تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الاثنين 12 يناير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

الواقع السياسي الجديد في الصومال بعد الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند

29 ديسمبر, 2025
الصورة
الواقع السياسي الجديد في الصومال بعد الاعتراف الإسرائيلي بصوماليالاند
Share

دخلت الصومال مرحلة سياسية حساسة بعد إعلان إسرائيل الاعتراف بصوماليالاند، وهي خطوة لم تأتِ من فراغ سياسي، بل جاءت نتيجة تراكمات طويلة على المستوى المحلي والإقليمي والدولي. وعلى الرغم من أن الاعتراف يمثل انتهاكاً واضحاً لوحدة الأراضي الصومالية، فإن التعامل معه يحتاج إلى قراءة هادئة وواعية للظروف التي جعلت صوماليلاند تقدِم على الذهاب في هذا المسار، وللخيارات الواقعية المتاحة أمام الصومال والدول العربية والأفريقية في هذه اللحظة. ولا سيما أن صوماليلاند أعلن استقلاله منذ عام 1991. هنا يبرز الاحتواء السياسي كإطار عملي لفهم الوضع الجديد، وإدارته بعيداً عن ردود الفعل العاطفية أو المقاربات العقابية التي لا تنتج استقراراً، ولا تحفظ الوحدة.

لم تكن الخطوة التي أقدمت عليها صوماليلاند حدثاً مفاجئاً، لمن يتابع مسار تطوّرها السياسي والإداري والقانوني التاريخي. فمنذ أكثر من ثلاثة عقود، يبني الإقليم مؤسساته، ويبحث عن اعتراف دولي لم يتحقق. شعر في السنوات الأخيرة بتجاهل الدول العربية والأفريقية لها، وتراجع اهتمام الحكومة الصومالية بملفها، ما جعل الفراغ السياسي والدبلوماسي يتّسع حوله. هذا التجاهل، سواء كان مقصوداً أو ناتجاً عن انشغال مقديشو بالتحديات الأمنية والاقتصادية والمعيشية، فتح الباب أمام أطراف دولية للعب دور مباشر في ملء هذا الفراغ، وفي مقدمتها إسرائيل التي رأت في صوماليلاند نقطة دخول جديدة إلى منطقة البحر الأحمر، وممراته الحساسة على طرق التجارة العالمية.

الدعم الذي لا يتجاوز الإطار الخطابي لا يبني ولاءً سياسياً، ولا يعزز وحدة وطنية. وإذا أرادت الدول العربية حماية وحدة الصومال، فلا بد من انتقالها من مرحلة «الاستنكار» إلى مرحلة «الاستثمار»، ومن مرحلة «التنديد» إلى مرحلة «التنمية المشتركة»

لا يمكن تحميل صوماليلاند المسؤولية وحدها؛ إذ تتحمل الحكومة الصومالية نفسها جزءاً كبيراً من المسؤولية عن الوصول إلى هذه اللحظة. فسنوات من الإهمال السياسي، وضعف التواصل الدبلوماسي، وغياب البرامج التنموية المتوازنة بين المقاطعات، ساهمت في تعزيز شعور الانفصال والبحث عن بدائل خارجية. كما أن الدولة المركزية في المقابل لم تُقدّم نموذجاً جاذباً لوحدة سياسية واقتصادية، ولم تدر مسألة صوماليلاند برؤية طويلة الأمد، بقدر ما اكتفت بالرهان على الزمن وعلى الرفض الدولي للانفصال، دون معالجة الأسباب الداخلية التي تدفع المنطقة إلى الاعتقاد بأن الاعتراف الخارجي أقرب من المصالحة الوطنية.

لم تكن الخطوة التي أقدمت عليها صوماليلاند حدثاً مفاجئاً، لمن يتابع مسار تطوّرها السياسي والإداري والقانوني التاريخي. فمنذ أكثر من ثلاثة عقود، يبني الإقليم مؤسساته، ويبحث عن اعتراف دولي لم يتحقق

لكن مقابل النقد، هناك مسار آخر ضروري: وهو التفكير في الخيارات الواقعية المتاحة اليوم. فالدعوات العربية والأفريقية التي ظهرت في شكل بيانات تنديد أو استنكار، لن تُغيّر في الموقف شيئاً، ولن تردع صوماليلاند عن مواصلة مسارها في تحقيق أي انفتاح مع تل أبيب طالما البدائل غير موجودة، لأن المشكلة ليست داخلية بنيوية. لذلك يصبح فنّ الاحتواء ضرورياً ليس للصومال وحدها، بل للدول العربية والأفريقية جميعاً. فالاحتواء السياسي يعني الاعتراف بأن مقاربة الهجوم والضغط ليست مجدية، وأن المرحلة تحتاج إلى مبادرات في اتجاه آخر: مبادرات اقتصادية وتنموية واجتماعية وتعليمية وصحية، تُعيد بناء الثقة بين المركز وصوماليلاند والأقاليم الأخرى، وتقدّم نموذجاً واقعياً للوحدة بدل الاكتفاء بالدفاع اللفظي عنها.

إن الصومال تعيش حالياً واحدة من أقسى أزماتها المالية منذ سنوات. فالعجز المالي، وتراجع الإنتاج المحلي، وتضرر الموارد بفعل التقلبات الأمنية، كلها تجعل من الصعب على الدولة تقديم نموذج جذاب لجميع الولايات. وهذا الواقع يجب ألا يكون لحظة إلقاء اللوم، بل نقطة انطلاق لحوار عربي وإسلامي وأفريقي حول كيفية دعم الصومال مالياً وتنموياً، بدل تركها وحيدة في مواجهة فراغ سياسي تجد فيه القوى الدولية مساحة للتدخل. فالحلول التي تحتاجها الصومال لا تقوم على الأمن فقط، بل على خلق وظائف وبناء مدارس وتطوير الموانئ وتحسين القطاع الصحي ودعم الجامعات، وتوفير بنى تحتية قادرة على دمج الولايات والمجتمعات في نموذج دولة واحدة.

لا يمكن تحميل صوماليلاند المسؤولية وحدها؛ إذ تتحمل الحكومة الصومالية نفسها جزءاً كبيراً من المسؤولية عن الوصول إلى هذه اللحظة

في هذا السياق، على الدول العربية أن تدرك أن صوماليلاند لم تنجذب للاعتراف الإسرائيلي بسبب دوافع سياسية فقط، بل لأنها شعرت بأن العالم العربي والأفريقي لم يُصغِ لمطالبها بتقرير المصير، ولم يقدم لها بديلاً اقتصادياً وتنموياً حقيقياً. فالدعم الذي لا يتجاوز الإطار الخطابي لا يبني ولاءً سياسياً، ولا يعزز وحدة وطنية. وإذا أرادت الدول العربية حماية وحدة الصومال، فلا بد من انتقالها من مرحلة «الاستنكار» إلى مرحلة «الاستثمار»، ومن مرحلة «التنديد» إلى مرحلة «التنمية المشتركة». والدور نفسه ينطبق على المنظمات الأفريقية والإسلامية التي تحتاج إلى التعامل مع الملف بعمق سياسي وتنموي، وليس عبر ردود فعل مؤقتة.

ومن هذا المنطلق، يصبح الاحتواء السياسي مرادفاً سياسياً لفنّ بناء الثقة، ومد جسور التواصل الدبلوماسي. فهو يدعو إلى امتصاص نتائج الاعتراف الإسرائيلي دون اندفاع، وردود فعل غير مؤثرة، وإلى إطلاق مبادرات تنموية تضمن استعادة الثقة بين الصومال وصوماليلاند، وإلى إنتاج خطاب سياسي جديد أكثر عقلانية وواقعية؛ يعترف بالأخطاء ولا يكررها، ويُعيد رسم الأولويات على أساس ما يحتاجه الواقع لا ما تمليه الانفعالات. وهذه هي الخطوة الأولى نحو تحول الأزمة الراهنة إلى فرصة جديدة، وإلى جعل القرن الأفريقي منطقة استقرار دائم بدلاً من أن تبقى مسرحاً للنزاع الأهلي، والتدخل الإقليمي، وللتجاذبات والصراعات الدولية.