الجمعة 16 يناير 2026
بصبيحة 19 ديسمبر/ كانون الأول 2025، يكون الحراك الثوري الذي فاض مدن السودان في أواخر الشهر ذاته من العام 2018، واستمر في عنفوانه حتى أسقط نظاما جثى على جسد شعب مكلوم ثلاثين عاماً، قد مضى عليها سبعة أعوام حسوما. جاءت ذكرى شعلة التحرّر، فوجدت البلاد في تشرّد؛ أكثر من 14 مليون بين النزوح واللجوء، في واحدة من أسوأ الأزمات في العالم. وكأن مسير الحراك، لم يتوقف باندلاع حرب 15 أبريل/ نيسان قبل ثلاثة أعوام، انطلقت في عدة مدن مثل: الخرطوم وأمدرمان وكسلا، تظاهرات واسعة تؤكد رسوخ اللحظة الثورية الحاسمة في الوجدان والضمير السياسي والاجتماعي، بشكل يصعب نسيانه ولو تعاقبت عليها أوقاتٌ حالكة.
لم يكن حراك ديسمبر/ كانون الأول، مجرد واقعةً زمنية يمكن الإمساك بها عبر تاريخ واحد أو مدينة واحدة، بل كانت مساراً مركّباً، تراكمت فيه الأزمات الاقتصادية مع التصدعات البنيوية للدولة، وتداخلت فيه غضب الهامش مع ديناميكيات المركز. غير أن ما استقر لاحقاً في الوعي العام هو سردية مختزلة، أعادت ترتيب الوقائع بما يخدم بساطة الرواية لا تعقيد الحدث. حيث جرى تثبيت 19 ديسمبر/ كانون الأول – بوصفه "نقطة البداية"، بينما أُزيحت 6 ديسمبر/ كانون الأول – مايرنو إلى هامش الحدث، لا باعتبارها رواية مغلوطة، إنما سردية غير مُريحة.
لقد جاء اندلاع الاحتجاجات في مايرنو في 6 ديسمبر/ كانون الأول، كتعبير مباشر عن اختناق اقتصادي حادّ، لا عن برنامج سياسي مُسبق. كانت المدينة تعيش، مثل غيرها من المدن (الجزيرة ونيالا والجنينة وكسلا...) آثار سياسات إفقار طويلة: انهيار الخدمات وتدهور مصادر وسبل العيش، وغياب الدولة إلا في شكل جباية وأجهزة أمن. ما أخرج الاحتجاج بوصفه رد فعل غريزي على شروط حياة لم تعد محتملة.
خصوصية مايرنو أنها تمثل نموذج المدينة الصغيرة التي تقع خارج دوائر الاهتمام السياسي والإعلامي. فهي ليست مركزاً صناعياً، ولا مدينة نقابية تاريخية، ولا عاصمة ولاية ذات نفوذ. لذلك، بدا خروجها إلى الشارع فعلاً "غير متوقع" بالنسبة للمركز، وهو ما جعله أكثر إرباكاً، لأنه يكشف عمق الأزمة خارج الخرطوم والمدن الكبرى.
لا تزال مايرنو مستعبدة من المشهد بوصفها نقطة اشتعال، إذ تُعاد الثورة إلى مدينة مركزية، وكأن التغيير الاجتماعي نتاج "لحظة مدينية عظيمة"، لا حصيلة تراكم طويل في الهامش الريفي وشبه الحضري في السودان
هذه البداية المادية تُفكك السردية التي تحصر الثورة في الوعي السياسي المتقدم فقط. مايرنو تقول إن الحراك الثوري بدأ من الجوع والخوف وانسداد الأفق، قبل أن يترجم إلى شعارات كبرى. وهذا المعنى تحديداً هو ما يجعلها بداية غير مرغوب فيها سردياً، لأنها تُعيد السياسة إلى قعر الاقتصاد، والهتاف إلى الخبز.
من هنا، لم يكن تهميش هذه اللحظة لاحقاً نتيجة نسيان بريء، إنما لأن الاعتراف بها كبداية يفرض إعادة تعريف الثورة كحراك اجتماعي جذري، لا كحدث سياسي نخبوي، يمكن التحكّم في رمزيته. لا تزال مايرنو مستعبدة من المشهد بوصفها نقطة اشتعال، إذ تُعاد الثورة إلى مدينة مركزية، وكأن التغيير الاجتماعي نتاج "لحظة مدينية عظيمة"، لا حصيلة تراكم طويل في الهامش الريفي وشبه الحضري في السودان.
وعليه، لم تكن إزاحة منطقة مايرنو من السرد التاريخي، بوصفها إحدى البؤر الأولى التي اشتعلت فيها شرارة الثورة، مجرد خطأ سردي عفوي نحو مدينة ذات تاريخ نضالي معروف، إنما تمثل هذه الإزاحة فعلاً سياسياً ورمزياً مركباً، يعكس آليات اختطاف الذاكرة الثورية وإعادة كتابة التاريخ من منظور المركز، حيث تتقاطع عدسة النيوليبرالية مع زوايا سوسيولوجيا المدن لتنتج سردية انتقائية، تُقصي الأطراف وتعيد ترتيب الفاعلين وفق منطق الهيمنة الرمزية.
دخلت عطبرة إلى ديسمبر/كانون الأول، وهي محمّلة بتاريخ طويل من النضال العمالي والنقابي، جعلها حاضرة مسبقاً في المخيال الوطني كمدينة مواجهة. هذا التاريخ لم يكن محايداً، بل تحوّل إلى رأس مال رمزي جاهز للتوظيف، بحيث يكفي حدوث احتجاج حتى يُقرأ تلقائياً كحدث وطني مفصلي. فحين اندلعت احتجاجات 19 ديسمبر/ كانون الأول في عطبرة، تلاقت اللحظة مع الذاكرة. الصور التي خرجت من المدينة انسجمت تماماً مع ما ينتظره الخطاب الثوري: حشود غاضبة ورموز ومباني سُلطة تُحرق وهتافات مباشرة. كل ذلك جعل عطبرة "قابلة للتصدير" بوصفها لحظة البداية، حتى وإن لم تكن كذلك زمنياً.
مثلّت عطبرة، بتاريخها النقابي والسككي (سكة الحديد)، مادة مثالياً للثورة: مدينة يسهل تسويقها إعلامياً، وإدراجها في سردية وطنية مبسطة، مقارنة بمايرنو، التي تفتقر إلى هذا الرصيد الرمزي المعترف به مركزياً. كما لعبت الشبكات الاجتماعية والكيانات السياسية المرتبطة بعطبرة دوراً حاسماً في تثبيت هذه الرواية.
أعادوا صحفيون وناشطون ونقابيون سرد الحدث في إطار متماسك، مستندين إلى تاريخ المدينة، ومُنتجين خطاباً متداولاً بسهولة في الإعلام ووسائل التواصل. وبالتالي بكل سهولة، لم تنتصر عطبرة على مايرنو لأن حدثها أهم، إنما لأن رمزيتها أقدم وأقوى. وفي هذا الانتصار الرمزي، جرى نقل مركز الثقل من الهامش إلى مدينة أكثر راحة للمركز السياسي والإعلامي.
مايرنو تقول إن الحراك الثوري بدأ من الجوع والخوف وانسداد الأفق، قبل أن يترجم إلى شعارات كبرى. وهذا المعنى تحديداً هو ما يجعلها بداية غير مرغوب فيها سردياً، لأنها تُعيد السياسة إلى قعر الاقتصاد، والهتاف إلى الخبز
إن التحوّل من مايرنو إلى عطبرة ليس بريئاً. إنه يعكس منطقاً في إنتاج التاريخ، حيث تُختزل الحراك الثوري إلى "علامة تجارية" قابلة للتداول الإعلامي والسياسي. من هذا المنظور، تُفضَّل المدن التي يمكن تحويلها إلى أيقونات: قابلة للعرض وقابلة للأرشفة وللاستثمار الرمزي. أما الأطراف، بما تحمله من تعقيد اجتماعي وتناقضات ومقاومات صامتة، فتمثل عبئاً سردياً لا يتوافق مع منطق السوق السياسي للذاكرة.
لم يعمل الإعلام المحلي، ولاسيما ذات الارتباط بنيوياً بمركزية السُلطة في الخرطوم وتفرعاته شبه الهامشية، مثل ولايتيّ الجزيرة وعطبرة، خلال ديسمبر/ كانون الأول بوصفه ناقلاً محايداً للوقائع، إنما كجهاز إنتاج للمعنى، يختار ما يُرى وما يُهمَل، وما يُعاد تدويره حتى يصبح حقيقة مستقرة. فالمركز الإعلامي، بحكم تموضعه في الخرطوم، وارتباطه بمصادر السلطة وبنيته المهنية، يميل إلى الأحداث التي تقع ضمن مجاله الرمزي المألوف. ومنطقة مايرنو، كمدينة صغيرة خارج الرادار، لم تكن ضمن هذا المجال.
تغطية احتجاجات مايرنو جاءت متأخرة ومجزأة، وغالباً بلا ربط تحليلي بالسياق الوطني. لم تُقدَّم بوصفها لحظة كاشفة، بل كاضطراب محلي ناتج عن أزمة خبز فقط. هذا الفصل بين الحدث المحلي والبنية الوطنية للأزمة أسهم في تفريغ "مايرنو" من دلالتها السياسية، وحصرها في خانة "المشكلة الخدمية". في المقابل، وجد الإعلام في "عطبرة" مادة مثالية، فالتكرار الكثيف لتغطية عطبرة، وتحويلها إلى مرجع بصري وخطابي، لم يكن مجرد نقل للحدث، إنما إعادة إنتاج له بوصفه نقطة التأسيس المركزي للحراك. وهكذا، صنع الإعلام الزمن الرمزي، لا الزمن الفعلي للحظة ديسمبر الثورية. بهذا المعنى، لم يُقصِ الإعلام مايرنو بالصمت فقط، إنما عبر فعل إيجابي: ضخّ عطبرة بالمعنى، حتى غطّت رمزيتها على ما سبقها. وهو انحياز بنيوي يتكرر كلما تعارض الهامش مع منطق المركز.
الذاكرة الجماعية ليست مخزناً محايداً للوقائع، إنما بنية اجتماعية وسياسية وثقافية تُعاد صياغتها باستمرار وفق موازين القوة السائدة. ما يُحفَظ في الذاكرة ليس بالضرورة ما كان الأهم أو الأسبق، إنما ما كان الأقدر على التحوّل إلى رمز بسيط، قابل للتداول، وسهل الإدراج في خطاب التعبئة. وعليه، يصبح الاختزال شرطاً بنيوياً لعمل الذاكرة العامة. ففي ثورة ديسمبر/ كانون الأول، كان من الأسهل تثبيت "بداية" واحدة بدلاً من الاعتراف بتعدد أمكنة الشرارات. فالتعدد يربك السرد، ويُضعف القدرة على إنتاج خطاب تعبوي متماسك. لذلك، جرى اختيار 19 ديسمبر/ كانون الأول - عطبرة بوصفه تاريخاً جامعاً كثيفاً، لا لأنه الأكثر دقة، بل لأنه الأكثر قابلية للتمثيل الرمزي، ولأنه وجد ذاكرة ثقيلة بالتاريخ.
تعيش المدن الصغيرة في السودان دوماً في موقع هشّ داخل السرد الوطني. فهي لا تملك أدوات فرض حضورها في المجال العام، ولا شبكات ضغط إعلامية أو سياسية تحمي روايتها. ومع ذلك، كثيراً ما تكون هذه المدن هي مواقع الانفجار الأول للأزمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. واختطاف الرمزية لا يعني إنكار الحدث، إنما إعادة نسبته إلى فضاء أكثر نفوذاً وهذا مشهوداً في كثير من البقاع. فالشرارة التي تنطلق من مدينة صغيرة تُعاد صياغتها لاحقاً داخل مدينة ذات وزن رمزي أكبر، حيث يمكن للمركز التعامل معها دون تهديد مباشر لبنيته.
هنا تصبح مايرنو مثالا واضحا على هذه الظاهرة. أدت دورها التفجيري، ثم أُعيد توطين الحدث رمزياً في فضاء مديني أخر. وهذا لا ينتقص من مكانة عطبرة وتاريخها، لكنه يكشف آلية إقصاء الهامش بعد أداء دوره. كما أن هذا السلوك يتكرر اليوم في سياق حرب 15 أبريل/ نيسان 2023، حيث يختزل حجم وعمق المأساة في حواضر الولايات والأقاليم، والعاصمة الخرطوم والجزيرة، بينما تُمحى القرى من السرد، رغم أنها تتحمل العبء الأكبر من العنف، مما يشير إلى أن اختطاف الرمزية هاهنا في سياق السودان، استمرار لمنطق الدولة المركزية نفسها.
إن سرقة لحظة التأسيس لا تعيد ترتيب الأحداث فقط، إنما تعيد تشكيل الوعي السياسي والاجتماعي الجمعي. فالبداية تحدد من هو الفاعل التاريخي، ومن هو مجرد تابع أو ملحق بالسرد. فحين تُنسب البداية إلى مدينة ذات رأس مال رمزي، يُعاد تعريف الحراك الثوري بوصفه فعلاً منظّماً قادته قوى واعية، لا انتفاضة اجتماعية فرضتها شروط البقاء وارهاصات الحياة المعيشية.
وهذا يعيد إنتاج صورة نخبويّة للحراك، ويُقصي الفئات الأكثر تضرراً من النظام والسلطة القائمة. وهذا التشويه لا يبقى في مستوى الخطاب، إنما ينعكس على سياسات ما بعد الثورة. فالمدن والمناطق التي لم يُعترف بدورها التأسيسي تُقصى لاحقاً من أولويات الإصلاح والتمثيل. وبهذا المعنى، تصبح مسألة سرقة لحظة البداية ليست مسألة رمزية فحسب، إنما مدخلاً أصيلاً لإعادة إنتاج التهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
إن إعادة كتابة التاريخ هي دائماً استثمار في الشرعية. من يملك لحظة التأسيس يملك حق التحدث ولو رمزياً باسم شرف شعلة الحراك الثوري، واحتكار معنوي تعريف مسارها الصحيح. بعض القوى السياسية تجد في مايرنو تهديداً ضمنياً لسرديتها، لأنها تكشف أن الحراك لم يبدأ من مراكز التنظيم أو النخب، إنما من هوامش لم تكن ضمن حساباتها، وليست محسوبة في الوعي السياسي. لذلك، يجري تفضيل سرديات أكثر انضباطاً ونخبوية، تُبرز أدواراً معينة وتُخفي أخرى، دون الحاجة إلى قرار واعٍ بالإقصاء والاهمال والتجاهل. الخطاب نفسه يقوم بالمهمة. وبالتالي، يصبح الصمت عن لحظة مايرنو جزءاً من إعادة ترتيب المشهد السياسي، لا مجرد سهو تاريخي.
يختزل حجم وعمق المأساة في حواضر الولايات والأقاليم، والعاصمة الخرطوم والجزيرة، بينما تُمحى القرى من السرد، رغم أنها تتحمل العبء الأكبر من العنف، مما يشير إلى أن اختطاف الرمزية هاهنا في سياق السودان، استمرار لمنطق الدولة المركزية نفسها
ما يحدث لمايرنو يندرج ضمن نمط تاريخي أوسع، حيث يُكتب التاريخ دائماً من منظور المركز. ويظهر الهامش بوصفه مسرحاً للأحداث، لا فاعلاً فيها. عبر التاريخ، كثير من الجماعات والحضارات أدت أدواراً تأسيسية ثم جرى محوها من السرد لصالح قوى أكبر. هذا النمط لا يتكرر صدفة، بل لأنه يخدم استقرار مراكز القوة. ولحظة شرارة الحراك الثوري في مايرنو، بهذا المعنى، ليست حالة محلية معزولة، بل مثالا معاصرا لآلية وظاهرة قديمة: استخدام الهامش كمُفجِّر ثم إقصاؤه من الذاكرة.
وعليه، يبقى أن الاعتراف بإسهامات مايرنو، ولاسيما في الحركة الطلابية الشبابية، هو كسر رمزي لهذا النمط، وإعادة فتح سؤال: من يكتب التاريخ، ولصالح من؟ ولاسيما في ظل الأثر الذي أحدثه الحراك من تحوّلاتٍ عميقة في الوعي الاجتماعي والسياسي، ولاسيما في الأطراف.
إن لحظة التأسيس ليست مجرد تاريخ، بل سلطة رمزية تُحدد من يُستدعى إلى مركز السرد، ومن يُقصى إلى هامشه. وسرقة هذه اللحظة تعني نزع الاعتراف عن فاعلين حقيقيين، وتحويلهم إلى هوامش في قصة صنعوها بأنفسهم. كما تعني إعادة تعريف الثورة من الأعلى، بوصفها مشروعاً تقوده نخب، لا مساراً اجتماعياً مفتوحاً. وعليه، تمثل سرقة البداية خسارة أخلاقية عميقة، لأنها تفرغ الثورة من بعدها التحرري.
إعادة كتابة تاريخ ديسمبر/كانون الأول ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة سياسية وأخلاقية. فالتاريخ المختزل يُعيد إنتاج الظلم نفسه الذي ثارت ضده الجماهير. وهنا يظل السؤال المركزي ليس فقط: هل نعيد الكتابة؟ بل: من يملك حقها؟ هل الإعلام، أم النخب السياسية، أم المجتمعات التي صنعت الحدث؟ ودون إدماج روايات مثل مايرنو، ستظل ديسمبر ناقصة، ومائلة لصالح المركز، وعاجزة عن تقديم قراءة نقدية لذاتها. إعادة الكتابة هنا ليست استبدال سردية بأخرى، بل فتح المجال أمام تعدد الأصوات وكسر احتكار الذاكرة.
لم تختفِ مايرنو من لحظة ديسمبر الثورية، إنما ما يزال يجري تغييبها بفعل آليات معروفة في إنتاج الذاكرة والرمز. ويظل الخلل ليس في المدينة، ولا في عطبرة، بل في السردية التي اختارت مسار الاختزال. استعادة مايرنو هي استعادة لتعقيد الثورة نفسها، بوصفها حراكاً بدأ من الهامش قبل أن يُعاد تمركزه. ودون هذا التعقيد، ستظل ديسمبر قصة ناقصة عن ثورة أوسع مما سُمح لها أن تكون.