تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 17 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

التوغو.. هل تنجح انتفاضة الشباب في تقويض خطة التوريث؟

7 يوليو, 2025
الصورة
التوغو.. هل تنجح انتفاضة الشباب في تقوض خطة التوريث؟
Share

تبدو الأجيال الصاعدة في أفريقيا، وخلافا لجيلي الآباء والأجداد، أكثر جرأة على الانتفاضة في وجه الأنظمة الحاكمة، وثوقا إلى صناعة المستقبل بأيديهم، مستثمرين في ذلك ما تتيح وسائل التواصل الاجتماعي من فرص وإمكانيات، تسمح بتجاوز الأطر التقليدية في النضال من أجل الدفاع عن الديمقراطية في البلدان الأفريقية. 

تجددت الاحتجاجات الأسبوع الماضي في كينيا بشرق أفريقيا، بمناسبة الذكرى الأولى لانتفاضة صيف 2024، وفي الغرب تفجرت يوم 26 يونيو/ حزيران أزمة سياسية حادة في التوغو، باندلاع احتجاجات بالعاصمة لومي ومدن أخرى ضد حكم رئيس الوزراء فاور غناسينغبي الذي يمسك بزمام السلطة في البلاد منذ عام 2005، بعد وفاته والده الجنرال إياديما غناسينغبي الذي قضى في الحكم 38 عاما (1967-2005). 

في سياق وأصول الأزمة  

لم تكن احتجاجات آخر أسبوع من الشهر الماضي؛ 26 حتى 28 يونيو/ حزيران، بداية حراك التوغوليين بقيادة حزبي "التحالف الوطني من أجل التغيير" (ANC) و"القوى الديمقراطية من أجل الجمهورية" (FDR) ضد النظام الحاكم، فقد شهدت العاصمة لومي مظاهرات حاشدة مطلع ذات الشهر (5 و6) ضد ما اعتبرته المعارضة "انقلابات دستوريا"، بعد تنصيب غناسينغبي، زعيم حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، في منصب رئيس الوزراء. 

كان القمع الجواب الجاهز من الحكومة ضد المتظاهرين، حيث اعتقلت مع اندلاع المظاهرات، وفق صحيفة لوموند الفرنسية، نحو 80 شخصا من المشاركين في الاحتجاجات، بمن في ذلك المعارضون السياسيون والنشطاء المدنيون، وحتى بعض الصحفيين الذين كانوا يعملون على توثيق الأحداث، ثم ما لبثت أن أفرج عن بعضهم في وقت لاحق، مبررا ذلك بكونه مجرد إجراءات أمنية للحفاظ على مؤسسات الدولة. 

تبرير رسمي أجج غضب المعارضة من التعاطي الأمني مع احتجاجات مدنية سليمة، ما وسع دائرة المشاركين فيها بانضمام سبعة أحزاب جديدة في بيان مشترك، بتاريخ 24 يونيو/ حزيران الماضي، إلى ما يوصف محليا ب"الصحوة المدنية" التي أطلقتها في 6 يونيو/حزيران قوى سياسية ومدنية للمطالبة باستقالة نظام غناسينغبي الذي جعل البلاد جعل إلى "مقبرة للأمل". 

تغيير جذري في هيكل الدولة، يعكس رغبة النظام القائم في فرض توزيع جديد لسلط داخل الدولة بفضل النظام البرلماني، حيث تنتقل الصلاحيات التنفيذية إلى رئيس الوزراء 

تظاهرات بزخم شعبي متزايد يؤكد حقيقة الأزمة السياسية في البلاد، ما دفع الحكومة إلى شيطنتها بتوجيه أصابيع الاتهام لأطراف خارجية، فهذه الأحداث "مدبرة من الخارج"، كما جاء في بيان صدر عن الحكومة، بتاريخ 29 يونيو/ حزيران الماضي، تحدث عن تسلل أجانب إلى البلاد بطريقة غير شرعية للمشاركة في هذه الاحتجاجات، كما ندد بما اعتبره "حملة التضليل والتحريض على الكراهية والعنف التي تهدف إلى زعزعة استقرار النظام". 

منح ذلك غطاء شرعيا لتبرير العنف المفرط ضد المظاهرات التي شاركت فيها مختلف أطياف المتجمع، وتصدرها إلى جانب رموز المعارضة فنانون ومؤثرون على مواقع التواصل الاجتماعي، فقد سقط حتى الأن أكثر من 7 ضحايا، وفق "الجبهة المدنية للتوغو الواقفة". مزاعم ترفضها السلطات التي تتهم المعارضة باستغلال مأساة لتحقيق مكاسب سياسية، فقد عبّرت في بيان عن تعازيها الحارة لأسرة الضحايا، وممن كانت وفاتهم بسبب الغرق في البحيرات والمسطحات، مذكرة المواطنين بالحرص على التقيد بقواعد السلامة، قبل أن تتراجع وتعلن مساء أمس الأحد عن فتح تحقيق لمعرفة أسباب وفاة هؤلاء.  

انقلاب ناعم من الرئاسي إلى البرلماني  

تفجرت الأزمة في لومي بسبب تعديلات دستورية جرى اعتمادها في أبريل/ نيسان 2024، تقضي بالتحول من النظام الرئاسي إلى النظام البرلماني، ما يعني نقل نظام الحكم من رئاسي إلى برلماني. وكان زعيم حزب الاتحاد من أجل الجمهورية قد أدى، في 3 مايو/ آيار الماضي، اليمين أمام المحكمة الدستورية بصفته رئيسا للوزراء، لتدخل البلاد بذلك حقبة الجمهورية الخامسة. 

قفزة إلى الأمام، مكنت الرئيس من الفكاك من سلطة الولاية الرابعة التي يرتقب أن تضع حدا لحكم آل غناسينغبي في التوغو 

تغيير جذري في هيكل الدولة، يعكس رغبة النظام القائم في فرض توزيع جديد لسلط داخل الدولة بفضل النظام البرلماني، حيث تنتقل الصلاحيات التنفيذية إلى رئيس الوزراء. فهذا التعديل الدستوري أنهى الانتخابات الرئاسية المباشرة وأعطى السلطة التنفيذية لرئيس مجلس وزراء ينتخبه البرلمان. ذلك ما دفع قوى المعارضة إلى توحيد الصفوف وتقوية "جبهة لا تلمس دستوري" ضد ما تعتبره "انقلابا دستوريا". 

قفزة إلى الأمام، مكنت الرئيس من الفكاك من سلطة الولاية الرابعة التي يرتقب أن تضع حدا لحكم آل غناسينغبي في التوغو. لكن الرجل بهذا التعديل الذي جرى داخل البرلمان في ظروف وصفت بغير الديمقراطية، أتاحت لنفسه التحصين داخل سلطة تنفيذية جديدة لا تخضع لقواعد التداول الديمقراطي، ليضمن بذلك البقاء في الحكم أطول مدة ممكنة. 

أيقن التوغوليون أن هاجس النظام وراء التعديل ليس الإصلاح الدستوري بقدر ما حماية وتحصين الذات، ما أخرجهم إلى الشوارع دفاعا عن ما بقي من روح ديمقراطية في البلاد. فهذه الخطوة إعادة ترتيب لقواعد اللعبة لصالح فئة قليلة تربطها مصالح بالرئيس، ما جعل النظام بلا شرعية شعبية ولا حاضنة جماهرية تدافع عنه سوى من تلك الأقلية التي تتبادل معه المصالح والمنافع، حتى بات اليوم أمام شرعية مشروخة، تتأكد بإصراره على اعتماد العنف والقمع، ما دفعه إلى تعليق عمل وسائل إعلام دولية بسبب ما اعتبره تغطية منحازة لتظاهرات سلمية. 

الأزمة أكبر من تعديل دستوري  

في بلد اعتاد الإرهاق السياسي والمعارضة المنقسمة، شكل مظاهرات آخر الشهر نقطة تحول كبير. فما يجري هناك مع تجدد الدعوات للتظاهر، يومي 16 و17 يوليو/ تموز الجاري، تزامنا مع الانتخابات البلدية المرتقبة، يتعدى كونه مجرد رفض للتعديلات الدستورية نحو تكريس قطيعة بين الأجيال في التعاطي مع الشأن السياسي في البلاد. وذلك ما أكده الصحفي باب كودجو، ابن البلد، حين قال: "هؤلاء الشباب لا يحتجون فقط ضد دستور جديد. إنهم يرفضون 58 عاما من الحكم الوراثي من الأب إلى الابن، والذي لم يجلب سوى الفقر والقمع والإذلال". 

يبدو أن الحكومة تدرك ذلك جيدا، فقد عملت على تسخير ما بين يديها من أوراق لاحتواء الغضب بوقف زيادة بنسبة 12,5٪ في أسعار الكهرباء، والإفراج عن مغني الراب "أمرون"؛ أحد الأصوات المعروفة بانتقادها الحاد للسلطة... وغيرها من الإجراءات التي تطمح من ورائها إحداث شرخ في جبهة المعارضة في الشارع. 

مستقبل الأحداث في التوغو مفتوح على كل الاحتمالات، مع تنامي حضور المجتمع المدني في الاحتجاجات الذي بات يسد الفراغ الذي خلفته المعارضة التقليدية المنهكة؛ سياسيا وماليا وتنظيميا، بسبب عقود من الحوار الفاشل دون جدوى 

لكن العكس تماما هو الذي حدث، فالتصدع بدأ يظهر في جبهة الحكومة، وفي أعلى المستويات، حيث أعلنت وزيرة الدفاع السابق مارغريت غناكادي في بيان نادر إدانتها للعنف. حتى أساقفة الكنيسة الكاثوليكية، المعروفون بتحفظهم، حذروا في بيان من "خطر الانفجار تحت وطأة الإحباط المكبوت"، مطالبين باحترام حياة المتظاهرين، فوفقا لهم دائما، "لا يمكن تبرير القمع المفرط حتى في حال عدم حصول التظاهرات على ترخيص رسمي". 

لا يملك النظام في لومي الكثير من الخيارات، فليس بيده سوى البحث عن مزيد من التنازلات – وإن كانت شكلية فقط – يقدمها للمتظاهرين حتى تمر الأزمة، من قبيل تشكيل حكومة وحدة وطنية، مستغلا حدث الانتخابات القادمة التي تدعو المعارضة إلى مقاطعتها، حتى يتمكن من كسر صفوف المعارضة. رغم أن سقف هذا الخيار محدود لأن جبهة المعارضة تتعدى الأحزاب السياسة نحو تمثيلية مدنية وشبابية واسعة. وقد يختار الاستمرار في قبضته الأمنية وبطشه أملا في تخويف المتظاهرين للتوقف عن الاحتجاج. 

مستقبل الأحداث في التوغو مفتوح على كل الاحتمالات، مع تنامي حضور المجتمع المدني، لا سميا القوى الشبابية والمؤثرين في مواقع التواصل الاجتماعي، في الاحتجاجات الذي بات يسد الفراغ الذي خلفته المعارضة التقليدية المنهكة؛ سياسيا وماليا وتنظيميا، بسبب عقود من الحوار الفاشل دون جدوى. صحيح أن الوضع لم يبلغ بعد درجة الثورة ضد النظام، كما يقول أحدهم، "لكننا أمام شرخ عميق. إذا استمر النظام في إنكاره، فقد تكون التكلفة أكبر مما يتوقع".