تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الاثنين 7 سبتمبر 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

الوباء والسيادة: كيف أعادت إيبولا تشكيل السلطة في شرق الكونغو؟

29 يوليو, 2026
الصورة
الوباء والسيادة: كيف أعادت إيبولا تشكيل السلطة في شرق الكونغو؟ حسان الناصر يدخل الوباء إلى المجتمعات بوصفه حدثا يعيد ترتيب المجال الذي يتحرك داخله السكان والمؤسسات والسلطات. تتحول العدوى خلال لحظات التفشي الكبرى إلى اختبار لقدرة الفاعلين على إدارة الحركة، وضبط الحدود، فتغدو الاستجابة الصحية جزءًا من تاريخ السلطة أكثر من ارتباطها بتاريخ الطب وحده. عند هذه النقطة تكتسب الأمراض الوبائية وظيفة تتجاوز بعدها البيولوجي، إذ تكشف الكيفية التي تتوزع بها السيادة داخل المجتمع، وتوضح من يملك القدرة على إدارة الحياة اليو
Share

يدخل الوباء إلى المجتمعات بوصفه حدثا يعيد ترتيب المجال الذي يتحرك داخله السكان والمؤسسات والسلطات. تتحول العدوى خلال لحظات التفشي الكبرى إلى اختبار لقدرة الفاعلين على إدارة الحركة، وضبط الحدود، فتغدو الاستجابة الصحية جزءًا من تاريخ السلطة أكثر من ارتباطها بتاريخ الطب وحده.

عند هذه النقطة تكتسب الأمراض الوبائية وظيفة تتجاوز بعدها البيولوجي، إذ تكشف الكيفية التي تتوزع بها السيادة داخل المجتمع، وتوضح من يملك القدرة على إدارة الحياة اليومية، ومن يمتلك شرعية اتخاذ القرار في أوقات الأزمات.

تمثل جمهورية الكونغو الديمقراطية إحدى أكثر البيئات ملاءمة لقراءة هذا التقاطع بين الصحة والسيادة. فشرق البلاد يحتضن تاريخا طويلا من الحروب، وتداخل الحدود مع رواندا وأوغندا وبوروندي، وهو تاريخ أنتج فضاء سياسيا تتشارك داخله الدولة والجماعات المسلحة والإدارات العرفية والمنظمات الدولية وظائف الحكم وإدارة السكان.

جاءت موجات إيبولا المتكررة داخل هذا المجال المركب، فتحولت الاستجابة الصحية إلى عملية تتداخل شفيها المعرفة الطبية مع الترتيبات الأمنية، والإدارة المحلية، والعلاقات الإقليمية، واقتصاد الحرب.

تنطلق هذه المقالة من فكرة ترى أن إيبولا يمثل مدخلا لقراءة التحولات التي أصابت مفهوم السيادة في شرق الكونغو خلال العقود الأخيرة. يتحرك الوباء داخل شبكة من المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، ويكشف الطريقة التي تتوزع بها السلطة على الأرض، كما يوضح كيف تكتسب الجماعات المسلحة والمنظمات الدولية والإدارات المحلية أدوارًا ترتبط بإدارة السكان والإشراف على الخدمات الصحية. ويفتح هذا المسار بابًا لفهم العلاقة بين المجال الحيوي الذي ينتجه المرض والمجال السياسي الذي تعيد السلطة تشكيله استجابةً له.

الدولة داخل اقتصاد الاستخراج والعنف

يُنظر إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية من زاوية الخرائط السياسية التقليدية، على أنها دولة تمتلك حدودا واضحة، وحكومة معترفا بها دوليا. هذا الوصف القانوني يخفي تاريخا أكثر تعقيدا، فالسلطة داخل الكونغو تشكلت منذ نهاية القرن التاسع عشر وفق منطق يختلف عن النموذج الكلاسيكي للدولة الحديثة.

ارتبط وجود الدولة منذ البداية بإدارة الموارد الطبيعية أكثر من ارتباطه ببناء المجتمع السياسي، وأصبح استخراج المطاط ثم النحاس والكوبالت والذهب والقصدير العمود الفقري للعلاقة بين السلطة والإقليم. وقد وصف عدد من الباحثين، من بينهم كروفورد يونغ الدولة الكونغولية بأنها دولة تشكلت داخل اقتصاد الاستخراج، حيث سبقت شبكات الاستغلال الاقتصادي بناء المؤسسات السياسية، فأصبح الإقليم مجالا للإنتاج أكثر من كونه فضاء للمواطنة، وهي البنية التي استمرت آثارها حتى العقود الأخيرة.

في ظل الإدارة الاستعمارية البلجيكية تحول الإقليم إلى شبكة واسعة من المناطق الإدارية التي ارتبطت بالمناجم والطرق النهرية ومراكز التصدير. قامت الإدارة الاستعمارية على توزيع السلطة بين الموظفين الأوروبيين وبعض الزعامات المحلية، مع استخدام القوة العسكرية لضمان استمرار تدفق الموارد نحو الخارج. هذا النموذج رسخ علاقة خاصة بين السلطة والمكان؛ المناطق التي تضم ثروات معدنية أو زراعية حصلت على حضور إداري وعسكري كثيف، بينما بقيت مساحات واسعة من الشرق والغابات الاستوائية خارج الاستثمار المؤسسي المباشر، الأمر الذي سمح ببقاء أنماط متعددة من السلطة المحلية والعرفية إلى جانب السلطة الاستعمارية الرسمية.

الوبائية بخرائط النفوذ السياسي، وتتخذ الصحة العامة موقعا مركزيا في إنتاج النظام الاجتماعي وإعادة تشكيل المجال السياسي

عام 1960 مع استقلال الكونغو الديمقراطية دخلت الدولة مرحلة جديدة حملت معها آمالا واسعة ببناء مؤسسات وطنية، غير أن الإرث الاستعماري ترك فراغا مؤسسيا كبيرا، لأن الإدارة البلجيكية صممت جهازا يخدم عملية الاستخراج الاقتصادي أكثر من بناء جهاز وطني قادر على إدارة بلد يمتد على أكثر من مليونين وثلاثمائة ألف كيلومتر مربع.

وصل موبوتو سيسي سيكو إلى السلطة عام 1965، وحاول إعادة بناء الدولة عبر مشروع مركزي يقوم على شخصنة السلطة وربط الجيش والإدارة بشبكات الولاء السياسي. نجح هذا النموذج في فرض درجة من الاستقرار خلال سنوات طويلة، غير أن ذلك الاستقرار اعتمد بصورة كبيرة على تدفق المساعدات الخارجية والدعم الغربي المرتبط بسياقات الحرب الباردة.

في نهاية الثمانينيات تراجعت الموارد المالية، وضعفت مؤسسات الدولة، وبدأت شبكات السلطة المحلية تستعيد نفوذها داخل الأقاليم البعيدة عن العاصمة كينشاسا، خصوصا في الشرق، حيث تمتزج الحدود مع رواندا وأوغندا وبوروندي بمجتمعات عابرة للحدود القومية.

مثلت نهاية حكم موبوتو نقطة تحول مركزية لفهم شرق الكونغو المعاصر، فقد أدى سقوط النظام عام 1997 إلى انهيار التوازنات القديمة، ودخلت البلاد سلسلة من الحروب التي شاركت فيها جيوش دول مجاورة، إضافة إلى عشرات الحركات المسلحة المحلية.

وصفت هذه المرحلة في الأدبيات السياسية بأنها "الحرب العالمية الأفريقية"، نتيجة تشابك المصالح العسكرية والاقتصادية والإقليمية داخل الأراضي الكونغولية، وهو توصيف استخدمه عدد من الباحثين، وفي مقدمتهم جيرارد برونييه في دراسته حول الحرب الكونغولية.

منذ تلك المرحلة أصبحت السيطرة على الأرض مرتبطة بالقدرة على إدارة المناجم وطرق التجارة والسكان المحليين، الأمر الذي أدى إلى ظهور مراكز قوة عديدة تمتلك وظائف تشبه وظائف الدولة في مجالات الأمن والضرائب والقضاء والإدارة.

ثروات في الشرق الكونغولي

يكتسب شرق الكونغو أهمية استثنائية، فإقليما شمال كيفو وجنوب كيفو، إضافة إلى إيتوري، يمثلان واحدة من أكثر المناطق ثراء بالذهب والكولتان والقصدير والتنغستن، وهي معادن تدخل في الصناعات الإلكترونية العالمية. هذا الثراء الاقتصادي تزامن مع هشاشة مؤسسات الدولة، فظهرت جماعات مسلحة متعددة تولت إدارة المناجم. تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن عددا من هذه الجماعات طور أنظمة مالية وإدارية مستقلة، مع وجود شبكات معقدة تربطها بأسواق المعادن الإقليمية والدولية، الأمر الذي أدى إلى نشوء اقتصاد حرب متكامل يعتمد على استمرار حالة الصراع .

بدأت الحدود الفاصلة بين الدولة والفاعل المسلح تفقد وضوحها، فالمواطن الذي يعيش في إحدى قرى شمال كيفو قد يحصل على الحماية الأمنية من جماعة مسلحة، ويدفع الضرائب لها، ويطلب الإذن منها للانتقال بين القرى، بينما يحتفظ في الوقت نفسه بجنسيته الكونغولية ووثائقه الرسمية الصادرة من الحكومة المركزية.

التداخل بين السيادتين الرسمية والمحلية خلق نموذجا خاصا للحكم، حيث تتوزع السلطة بين جهات متعددة تمارس وظائف الدولة بدرجات متفاوتة، وهو ما يفسر قدرة الحركات المسلحة على الاستمرار سنوات طويلة دون الحاجة إلى السيطرة على العاصمة أو إسقاط الحكومة المركزية.

في محاضراته حول "الأمن، الإقليم، السكان" يوضح فوكو أن السلطة الحديثة تعمل من خلال إدارة السكان، وتنظيم الحركة، والإحصاء، والرقابة الصحية، وإدارة المخاطر. يساعد استحضار فوكو على فهم الحالة الكونغولية، لأن الجماعات المسلحة طورت مع مرور الزمن أدوات لإدارة المجتمعات المحلية، تشمل تحصيل الضرائب، وتنظيم الأسواق، ثم لاحقا المشاركة في الاستجابة للأوبئة، وهو تطور منحها شكلا من أشكال الشرعية المحلية التي تتجاوز السيطرة العسكرية التقليدية.

التداخل بين السيادتين الرسمية والمحلية خلق نموذجا خاصا للحكم، حيث تتوزع السلطة بين جهات متعددة تمارس وظائف الدولة بدرجات متفاوتة

يتقاطع هذا التحليل مع مفهوم "السياسة الحيوية"، حيث حياة السكان تتحول نفسها إلى موضوع للإدارة السياسية. في شرق الكونغو اكتسب هذا المفهوم بعدا إضافيا مع تكرار تفشي إيبولا منذ سبعينيات القرن الماضي، لأن الوباء أدخل المؤسسات الصحية الدولية إلى قلب المناطق التي تعجز الدولة عن الوصول إليها، فتحولت الاستجابة الصحية تدريجياً إلى جزء من المشهد السياسي المحلي.

جغرافيا خارج السلطة

يمتد شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية من مقاطعة إيتوري شمالا حتى جنوب كيفو على الحدود مع بوروندي، ويضم واحدة من أكثر البيئات الطبيعية تعقيداً في القارة الإفريقية. الغابات الاستوائية الكثيفة والجبال البركانية والبحيرات الكبرى والحدود الطويلة مع رواندا وأوغندا تمنح المنطقة طابعاً جغرافياً يجعل السيطرة العسكرية عملية مستمرة أكثر من كونها حدثاً نهائياً.

خريطة توضح أقاليم الكونغو الديمقراطية
خريطة توضح أقاليم الكونغو الديمقراطية

تؤكد الدراسات الجغرافية الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن هذه الطبيعة سمحت بتشكل ممرات اقتصادية وأمنية ظلت تتحرك خارج سيطرة العاصمة كينشاسا لعقود طويلة، الأمر الذي جعل الحدود الدولية نفسها فضاء للحركة والتبادل أكثر من كونها خطوطا فاصلة بين الدول.

ظهرت داخل هذه البيئة عشرات الجماعات المسلحة التي حملت أهدافا متباينة، بعضها تأسس انطلاقا من اعتبارات إثنية، وبعضها نشأ لحماية المجتمعات المحلية، وبعضها ارتبط مباشرة بالسيطرة على الموارد المعدنية. ومع مرور الوقت أصبحت الفوارق بين هذه الدوافع أقل وضوحا، لأن الاقتصاد الحربي أعاد تشكيل أولويات الجميع.

تمثل حركة 23 مارس "تحالف نهر الكونغو" النموذج الأبرز لهذا التحول خلال السنوات الأخيرة. فمنذ عودتها إلى العمل العسكري توسعت سيطرتها على أجزاء واسعة من شمال كيفو، مع بسط نفوذها على مدن استراتيجية مثل: غوما وعدد من المعابر الحدودية والطرق التجارية.

أشارت تقارير إعلامية إلى أن الحركة أنشأت هياكل إدارية تتولى إدارة البلديات، وتنظيم الأسواق، وجباية الرسوم، والإشراف على المؤسسات الخدمية، وهو ما منحها حضورا يتجاوز الوظيفة العسكرية التقليدية. وترافق ذلك مع إنشاء أجهزة أمنية ومحاكم محلية ولجان مدنية، تتولى متابعة شؤون السكان اليومية، في صورة تقترب من وظائف الحكومات المحلية.

يتحول الوباء إلى مرآة دقيقة لفهم مفهوم السيادة في المجتمعات التي تعيش نزاعات ممتدة، حيث تمتزج المعرفة الطبية بالإدارة الأمنية، وتمتزج الخرائط الوبائية بخرائط النفوذ السياسي، وتتخذ الصحة العامة موقعاً مركزياً في إنتاج النظام الاجتماعي وإعادة تشكيل المجال السياسي

يعيد هذا النموذج إلى الأذهان ما طرحه الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبن حول العلاقة بين السيادة وحالة الاستثناء. ففي كتابه "Homo Sacer"يوضح أغامبن أن السلطة السيادية تتجلى بصورة خاصة عندما تمتلك القدرة على تعليق القواعد العادية وإدارة الحياة اليومية وفق منطق الضرورة.

في شرق الكونغو تتحول الحرب الممتدة إلى حالة استثنائية دائمة، تنتج فضاء سياسيا جديدا تمارس فيه الجماعات المسلحة سلطات التشريع والتنفيذ والإدارة داخل المناطق التي تسيطر عليها. فالقوانين اليومية تصدر وفق مقتضيات الأمن، والتنقل يخضع للتصاريح، والأسواق تعمل وفق قواعد تحددها القوة المسيطرة على الأرض، لتصبح حالة الطوارئ جزءاً من النظام السياسي اليومي.

يبرز مفهوم "الحكم الهجين" الذي طوره عدد من علماء الأنثروبولوجيا السياسية، ومن بينهم كريستيان لوند، حيث تتوزع وظائف الدولة بين مؤسسات رسمية وأخرى غير رسمية داخل الإقليم نفسه. فالسلطة القضائية قد تمارسها المحاكم العرفية، والأمن تتولاه الجماعات المسلحة، والتعليم تديره الكنائس، والرعاية الصحية تقدمها المنظمات الدولية، بينما تستمر الحكومة المركزية في إصدار الوثائق الرسمية وتمثيل الدولة خارجياً.

تزداد أهمية هذا التحليل عند دراسة العلاقة بين السلطة والموارد الصحية. فمع تكرار أوبئة إيبولا في شرق الكونغو دخلت المنظمات الطبية الدولية إلى مناطق بقيت سنوات طويلة خارج الإدارة الحكومية المباشرة. وقد أصبحت مراكز العلاج، وفرق الترصد الوبائي، وحملات التطعيم، ومختبرات التشخيص، جزءاً من الحياة اليومية داخل القرى والمدن الواقعة تحت سيطرة جماعات مسلحة.

تكشف تقارير منظمة الصحة العالمية ومنظمة أطباء بلا حدود أن الوصول إلى المجتمعات المتضررة من إيبولا اعتمد في كثير من الأحيان على ترتيبات أمنية وإدارية مع السلطات الفعلية الموجودة على الأرض، سواء كانت سلطات حكومية أو جماعات مسلحة أو زعامات تقليدية.

من هنا تظهر أهمية أفكار أشيل مبمبي حول "سياسات الموت" التي تشير إلى أن السلطة الحديثة تتجسد أيضا في القدرة على تحديد الظروف التي يعيش فيها السكان، والظروف التي يصبح فيها الموت جزءا من النظام السياسي. في شرق الكونغو يتقاطع العنف المسلح مع الوباء في فضاء واحد، فتتحول إدارة المرض إلى جزء من إدارة الحياة والموت معاً.

هذه البنية المركبة تمهد لفهم التحولات التي صاحبت انتشار إيبولا خلال العقدين الأخيرين. فالوباء وصل إلى منطقة تتوزع فيها السلطة بين فاعلين متعددين، يحمل كل منهم تصوراً مختلفاً للشرعية ولإدارة السكان.

الوباء بوصفه حدثا سياسيا واجتماعيا

تكشف أزمات إيبولا المتعاقبة في جمهورية الكونغو الديمقراطية أن الوباء يتحرك داخل بنية اجتماعية وسياسية معقدة أكثر مما يتحرك داخل فضاء بيولوجي صرف. فمنذ تسجيل أولى حالات المرض في يامبوكو عام 1976، ارتبط ظهور الفيروس بالمناطق الطرفية التي تتداخل فيها الغابات الكثيفة مع ضعف البنية الصحية وحركة السكان عبر الحدود، ثم اكتسب بعداً جديداً مع تصاعد النزاعات المسلحة في إقليمي شمال كيفو وإيتوري خلال العقدين الأخيرين.

تاريخ الأوبئة في الكونغو يوضح أيضا أن انتقال العدوى يتأثر بدرجة اندماج المجتمعات المحلية في شبكات السلطة. فالمناطق التي تخضع لإدارة مستقرة تمتلك قدرة أكبر على تنفيذ برامج التقصي الوبائي والتطعيم وتتبع المخالطين، في حين تشهد المناطق التي تتعدد فيها مراكز النفوذ تأخراً في اكتشاف الحالات وارتفاعاً في معدلات الانتشار.

خلال تفشي إيبولا بين عامي 2018 و2020، واجهت فرق الاستجابة عشرات الهجمات المسلحة، الأمر الذي أدى إلى تعليق حملات التطعيم في بعض الفترات وتأخير عمليات العزل، وهو ما وصفته منظمة الصحة العالمية بأنه أحد أكبر التحديات التي واجهت الاستجابة الصحية في تاريخ المرض.

خريطة انتشار إيبولا في شرق الكونغو
خريطة انتشار إيبولا في شرق الكونغو

ينطلق فوكو في تحليله للسلطة الحيوية من فكرة أن الدولة الحديثة تمارس سلطتها عبر إدارة الحياة نفسها، حيث يصبح السكان موضوعاً للمراقبة والإحصاء والتصنيف والتدخل الوقائي. يجد هذا التصور تطبيقاً واضحاً في تجربة إيبولا داخل الكونغو، إذ تتحول الخرائط الوبائية إلى خرائط سياسية في الوقت ذاته، ويتحول الإحصاء الطبي إلى أداة لفهم المجال الاجتماعي وإعادة تنظيمه.

يتوسع جورجيو أغامبين في هذا النقاش عندما يتناول مفهوم "حالة الاستثناء" بوصفها لحظة تعيد فيها السلطة تنظيم المجال العام استنادا إلى الضرورة. في أزمات إيبولا يظهر هذا المنطق عبر إنشاء مناطق عزل، وفرض قيود على الحركة، وإقامة نقاط تفتيش صحية، وتنظيم الدخول والخروج من المدن والقرى، وإخضاع السكان لإجراءات الفحص والمتابعة اليومية.

تتحول هذه التدابير إلى ممارسات سيادية لأنها تحدد من يملك حق الحركة، ومن يخضع للمراقبة، ومن يدخل المجال الصحي أو يخرج منه. في شرق الكونغو اكتسبت هذه الإجراءات بعداً إضافياً نتيجة وجود سلطات متعددة داخل الإقليم، فأصبحت إجراءات الصحة العامة جزءاً من المنافسة على إدارة المجال، وأصبح نجاح الاستجابة الصحية دليلاً عملياً على قدرة الجهة المسيطرة على ممارسة وظائف الحكم.

تعكس أزمة إيبولا أيضاً العلاقة العميقة بين الثقة الاجتماعية والاستجابة الصحية. فقد واجهت الحملات الطبية في كثير من المناطق مستويات مرتفعة من الشك نتيجة الإرث الطويل للعنف والصراعات المسلحة والتدخلات الخارجية.

التداخل بين السيادتين الرسمية والمحلية خلق نموذجا خاصا للحكم، حيث تتوزع السلطة بين جهات متعددة تمارس وظائف الدولة بدرجات متفاوتة

سكان القرى الذين عاشوا سنوات من القتال والنزوح ينظرون إلى أي قوة وافدة من خلال خبراتهم السابقة مع الحرب، لذلك يصبح قبول فرق الاستجابة مرهوناً بوجود وسطاء محليين يتمتعون بشرعية اجتماعية.

تضيف الأزمات الأخيرة بعداً جديداً لهذا التحليل مع دخول الفاعلين المسلحين إلى مجال الاستجابة الصحية. ففي المناطق التي خضعت لسيطرة تحالف AFC/M23 خلال عام 2026، ظهرت محاولات لإدارة مكافحة إيبولا عبر هياكل صحية تعمل داخل مناطق السيطرة، مع تنسيق مباشر مع بعض المنظمات الدولية ودعم لوجستي من رواندا وفق ما أوردته وكالة رويترز استناداً إلى وثائق رسمية وشهادات فرق الاستجابة. هذا التطور يكشف انتقال الاستجابة الصحية من كونها نشاطاً إنسانياً إلى كونها وسيلة لإظهار القدرة على الحكم وإدارة السكان.

تتداخل أزمة إيبولا مع الاقتصاد السياسي للحرب بصورة وثيقة، لأن النزاع المسلح يعيد تشكيل أنماط الحركة والعمل والتجارة. المناجم غير النظامية، وأسواق الذهب، وشبكات النقل عبر الغابات، وحركة النازحين، تخلق فضاءات اجتماعية تتسارع فيها احتمالات انتقال العدوى.

تعتمد الجماعات المسلحة على هذه الشبكات الاقتصادية في تمويل عملياتها، فتتشكل علاقة معقدة بين استمرار النشاط الاقتصادي واستمرار المخاطر الوبائية. لهذا السبب يصبح ضبط الحركة السكانية هدفاً صحياً وأمنياً في آن واحد، وتتحول إجراءات الفحص والمراقبة إلى أدوات لتنظيم المجال الاقتصادي والاجتماعي، وهو ما يعزز فكرة أن إدارة الوباء تشارك بصورة مباشرة في إعادة إنتاج أنماط السيطرة داخل الإقليم.

تظهر تجربة الكونغو أن إيبولا يمثل أكثر من أزمة صحية. الوباء يكشف طبيعة السلطة القائمة، ويعيد توزيع العلاقات بين الدولة والمجتمع والجماعات المسلحة والمنظمات الدولية. كل مرحلة من مراحل الاستجابة، بدءا من اكتشاف الحالة الأولى مرورا بالتطعيم والعزل، وانتهاء بإعلان السيطرة على التفشي، تعكس بنية الحكم الموجودة في المنطقة. لهذا السبب يتحول الوباء إلى مرآة دقيقة لفهم مفهوم السيادة في المجتمعات التي تعيش نزاعات ممتدة، حيث تمتزج المعرفة الطبية بالإدارة الأمنية، وتمتزج الخرائط الوبائية بخرائط النفوذ السياسي، وتتخذ الصحة العامة موقعاً مركزياً في إنتاج النظام الاجتماعي وإعادة تشكيل المجال السياسي.