تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 21 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
ثقافة

الوحشية المفقودة

23 يونيو, 2025
الصورة
الوحشية المفقودة
Share

في كل مرة أسأل فيها نفسي من أنا، أجد أن السؤال لا يعود إليّ وحدي، بل يتشعب كجذور نخلة قديمة تبحث عن الماء في صحراء منسية. هذا السؤال ليس فرديًا، إنه سؤال أمة. سؤال تراث. سؤال امرأة تبحث في جسدها عن ظل رقصة، وفي صوتها عن ارتعاش جدّة كانت تغني للحياة من فم النار.

في هذا النص، أفتح نافذة على ما ضاع منا، ليس فقط كأفراد، بل كجماعة فقدت وحشيتها الجميلة. تلك الوحشية التي كانت تحمينا، كغريزة الأم، وكفطرة الدفاع، وكقوة متجذرة في الجسد والذاكرة.

التراث الصومالي ليس مجرد حكايات، بل نظاما حيّا وسلطة روحية، طاقة قديمة تحفظ الإنسان من التآكل. وحين ضاعت تلك السلطة، ضاعت معها أشياء كثيرة: توازننا وحضورنا، وصوت المرأة حين كانت تعرف كيف تقتلع عين الخطر دون خوف، لا من أجل الحرب، بل من أجل الحماية.

أتكلم هنا عن التراث وعن الثقافة، عن الجسد وعن الغربة، وعن كيف فقدنا وحشيتنا، حين ابتعدنا كثيرًا عن الجدّات، وعن الرقص وعن الأرض. سأكتب عني وعن نساء التقيتهن، وعن سؤال لا يملّ من طرق الباب: من نحن حقًا؟ وهل يمكن أن نستعيد ما هو فينا، لو عدنا لما كان لنا؟

لم يكن هذا الصباح جيدًا بما فيه الكفاية، ومع ذلك حاولت المضي قدمًا فيه. ليزداد الأمر سوءًا حين سألني صاحب التوكتوك، الذي كاد يوصلني إلى المقهى الذي قررت زيارته، ودون سابق إنذار، أطلق سؤاله ليخترق صدري كرصاصة: "من أين أنت"؟ نظرت له بشزرٍ وغضبٍ، وبحساسية واضحة، وكان ردّي تهكميًا: "من المريخ".

من الغريب جدًا بالنسبة لي، رغم كل السنوات التي قضيتها في بلدي، ورغم أني لا أختلف عنهم في شيء، وأتكلم معهم نفس اللغة، وأحمل نفس اللون الأسمر والجذاب، ما زالت أسئلة مثل: "من أين أنت"؟ تثير فيّ استياءً مرًّا، وما زالوا يطلقون تهكمات تقول: "أنت لست من هنا، أليس كذلك"؟ مما يزيد من غضبي.

أحيانًا كثيرة يكلّمني أحدهم باللغة الإنجليزية، ما يثير حنقي ويشعرني بأني مستبعدة وغير مرحّب بي. تستمر الأسئلة وتنهال علي مثل المطر، وما زال الأمر مزعجًا جدًا ومستفزًا؛ لأني اعتقدت أنه من غير الممكن أن أصبح واحدة منهم، مهما كان شكلي ولهجتي ولوني متشابهًا معهم. ورغم أني أحاول النضوج وتجاهل هذه العقبات، إلا أني لا أقدر على هضم هذه الحقيقة.

أحاول أن أفهم ما الذي يجعلني غاضبة لهذا الحد؟ لماذا يستفزني هذا السؤال؟ ما الذي أعتقد أنا ويثير استيائي في كل مرة ألتقي فيها مع هذه الأسئلة، والتي تجعلني في استعداد تام للمواجهة وإشعال نار الحرب؟ نفس الشعور الذي أحس به حين تتعرض فتاة ما لأذى سيئ، ولا يحرّك المجتمع أي ساكن، أو يدافع البقية عن الرجل الذي تسبب بالضرر.

أفكر: هل أنا كأنثى غير مهمة؟ أن أكون جزءًا من هذا المجتمع؟ هل أنا أقل من أن أكون صومالية، لأشعر بالحماية والأمان والحب والاحتضان؟ كيف من الممكن أن يكون مستحيلًا أن أشعر بأني جزء حقيقي ومرغوب به ومعترف به؟

لكن السؤال الأهم: هل هناك أساسًا فرد صومالي يشعر بأنه جزء من المجتمع، وأنه غير منفصل عن هذا الكيان؟ هل هناك أساسًا كيان صومالي قائم؟ أم أن الأرض اقتُسمت، والعقول سُجنت، والأجساد لم تعد تعرف أي جهة تنتمي إليها؟ حين نكون منفصلين تمامًا من الأصل، من هو المستفيد من هذه التفرقة؟

قبل مدة، حاولت الإجابة على بعض الأسئلة من أجل صديقة تعمل بحثًا يخص الهوية الصومالية والانتماء والوطن. طرحت عليّ سؤالها الأول: "ما الذي يعنيه لك أن تكوني صومالية"؟

وقفت لبرهة متسائلة: لماذا لا يمكنني الإجابة عن هذا السؤال؟ في الواقع شعرت بالتوتر، وأجبتها بسؤال آخر: "لماذا لا أكون صومالية"؟

ردّة الفعل هذه أخبرتني بالكثير. قلت في نفسي: هل لأني أحمل هويات عدة، وكل واحدة منها تتعارض مع ما أعرفه عن الهوية الصومالية، يجعلني ذلك أشعر بأني أقل من أن أكون صومالية، وأقرب من أن أكون أجنبية؟

وبالأساس، ماذا يمكنني فعله لفهم طبيعة الهويات الشائكة، والتي واحدة منها تعني أن أكون جزءًا من البلد الذي أقطنه وأحمل اسمه، وأعرف طعم المياه المالحة في بحره، والذي أعزف فيه كلمات الغزل حين أحب، والذي أحب فيه وأصرخ بلغته من شدة اللذة بكلمات بذيئة تزيد من نشوتي؟

هل أنا كأنثى غير مهمة؟ أن أكون جزءًا من هذا المجتمع؟ هل أنا أقل من أن أكون صومالية، لأشعر بالحماية والأمان والحب والاحتضان؟

الوطن الذي عبرته، وعبر عني، وعرفني على نفسي، وماذا يمكنني أن أكون، ولأي حد يمكنني أن أصل. وحين أقف أمام الجماهير أعرّف عن نفسي باسمه، وأختار اسمه قبل اسمي. الوطن الذي اختارته روحي، رغم كل البلدان المترامية على طول الكرة الأرضية، وبكامل اتساعها، إلى أنه أصبح جزءًا مني، يسكنني وأسكنه.

في نقاشي مع الباحثة الصومالية، كانت تقول بأن الهوية الصومالية لم تعد كما كانت، ومع ذلك، كل جزء من هوياتنا الجديدة يحمل صبغة مختلفة. لكن المعضلة هي في الجوهر الأساسي. وحين نتكلم عن الجوهر الأصلي للهوية الصومالية، فهي تحمل مجموعة قيم وأخلاقيات، صار من الواضح بأنها استُبدلت تحت تأثير أحداث الحرب والهجرة والتفكك.

مما أدى لتواجد جيل كامل جديد، لا يشعر بأنه يملك هذه الأرض أو أنه جزء منها ليحافظ على تراثها ومستقبلها من الزوال والاندثار. وهذا أمر خطير جدًا، أن يشعر الفرد بأنه لا ينتمي لأي مكان؛ فهذا يترك شرخًا عميقًا داخل روحه.

بالنسبة لي، لا أعتقد بأن هذا التلاشي سببه فقط القوى الثقافية الخارجية، أو حتى الضغط الذي يتعرض له الفرد الصومالي في مواجهة الحياة اليومية والواقع الصعب، وإنما المشكلة أيضًا تكمن في التعريفات المختلطة، والتي لا تمتلك أساسات متينة تعود للتراث مباشرة، وتشعر الفرد الشاب بأنه يحاكي واقع الوطن، وأنه جزء منه.

ما أعنيه هنا تحديدًا أن الشارع الصومالي لا يحتفل بالقادمين من الخارج كأنهم أبناء عادوا بعد شوق لحضن الطبيعة التي أنجبتهم أمهاتهم بداخلها وساهمت في تكوينهم. وكما يحدث أيضًا في البلدان الخارجية، حيث يصعب عليهم الاندماج أو إيجاد أنفسهم داخل تلك الثقافات المتنوعة. وحتى الباقون هنا بعد الحرب، والذين لم يذهبوا لمكان آخر، يمتلكون هوية فرعية مختلفة، تم إنتاجها بفعل الخوف وبفعل أساليب النجاة، مما أدى لمحو الذاكرة الجمعية.

هنا يحصل الصراع، حين يأتي المواطن الصومالي من خارج الوطن معتقدًا بأن الذين خرجوا بهدف النجاة بحياتهم حملوا معهم الهوية الوطنية وحافظوا عليها. ويحصل الصدام حين يلتقون بالفرد الصومالي الذي يعتقد بأنه بقي في الوطن، ولم يتأثر بالخارج مطلقًا. يحصل الصدام لأن القادم متأثر أيضًا بعوامل أخرى، والباقون أيضًا لم ينجوا من العتمة المظلّلة، والتي أخذتهم بعيدًا عن تذكّر حقيقتهم، أو ما يمكننا أن نقول عنه بأنه مرتبط بالأساس المتين، والذي يعد اللبنة الأساسية لبناء هوية المجتمع الصومالي.

ما يضعنا أمام سؤال حقيقي: هل نستمر بتغريب بعضنا البعض، أو نتقبل حقيقة بأن هناك ظلالًا تصطبغ بالهوية الصومالية؟ حيث يمكننا أن نقبل ما هو إيجابي وبنّاء، ونتخلى عن أي شيء يساهم في تضخيم الفجوة المتواجدة، والذي يجعل من وحدتنا أمرًا مستحيلًا وبعيدًا؟

نمتلك بذلك المرونة الكافية لفهم جرح كل واحد منا، وما هي الآليات التي تدفعه للتمسك بما يعتقد، ثم نعيد تعريف الهوية من جديد، ونتفق على القبول، لأن فضاء الهوية واسع وغير منحصِر على مكان واحد وضيق، والأصل واحد.

ما أعنيه هنا تحديدًا أن الشارع الصومالي لا يحتفل بالقادمين من الخارج كأنهم أبناء عادوا بعد شوق لحضن الطبيعة التي أنجبتهم أمهاتهم بداخلها وساهمت في تكوينهم

كيف تُخلق الهوية؟ وما هو المكون الأساسي لإنجاب هوية قومية تتشابه مع نوع الدماء التي نحملها، وتحافظ على قدسية الوطن الذي نعيش فوق أرضه؟

التراث الشعبي هو حلقة الوصل الخلّاقة، والتي تحمل بداخلها الثقافة الوطنية التي توارثتها الأجيال. تلك الأجيال التي تقدم لنا سرًّا خفيًا، توارثته، ونمت جذوره، وحافظت على قدسيّته، ليصل لنا في نهاية المطاف مغلّفًا على شكل طقوس يومية.

لأن ما يشكّل الذاكرة هو ما نتعرض له بكثرة، وما نراه في تفاصيلنا اليومية، وبالتالي تصنع الذاكرة درعًا حاميًا وأسلوب حياة، نتعلم بسببه المهارات اللازمة التي تجعل من تجربتنا الإنسانية فريدة ومميزة.

التراث أيضًا فعل سياسي بحت، لأن الأمم وسياساتها قائمة على حماية بعضها البعض. وتقوية الأواصر بين أبناء هذه المجتمعات يحدث من خلال اللغة السرّية والصامتة للتراث، حيث لا تحتاج لصوت شفهي ولا لمخارج حروف تحملها الريح.

تجدها حاضرة وواضحة حتى في الصمت الكامل: في الحركة والملابس والألوان وطريقة شرب الشاي، وعدد ملاعق السكر. وأعمق من ذلك: في نمط الحياة، وطريقة اختيار الشركاء والشهامة والقوة والدفاع عن الكرامة، والحفاظ على الأبناء ليكونوا بخير، والتحول لوحش في كل مرة يحاول أحدهم إيذاء أي جزء منا، والإكرام غير المشروط، وفتح الأبواب للمارة، والكرم الذي لا يعترف بالحدود.

التراث يحمل أسرار الأجداد. تلك الأسرار التي بفضلها تتيسّر الحياة، ويرتقي الإنسان ليجسّد لنفسه ولأبناء جيله تجربة إنسانية أفضل من السابق، ويتعلم معها كل معارفهم السابقة، ويُحترم من خلالها مكوّناته وطبيعته وجغرافيته، التي يستمد منها عروق الأولين من أجداده.

إذا كان التراث رسائل من طبيعة الأولين لطبائعنا الأساسية البشرية، فهو إذًا إرث مقدّس لا بد من التماهي معه ولو بشكل جزئي، لأن الطبيعة البشرية متقلّبة، قابلة للتوجيه، متغيّرة، ومن السهل طمس الذاكرة، واستبدالها بأخرى جديدة.

حين أقرأ أحداث العنف وقتل النساء واغتصابهن، أول ما يتبادر إلى ذهني هو سؤال واحد: لماذا لا تَقتل النساء حين يتعرضن لأذية؟ وهو سؤال عكسي، والغرض منه هو التقصّي: لماذا من الطبيعي جدًا أن نجد وحشية الذكر الدموية متفشية، ومبرّرة ومفهومة؟

هل يعني أن النساء جنس آخر، يشبه الحمل الوديع، ومن المستحيل أن يقوم بالأذية، حتى وإن كان المبرر أن يكون ردًّا على وحشية تقع على عاتقها، أو حتى تمس بقية بنات جنسها؟ هل من الطبيعي أن تكون النساء متفرجات على برك الدماء التي تغرق فتيات الجيل القادم، والتي بدورها تغرق أيضًا - بشكل ما - بداخل هذا الوحل، دون أن يكون هناك وسيلة دفاعية سوى الدموع والرفض؟

رفض لمظاهر الوحشية التي تتضرر منها هي أو مثيلاتها، لكنه لا يوجد رد فعل مضاد، يخرج من داخلها الوحش المقموع، والذي لم يتغذَّ منذ وقت طويل على أي شيء سوى الصمت.

وما أقصده هنا بـ"رد فعل مضاد" ليس الثورة العاطفية وحدها - رغم أن العاطفة هي أساسًا وقود هذا الصوت القوي المقموع - وإنما منهجية تجعل من هذا الصوت واضحًا وقائدًا، يدفع بالباقيات للوثوق بأثر هذا الصوت، لتجد الذئبة طريقة أكثر قوة للخروج والوجود والتحرر والرقص تحت ضوء القمر، والاغتسال معًا في نهر الحرية.

الكرة الأرضية ومنذ عقد من الزمان أصبحت مكانًا مناسبًا للوحشية الذكورية غير المكتملة، والتي يتضرر منها جزء كبير من مجتمع الذكر نفسه. لكنها تهتم بنوع معيّن من الذكور، والذي يصنع القرارات الحالية، بحيث القوانين الموجودة كلها صارت معيارًا واضحًا لما يفضله هو، وما يناسبه، وما يجعل من هذا الوجود ساحته الخاصة، التي يعبّر فيها عن نفسه ويخرج بها أنيابه، ليقول ببساطة: "أستحق أن أعيش كما أريد، وكل وجود آخر تابع لي".

تلك الوحشية العمياء ما يجعل أهل البلد يغمضون أعينهم عن تراثهم الثمين، ويأخذون بأي شيء تمنحه لهم أيادي المتطوعين. لأن من يُشبع الجائع يمتلك سلطة أخذ القرار عنه، وتلك القرارات لن تفكّر أبدًا بأن تكون لصالح طبيعته أبدًا، وإنما تخدم صاحب السلطة وحده.

في المقابل، العاطفة الأنثوية، والتي هي لهيب تلك الوحشية، أضحت شيئًا محرّمًا وقذرًا ووصمة عار تهرب منها النساء. لأنها كانت مقترنة بالضعف والخنوع، وبشكل ما صارت تبتعد أكثر عن طبيعتها الحقيقية، وما هو قريب منها، ويشبهها، وينتمي لها على وجه الخصوص.

نتج عن ذلك تيه جماعي، أدى إلى أن صاحب البلد لا يشعر بوطنيته، وأن مظاهر التراث تكاد تختفي تمامًا، والقادم من الخارج يشعر بأن القيم التي يحملها، والتراث الذي يعرف على أنه صومالي، لم يعد موجودًا، وإنما محفوظ في مكان ما في ذاكرة طفولته

رُدمت العاطفة تحت أطنان من العار والذنب والخجل، ليتبعها أيضًا الرقص، ليكون هو أيضًا فعل "فضيحة" لا يمكن لأي شريفة أو امرأة حرّة وعاقلة أن تتسم به. وبهذه الطريقة أصبحت المرأة محبوسة بداخل جدران: المنزل والمكتب والعمل والواجب والعار والفضيحة.

العاطفة التي فُقدت أخذت معها أيضًا الرقص، والحيوية الجسدية، وقوة الحدس، وشعورها بأنها تملك جسدها، وبإمكانها تحريك العوالم والأكوان بحركتها. لينتهي أيضًا شعورها بالطبيعة، ورغبتها في المشي، والتعامل مع النباتات، والطبيعة، والأنهار، والأشجار، والبحار. وبتلك الطريقة تفقد روحها ورونقها وقدرتها الحقيقية على الإنجاب، ليصبح كل ما تُنجبه غير حي، أو غير متسم بطبيعة كونية قوية، خلاقة، ومشبعة بالحياة والنور والإبداع.

إن طمس الطبيعة الذكورية الأصلية، ومعها الطبيعة الأنثوية، يجعل من السهل جدًا أن نُخفي التراث، ونُفكّك الأمم، ونُضعف قدراتهم الدفينة ومواردهم الثمينة. لأن الفرد ونمط معيشته، وما يعتقده عن نفسه، ما هو إلا نموذج مصغّر من الوعي الجمعي للشعب الذي يعيش معه. وحين يحتفظ الشعب بتراث الفرد، يحافظ الفرد على تراث الشعب، وبهذه الطريقة تُخلق أمة مترابطة تعرف جيدًا نقاط قوتها، وكيف تحمي نقاط ضعفها، وتدافع عن موروثاتها، وما تعتبره قيّمًا ومهمًا لها. وفي المقابل، من المستحيل أن تعرف تلك الأمة ما هو كيانها، وما قيمة إرثها الشخصي، وهي تُحقّر من طبيعة ووحشية أبنائها، وتُضعف الكيانات التي تعيش بداخلها.

لذلك، نتج عن هذا كله تيه جماعي، أدى إلى أن صاحب البلد لا يشعر بوطنيته، وأن مظاهر التراث تكاد تختفي تمامًا، والقادم من الخارج يشعر بأن القيم التي يحملها، والتراث الذي يعرف على أنه صومالي، لم يعد موجودًا، وإنما محفوظ في مكان ما في ذاكرة طفولته، حيث تمت تربيته على هذا الأساس. ولفهم الفجوة الموجودة، صار الطريق الأسهل هو لوم بعضنا البعض، بأن كل واحد منا دفع بالإرث الصومالي نحو الحائط، ولم يعد مكترثًا له.

استوقفتني صديقتي الباحثة، التي عاشت أغلب سنوات حياتها في أمريكا، ولم تعش في الصومال سوى سنة ونصف، وقالت: "بالنسبة لي، القادمون من الخارج هم الحاملون لشرف هذا الإرث، لأنهم هربوا من الوحشية العمياء ليربوا صغارهم في مكان بعيد، ليكون لهم مستقبل يُمجّد تاريخهم، ويراعي البذرة السليمة في داخلهم". ما جعلني أفكّر بالفرق الطفيف بين الشخص الذي يعتبر أنه عاش قسوة كل تلك الأحداث التي كانت تتوالى على أهل البلد بعد الحروب العصيبة، وبين الشخص الذي عاش بعيدًا، لكنه – على الأقل – حافظ على مجتمع صغير داخل تلك المجتمعات الغربية أو الشرقية، وكانت لديه قدرة على استحداث مجتمع جديد، يتسم بسمات الوطنية، ويفهم نظام الجماعة، وأهمية التواجد مع قطيعك الخاص.

القاسم المشترك بين كل الأطراف، والذي يُسهّل من عملية البناء والترابط، هو فهم أهمية الحرية الفردية، وكيف أنك، بإعطاء الفرد مساحة لينمو فيها، تجعله مستعدًا لتحمل الأمانة، وفهم أبعاد قضيته الخاصة، ومن الممكن له أن يدافع عن نفسه، ويُخرج أنيابه الحادة إن دعت الحاجة لذلك. هذا الفرد، الذي لا يُقصي جزءًا من مجتمعه ليتحكم به ويستفيد من ضعفه، يفهم أهمية إعطاء كل أجزاء المجتمع مساحتها الخاصة، ويفهم كيف كان من الممكن للأجداد أن يحضروا في واقعنا من خلال إحياء تعاليمهم، وفهم نوع الطبيعة التي تحيط بأرضنا، وبنفسياتنا، وبشريتنا، وذكورتنا، وأنوثتنا غير المستحدثة. وكيف أننا، من غير الاختلاف، لن نتمكن أبدًا من بناء واقع يُحافظ على كرامة جميع أفرادنا، ويحمي حقوقهم الخاصة، ويفهم نفسياتهم، وتحدياتهم، والتغيرات التي تعرضوا لها بطريقة ما.

المزيد من الكاتب