتوقيعات أعضاء أخرين يطالبون بزيادة تعميق التعاون مع صوماليلاند، مع زيارة الرئيس موسى بيهي إلى واشنطن. 

تستند هذه المراجعة على محدودية أداء حكومة الصومالية الفدرالية أمام جسامة التحديات بالمنطقة، وتزايد المؤشرات المحذرة من شبح العودة إلى الوراء، يؤكدها توقف تمويل بعثة الاتحاد الأفريقي وتراجع المساعدات الخارجية، فضلا عن تفاقم الصراعات السياسية الداخلية التي تنعكس على الانتقال السياسي، بعد التعديل الدستوري المثير للجدل، واستفحال الخلافات بين الحكومة المركزية وباقي الولايات الفدرالية، خصوصا جوبالاند وبونتلاند، وبينهما تصاعد هجمات حركة الشباب. بالمقارنة مع الاستقرار السياسي والأمني بصوماليلاند، مع محاولة استثمار التحركات الترامبية من خلال نيته خفض السفارة الصومالية ورهانه على الانفتاح على محاور أخرى. وتجسيدا لذلك، قدم النائب الأمريكي سكوت بيري مشروع قانون رقم 10402 للكونغرس الأمريكي، يدعو للاعتراف بإقليم صوماليلاند دولة مستقلة، بإقرار وجود دبلوماسي في هرجيسا بمبرر حماية المصالح الأمريكية هناك. 

استندت هذه التحركات بالكونغرس على توصية مؤسسة التراث "Heritage Foundation"، في مشروع 2025 الصادرة شهر أبريل/نيسان 2023، إلى الرئيس الأميريكي للاعتراف باستقلال ووحدة صوماليلاند حماية لمصالح واشنطن. يمثل ذلك استمرارا لنهج دافعت عليه المؤسسة منذ سنوات، وأطرته هدفا لتحركاتها، بعد استضافتها لوزير الخارجية موسى بيحي عبدي في مارس/آذار 2022.  

تؤازر ذلك تعليقات مسؤولين أمريكيين سابقين، فقد دعا مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الأفريقية، بيتر بي ناغي على منصة إكس، إلى ضرورة تغيير سياسة ترامب والتوقف عن "استخدام مكبرات الصوت والمحاضرات المنافقة"، مطالبا بتغيير السياسات التقليدية. يدعمها تيار داخل الكونغرس (سكوت بيري وبيتر فام وتيبور ناجي وبروس قيلي وجيم ريش...) رهانه البحث عن ضمان اعتراف أمريكي بالاستقلال. 

إجمالا، فشلت "عملية إعادة الأمل" مسجلة حربا أهلية وقطعا للعلاقات الأمريكية الصومالية، وبعد عقود من القطيعة وسنوات من الترتيبات المتبادلة مع الحكومة الفدرالية، تتأكد عدم قدرة الأمريكيين في فهم طبيعة وتعقيدات الصومال، فهل يعيد الأمريكيون تكرار نفس المخاطرة، وترجمة التكهنات السابقة إلى اعتراف باستقلال صوملاليلاند؟ 

الاعتراف الدولي، فرصة أم لغم؟ 

لايزال الواقع الصومالي عصيا على الانفكاك من مشهدية الصراع الداخلي، الخفي أحيانا والظاهر أحايين كثيرة. لقد بدأت سردية الانفصال تنجح في تثبيت جذورها، فبعد ثلاثة عقود كرست صوماليالاند حكم القطيعة مع الصومال، وإن لم تنجح بعد في إنهاء الأزمة السياسية الداخلية والانفكاك عن الارتباطات الثقافية والقبلية والتاريخية، إلا أنها رسمت نموذجا سياسيا مستقرا. في المقابل، فشلت الحكومة المركزية، رغم الاعتراف الدولي والدعم السياسي والعسكري لمؤسساتها، في تحقيق توافق حول فكرة الوحدة تحث قيادتها، ويعزز ذلك تعاقب الأخطاء في ارتباطها بالولايات الفدرالية. 

يصعب التكهن بمستقبل صوماليلاند إذ لم تستطع تجاوز "عقدة الاعتراف"، فما يبدو فرصة للقادة بهرجيسا لا يعدو أن يتحول لغما، فأغلب المؤشرات تحكم منذ البداية على فشل هذا المسار 

أعلن الرئيس الصومالي استكمالا لإحياء سؤال الحكم الفيدرالي والوحدة الصومالية المتعثرة، في محاولة لبناء نسيج جديد على قاعدة تنامي صوت الوحدة والاستقطابات الحادة، انطلاق ملتقى المشاورات الوطنية لقادة المجتمع السياسي والمدني، المقرر في 15 يونيو/حزيران الجاري بالعاصمة مقديشو، من أجل حوار وطني شامل لبناء الدولة، وتعزيز الوحدة والمصالحة الوطنية، ما قد ينزع فتيل الأزمة السياسية حول مستقبل النظام الفيدرالي، وإن تنامت المخاوف من تعميقه الانقسامات في البلد. 

يصعب التكهن بمستقبل صوماليلاند إذ لم تستطع تجاوز "عقدة الاعتراف"، فما يبدو فرصة للقادة بهرجيسا لا يعدو أن يتحول لغما، فأغلب المؤشرات تحكم منذ البداية على فشل هذا المسار. فالفشل في ترجمة هذه الوعود الأمريكية إلى حقيقة، سيعيد التأكيد على محدودية تحركاتها الممتدة لثلاثة عقود، مما يزكي المخاوف من أن تتحول هذه الحملة المدعومة من واشنطن إلى مجرد حملات العلاقات العامة، وفرصة استثمار أمريكية مجانية للقضية من أجل تحقيق مكاسب جيواستراتيجية، وضمان تعزيز نفوذ بلادهم في ظل صراع دولي محتدم بالمنطقة.  

لكن نجاح الضغط على إدارة ترامب قد يتوج بالنجاح في كسب الاعتراف "ولادة ثانية للجمهورية"، غير أن ذلك قد يتطلب وقتا لاستكمال مسار الاعتراف الدولي، ويشكل إعادة إحياء شعلة البحث عن الاعتراف الدولي محدد الثقة الداخلية والخارجية، لكن هذه الفرصة المرسومة تبدو "كسراب" يرسم في صحرائها أمام تحديات تعرقل مسيرة الانفصال، وقد تفضي لتحويل حدودها إلى حلبة للمواجهة بين القوى الدولية والإقليمية. 

فالظفر بالاعتراف الأمريكي في حالة تحققه، قد لا يعني نجاح جهود هرجيسا في كسب معركة الاعتراف الدولي، كما لا يجسد محدودية تحركات مقديشيو في سعيها لضمان الصومال الموحدة، إنما تعكس خطورة التحركات الأحادية على قاعدة اللعبة الصفرية من الجانبين، وبين مقديشو ومختلف الولايات، تحقيقا لمعادلة المسارين المتوازيين لا يتقاطعان أبدا، ولا ضمانة أن تحقق إدارة سيد الصفقات التقائهما.