الثلاثاء 9 ديسمبر 2025
قبل مدة شاهدتُ فيديو في مواقع التواصل الاجتماعي يستطلع غربيين حول معرفتهم بأفريقيا، فجاءت الصور نمطية كما هو متوقع، وفي نهاية الفيديو عرض صناعُه جوانب من نهضة القارة وجمال العمران وفخامته في عدد من العواصم الأفريقية. وكان الجمال الحضري ينافس جمال الحياة البرية التي رسخت له ناشيونال جيوغرافيك، حتى ظن الناس أن الإنسان في هذه القارة ما زال يعيش في عصره البدائي، وأنه لم يضع لمسته على الطبيعة البكر بعد، فما زال كثيرون يرون أن أفريقيا اليوم ليست بأفضل منها قبل مئات السنين، وأن كل مجهودات الإنسان الأبيض لإلحاقنا بركب الحضارة، قد باء بالفشل، وأن دواعي الاستعمار- أو على الأقل التدخل- ما زالت موجودة حتى الآن.
يعزى ذلك إلى التناول الإعلامي أحادي الجانب، والذي يركز بشكل مفرط على السلبيات، مثل: الفقر والأمراض والصراعات المسلحة والانقلابات العسكرية، متجاهلا- بعمد أو غير قصد-التنوع الثقافي والإنجازات التنموية والمبادرات والابتكارات والامكانات الهائلة التي تزخر بها القارة، وإن كان الغرب بعيدا عن كل هذا، إلا أن من المؤسف أن كثيرا من وسائل الإعلام المحلية ما زالت تستعير العدسات الغربية في تناول الواقع. فقد عرض معهد الجزيرة للإعلام، في تحليلٍ مهم لواقع الإعلام الأفريقي، أزمة التمثيل وضعف البنية التحريرية للمؤسسات المحلية، وهي ثغرات سمحت لوسائل إعلام خارجية بفرض سردياتها، وإذا كان ذلك حال الإعلام الأفريقي نفسه، فليس من الغريب أن يكون الإعلام العربي في كثير من الأحيان أسيرا لتلك العدسة، ولحسن الحظ، بدأنا نرى عددا من المنصات الأفريقية-جيسكا مثالا- تسد فراغا عريضا، وتقدم سرديات جديدة عن القارة، ومثال آخر منصة "Africa No Filter"، التي تسعى لمحو آثار التنميط، وقد اشتهرت بحملتها ضد الخرائط الدولية التي تقلّل من مساحة القارة مقارنة بحجمها الحقيقي، وتعيد إنتاج صورة أفريقيا "الصغيرة والهامشية".
ظهر عدد من الصحفيين- في أفريقيا وخارجها- يدعون إلى صحافة جديدة تسمى صحافة الحلول أو الجوسو كما يسميها الفرنسيون ((Joso "Journalisme de Solution"، وهي منهج إعلامي يركز على تغطية المشكلات ليس فقط بتسليط الضوء عليها، بل أيضاً باستكشاف الحلول المبتكرة والمبادرات الإيجابية وقصص النجاح والجهود المجتمعية التي تعالج هذه المشكلات.
يعود تشكل الصورة النمطية السلبية المشوهة لأفريقيا في وسائل الإعلام العالمية إلى زمن بعيد، متأصل في الحقبة الاستعمارية. خلال هذه الفترة، استخدم الإعلام كأداة لتبرير الهيمنة الأجنبية واستغلال الموارد، من خلال تصوير القارة على أنها "قارة مظلمة" أو "بربرية"، بحاجة إلى التدخل الخارجي.
رسخ هذا السرد الاستعماري مفاهيم التخلف والجهل والفوضى، وهو ما انعكس في أعمال أدبية وإعلامية ساهمت في تشكيل الوعي الجمعي العالمي تجاه أفريقيا. لقد استمر هذا الإرث في التأثير حتى بعد استقلال الدول الأفريقية، حيث ظلت وسائل الإعلام الغربية، في كثير من الأحيان، تقدم رؤية سطحية ومتحيزة، تركز على الأزمات والنزاعات بدلاً من التطورات الإيجابية. هذا النمط من التغطية، الذي يميل إلى التبسيط المخل للتحديات المعقدة، يفصل أفريقيا عن سياقاتها التنموية، ويهمش إنجازاتها، مما يترك فراغاً تُشغله الصور السلبية الموروثة. ولعل الأهم، أن هذا النهج الإعلامي لم يسمح للأصوات الأفريقية بالبروز وتقديم روايتها الخاصة، ما أدى إلى ضعف في السيادة الإعلامية للقارة.
أزمة التمثيل وضعف البنية التحريرية للمؤسسات المحلية، وهي ثغرات سمحت لوسائل إعلام خارجية بفرض سردياتها
قد أثرت الصورة النمطية سياسياً في تبرير التدخلات الخارجية، وتقويض السيادة الوطنية، في صورة جديدة للاستعمار، فعندما تُقدم أفريقيا قارة غير قادرة على إدارة شؤونها، يفتح الباب أمام سياسات المساعدات المشروطة أو التدخلات العسكرية التي تخدم أجندات أجنبية. هذا التناول يُضعف الثقة في المؤسسات المحلية والقادة الأفارقة، حيث يُصورون غالباً كفاسدين أو غير أكفاء. ويؤدي التركيز على الصراعات والفشل إلى تجاهل الإنجازات الديمقراطية والإصلاحات السياسية، مما يعيق بناء تحالفات إقليمية قوية ويعزز الاستقطاب الداخلي. في كثير من الأحيان، تفضل وسائل الإعلام الغربية تغطية الانقلابات والأزمات بدلاً من الانتخابات الديمقراطية أو مبادرات التنمية، مما يشوه الواقع السياسي للقارة، ويحد من إمكانيات الحوار البناء.
للتنميط السلبي تكلفة متعددة الأبعاد، فمن الناحية النفسية، يعد التعرض المستمر للسرد الإعلامي السلبي مصدراً رئيسياً للضغوط النفسية على الأفارقة، سواء كانوا أفراداً أو صحفيين. فالأفراد الذين يرون قارتهم مصورة باستمرار مرتعا للفقر والأمراض والصراعات، قد تتولد لديهم مشاعر الدونية واليأس والعزلة، مما يؤثر على الصحة النفسية للفرد والمجتمع.
هذا التصوير يمكن أن يخلق شعوراً بالوصمة الذاتية، ويعيق التقدم النفسي والاجتماعي. أما الصحفيون الأفارقة، فهم يواجهون تحديات نفسية خاصة، فتغطية النزاعات والأزمات في بيئات صعبة يمكن أن تؤدي إلى اضطرابات ما بعد الصدمة والقلق والاكتئاب. وغياب الدعم النفسي الكافي يعمق من هذه الآثار، مما يؤثر على قدرتهم على أداء عملهم بفعالية وموضوعية. كما أن الضغط لتقديم القصص التي تتوافق مع التوقعات الغربية يمكن أن يزيد من معاناتهم.
أما اقتصادياً، تتكبد أفريقيا خسائر فادحة بسبب الصور النمطية السلبية، فالخسائر تُقدر بمليارات الدولارات سنوياً، حيث يتردد المستثمرون الأجانب في دخول أسواق القارة بسبب التصور المبالغ فيه للمخاطر. هذا التردد يحد من تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة، التي تعد ضرورية للتنمية الاقتصادية وخلق فرص العمل، كما تؤثر على قطاع السياحة. فمثلا، عندما ركز الإعلام الغربي في تغطيته لأفريقيا على الأوبئة والفقر، تراجعت السياحة 30٪ في بلدان مثل جنوب إفريقيا عقب عناوين سلبية ضخمت مخاطر وباء إيبولا، رغم بُعدها الجغرافي عن بؤرة المرض. وكذلك التركيز على الفقر ونقص الموارد يقلل من جاذبية الأسواق الناشئة الواعدة في أفريقيا، مما يعيق نموها ويجعلها أقل تنافسية على الساحة العالمية. كما يؤثر ذلك على التمويل الإعلامي المحلي، حيث تفضل الجهات المانحة الغربية دعم مشاريع "الإغاثة" على حساب المبادرات الإعلامية التي تركز على التنمية المستدامة والحلول المبتكرة.
تؤثر الصور النمطية بشكل مباشر على التقييم الائتماني للدول الأفريقية، مما يرفع تكاليف الاقتراض ويزيد من عبء الديون، ففي دراسة "أفريكان نو فيلتر" 2025 سلطت الضوء على التأثير الاقتصادي السلبي للخطاب الإعلامي النمطي، يؤدي الترويج لصورة أفريقيا بوصفها قارة أزمات إلى تضخيم فوائد الديون السيادية بنحو 4.2 مليار دولار سنويًا، بسبب تراجع الثقة الدولية، لأن التصورات السلبية عن المخاطر تترجم إلى ارتفاع أسعار الفائدة التي تدفعها الدول الأفريقية للحصول على القروض، مما يستنزف جزءاً كبيراً من ميزانياتها التي يمكن أن توجه نحو التنمية.
تلعب الوثائقيات وصحافة الفيديو ووسائل التواصل الاجتماعي دورًا محوريًا في تغير الصور النمطية السائدة عن أفريقيا التي استمر الإعلام التقليدي في ترسيخها لعقود. فقد أتاحت الوثائقيات مساحات سردية عميقة تمكنت من عرض التنوع الثقافي والاجتماعي والاقتصادي في القارة، من خلال قصص شخصية وحقيقية تعكس الواقع المتعدد الأبعاد بعيدًا عن الفلكلور والصورة السلبية التي تنتجها وسائل الإعلام الغربية التي تصور أفريقيا مكانًا للمآسي فقط. فالوثائقية التي تركز على التنمية والبيئة والصراع والهوية تثري الفهم العالمي، وتعطي صوتًا للأفارقة أنفسهم لسرد تجاربهم بدون وسيط يفرض أجندته الخاصة.
لقد أثبتت أفلام مثل "بلاك إيز كينغ" لبينوسي أهمية إنتاج محتوى يحتفي بالهوية الأفريقية ويبرز تمكين المرأة وصورة القارة الغنية والمتنوعة، بعيدًا عن التعميم والمبالغات السلبية. ومع ظهور مهرجانات للأفلام والطفرة في المحتوى المحلي الرقمي، تتسارع وتيرة كسر الصورة النمطية المرسخة عالميًا عن أفریقیا. فظهرت أفلام مثل: "The Boy Who Harnessed the Wind" يحكي قصة حقيقية لشاب ملالي طور من مشروع طاقة ريحية لمساعدة قريته على تجنب المجاعة، مما يعكس صورة ملهمة عن الابتكار والتحدي في أفريقيا، وهي صورة جديدة للنمو والإبداع، والفيلم الوثائقي "Virunga" الذي يروي قصة فريق مكافحة الصيد الجائر في محمية في رونغا الديمقراطية، ويكشف عن المخاطر والشجاعة في حفظ الغوريلات الجبلية النادرة، وهو من أشهر الأفلام التي قدمت قصة إيجابية ومهمة عن جهود الحماية في أفريقيا، وحصل على ترشيح لجائزة الأوسكار.
وفرت أما صحافة الفيديو الحديثة فقد منصات بصرية تفاعلية تمكن الشعوب الأفريقية من رواية قصصهم بأنفسهم، موجهة بشكل مباشر للمشاهدين داخل وخارج القارة، مما ساعد في تحييد الصور النمطية التقليدية، وإبراز نماذج إيجابية لمجتمعات مبتكرة ومقاومة للتحديات. هذه الصحافة توضح كيف يمكن للقصص الإخبارية أن تبني ثقة الجمهور من خلال تقديم نماذج
رسخ هذا السرد الاستعماري مفاهيم التخلف والجهل والفوضى، وهو ما انعكس في أعمال أدبية وإعلامية ساهمت في تشكيل الوعي الجمعي العالمي تجاه أفريقيا. لقد استمر هذا الإرث في التأثير حتى بعد استقلال الدول الأفريقية
حقيقية للتطوير المستدام، وإشراك المجتمعات المحلية في الحوار الإعلامي. ولا ننسى دور مواقع التواصل الاجتماعي التي ساهمت في تمكين الأفارقة من بناء سرديات جديدة تعكس واقعهم وتطلعاتهم، كما وفرت فضاءً واسعاً لتبادل الخبرات والنجاحات، وكسر حواجز الصورة الواحدية التي طالما وصفت القارة بصورة جامدة وسلبية. هذه الوسائل الإعلامية التفاعلية شكلت فعلًا “ثورة سردية” في مواجهة الصور النمطية، من خلال تحفيز المشاركة المجتمعية وإعادة تموضع أفريقيا في المشهد الإعلامي العالمي كفضاء متنوع غني بالفرص والقدرات، وعلى عاتق الشباب يقع الجزء الأكبر من هذا العبء.
لمواجهة هذا الواقع الإعلامي السلبي، تبرز "صحافة الحلول" كمنهج إعلامي واعد يهدف إلى تصحيح المسار. ولا تقتصر هذه الصحافة على تسليط الضوء على المشكلات فحسب، بل تركز أيضاً على استكشاف الحلول المبتكرة، قصص النجاح، والمبادرات الإيجابية التي يقودها الأفارقة بأنفسهم. إنها دعوة لتقديم صورة بانورامية للمجتمعات الأفريقية بتعقيداتها وثرائها، مع إبراز التقدم المحرز في مجالات متعددة.
يتطلب التحول نحو صحافة الحلول تضافر جهود كبيرة، بما في ذلك تعزيز حرية الصحافة، توفير التدريب والدعم للصحفيين المحليين، والاستفادة من الأدوات الرقمية الحديثة
تركز صحافة الحلول على الابتكار والتنمية بدلاً من التركيز على الفقر، وتبرز الأصوات المحلية لرواية قصصهم من منظورهم الخاص، وتعزز الثقة والتفاؤل من خلال عرض الحلول، وتجذب الاستثمار بتسليطها الضوء على الامكانات والنجاحات الاقتصادية، وتعزز السياحة بعرض الجمال الطبيعي والثقافات المتعددة والإرث الحضاري، وقد تشهدت صحافة الجوسو مبادرات رائدة مثل مبادرة "Solutions Journalism Network" التي أطلقت Africa Initiative لتدريب الصحفيين الأفارقة على منهجيات صحافة الحلول، ومن خلال هذه المبادرة، تم دعم أكثر من 60 مؤسسة صحفية عبر دول مثل" كينيا ونيجيريا ورواندا وأوغندا لنشر تغطيات قائمة على التحليل والاستجابة. ومن الأمثلة البارزة أيضًا مركز Bhekisisa Centre for Health Journalism في جنوب أفريقيا، وهو مركز مستقل متخصص في الصحافة الصحية من منظور العدالة الاجتماعية، ويستخدم منهجيات قائمة على الأدلة وتقارير تحلّل كيف تتعامل المجتمعات مع قضايا الصحة. وهناك منصات محلية، مثل Africa Solutions Media Hub، وهي منظمة إعلامية غير ربحية مكرّسة لتعزيز "قصص التغيير" وتسليط الضوء على المبادرات الخيرية والتنموية من منظور محلي. وفي كينيا وجنوب أفريقيا هنالك تجارب لإذاعات مجتمعية؛ دمجت تقنيات التفاعل مع الجمهور لتوثيق قصص حلول الريف في مواجهة نقص المياه أو تحديات الصحة المدرسية، وأثبتت فاعليتها في صناعة تحولات إيجابية بالمجتمعات المحلية.
يتطلب التحول نحو صحافة الحلول تضافر جهود كبيرة، بما في ذلك تعزيز حرية الصحافة، توفير التدريب والدعم للصحفيين المحليين، والاستفادة من الأدوات الرقمية الحديثة. كما أن إنشاء مجمعات إعلامية أفريقية قوية ومستقلة، قادرة على حمل صوت القارة، يعد خطوة أساسية لضمان أن السرد الأفريقي لا يمليه الآخرون، كل هذه الجهود تقول بأن هنالك أمل في تغيير التناول الإعلامي لقضايا القارة إلى مستوى يعيد لسكانها الثقة في أنفسهم ومستقبلهم ويجعل الآخرين ينظرون إلينا بنظرة أكثر إنصافا.