تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 13 يونيو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

التعليم في السودان: جبهة قتال جديدة تُمزّق الوجدان الوطني وتُهدد وحدة البلاد

29 مارس, 2026
الصورة
التعليم في السودان: جبهة قتال جديدة تُمزّق الوجدان الوطني وتُهدد وحدة البلاد
Share

في ظل الحرب المستمرة في السودان منذ 3 سنوات، يواجه أكثر من ربع مليون طالب خطر الحرمان من الجلوس لامتحانات الشهادة الثانوية السودانية، حيث يُقدّر عدد المتضررين بنحو 280 ألف طالب وطالبة، في وقت تشير فيه تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونسيف) إلى أن ملايين الأطفال باتوا خارج العملية التعليمية.

لم يعد التعليم مجرد قطاع متأثر بتداعيات الحرب، بل تحوّل إلى أداة ضمن أدوات الصراع، يُستخدم في سياق التنافس السياسي والعسكري وفرض السيطرة، ما يجعل مستقبل جيل كامل رهينة لحسابات لا تمت بصلة لحقه الأساسي في التعلم.

كانت آخر امتحانات روتينية للشهادة الثانوية السودانية في يونيو/ حزيران 2022، قبل عدة أشهر من إندلاع الحرب في أبريل/نيسان من العام الموالي، لتتوقف عقب ذلك العملية التعليمية برمتها، قبل أن تُستأنف في ديسمبر/ كانون الأول 2024 في 7 ولايات فقط من أصل 18 ولاية.

حذّرت اليونيسف في آخر تقاريرها عن السودان لعام 2026، من بلوغ أزمة التعليم مستويات غير مسبوقة، حيث يُحرم 10.8 مليون طفل من الأمان وفرص التعلم في جميع أنحاء البلاد. فيما أطلق ناشطون ومختصون مبادرة قومية لإنقاذ مستقبل طلاب الشهادة السودانية، ومعالجة أوضاع نحو 280 ألف تلميذ وتلميذة في ولايات دارفور وكردفان ومناطق أخرى، يواجهون شبح الضياع الأكاديمي بعد حرمانهم القسري من الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية لثلاث سنوات متتالية.

وجدت المبادرة تأييداً واسعاً من قوى سياسية وحقوقية وكتّاب رأي عبّروا جميعاً عن دعمهم لها، داعين للضغط على السلطة التي يمثلها الجيش في مدينة بورتسودان وسلطة الدعم الدعم السريع في مدينة نيالا، حتى يتمكن الطلاب في كافة بقاع السودان من ممارسة حقهم الدستوري في التعليم بالجلوس لامتحان الشهاده السودانية.

تداعيات السيطرة العسكرية

لم تعد الخُطط التعليمية عقب اندلاع الحرب في السودان، تُرسم بقرارات تربوية أو رؤى حكومية، بل باتت مرهونة بخارطة السيطرة العسكرية التي تفرض واقعاً جديداً على فرص التعلم. فمع انقسام البلاد إلى مناطق نفوذ متباينة، أصبح الوصول إلى المدارس والامتحانات مرتبطاً بالموقع الجغرافي أكثر من ارتباطه بحقوق الطلاب، حيث تُغلق مؤسسات تعليمية في مناطق، وتُفتح بشروط مختلفة في أخرى، بينما يُجبر آلاف الطلاب على النزوح أو المخاطرة بحياتهم بحثًا عن فرصة للجلوس للامتحانات.

هذا الواقع لم يكتفِ بتعطيل العملية التعليمية، بل أعاد تشكيلها وفق منطق الحرب، ليصبح التعليم نفسه أحد انعكاسات الصراع وأدواته، بدل أن يكون مساحة محايدة تحفظ تماسك المجتمع ومستقبل أجياله.

إن تنظيم امتحانات موازية في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع يُعد دعوة ضمنية للانفصال، وجدّد دعم الاتحاد الأوروبي لوحدة السودان ورفض الكيانات والأنظمة التعليمية الموازية

بعد توقف استمر لنحو عام ونصف، جلس نحو 350 ألف طالب وطالبة داخل وخارج السودان، للامتحان في ديسمبر/ كانون الأول 2024، فيما تغيّب عنه حوالي 150 ألف طالب؛ وعُقد الامتحان في 8 ولايات كانت تخضع للجيش من بين 18 ولاية، مقابل حرمان طلاب 10 ولايات كانت تخضع – حينها - لسيطرة قوات الدعم السريع من الجلوس للامتحان.

ليُعقد الامتحان الثاني بعد اندلاع الحرب أواخر يونيو/ حزيران 2025، وهي امتحانات عام 2024 المؤجلة، والتي جلس لها 199 ألف طالب من بين أكثر من 200 ألف طالب سجلوا للامتحان في 2102 مركزا، تشمل مناطق سيطرة الجيش داخل البلاد، بالإضافة إلى مراكز خارج البلاد، والتي تضم 20 مركزاً.

يُعد امتحان عام 2026 المُقرّر عقده في 13 أبريل/ نيسان، الثالث منذ اندلاع الحرب، حيث أعلن وكيل وزارة التعليم بالسودان أحمد خليفة عمر، تسجيل 544 ألف و274 طالباً وطالبة للجلوس للامتحانات.

امتحانات موازية

أعلنت الحكومة التي يقودها الدعم السريع من مدينة نيالا غربي البلاد، والتي تسيطر على جميع ولايات إقليم دارفور الخمس بجانب أجزاء من ولايات إقليم كردفان، استعدادها لإجراء امتحانات الشهادة السودانية للعام الحالي 2026، بما في ذلك أولئك الذين حُرموا من الجلوس للامتحانات خلال سنوات الحرب. وأوضحت أن مجلس وزرائها، بالتنسيق مع اللجنة الفنية الإشرافية للامتحانات، سيتولى جميع المهام المتعلقة بإجراءات التسجيل، وتنظيم مراكز الامتحانات، وإعلان الجداول، والإشراف على سير الامتحانات.

بينما أعربت لجنة المعلمين السودانيين – وهي كيان نقابي مستقل – عن رفضها للخطوات الأخيرة من طرفي الحرب بخصوص امتحانات الشهادة الثانوية لهذا العام، وجدّدت تحذيرها مما وصفته بـ "تعدد مراكز القرار" في ملف امتحانات الشهادة الثانوية، وربطها بمناطق السيطرة العسكرية.

مع انقسام البلاد إلى مناطق نفوذ متباينة، أصبح الوصول إلى المدارس والامتحانات مرتبطاً بالموقع الجغرافي أكثر من ارتباطه بحقوق الطلاب، حيث تُغلق مؤسسات تعليمية في مناطق، وتُفتح بشروط مختلفة في أخرى

من شأن ذلك أن يفتح الباب عملياً أمام واقع تعليمي منقسم، يؤشر إلى انفصال فعلي للدولة السودانية، حتى وإن لم يُعلن رسمياً. ورأت اللجنة أن ما يجري اليوم، في ظل صراعات "حكومة بورتسودان وحكومة نيالا"، ومحاولة كل طرف تثبيت موقعه كحكومة كاملة الصلاحيات داخل نطاق سيطرته عبر بوابة امتحانات الشهادة الثانوية، يترجم المخاوف التي ظلوا ينبهون إليها منذ وقت مبكر.

لم يقتصر رفض فكرة الامتحانات الموازية في السودان على القوى التعليمية والمجتمعية داخل البلاد، بل امتد إلى المستوى الدولي، حيث عبّر الاتحاد الأوروبي عن موقف رافض لمثل هذه الخطوات التي تهدد وحدة النظام التعليمي.

استند هذا الرفض إلى مخاوف تتعلق بتكريس للانقسام الجغرافي والسياسي، الأمر الذي يضع مستقبل الطلاب أمام مخاطر حقيقية؛ حيث أكد ممثل الاتحاد الأوروبي في السودان ولفرام فيتر، على ضرورة الحفاظ على التعليم ومستقبل الشباب في السودان وحمايتهما، وعدم تعريضهما للخطر بسبب الصراع. وقال إن تنظيم امتحانات موازية في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع يُعد دعوة ضمنية للانفصال، وجدّد دعم الاتحاد الأوروبي لوحدة السودان ورفض الكيانات والأنظمة التعليمية الموازية.

تفكيك ممنهج

لقد تحولت امتحانات الشهادة السودانية، وفقاً للكاتب والباحث الشفيع خضر، من استحقاق تعليمي إلى ملف سياسي، يُستخدم في معركة الشرعية بين طرفي الحرب، وأن كل طرف يسعى إلى إثبات قدرته على إدارة الدولة داخل مناطق سيطرته، ويجعل من التعليم إحدى أدوات هذا الإثبات، غير عابئ بأنه يكرّس جيلاً كاملاً من الضياع. ويضيف خضر في مقال منشور: "لكن الأمر أخطر من مجرد أزمة تعليمية؛ إنه تفكيك ممنهج لأحد أعمدة الدولة الوطنية. فالتعليم الموحد كان دائمًا أحد أهم العوامل التي تحفظ وحدة الوجدان الوطني، لأنه يخلق التواصل والتجربة المشتركة بين الأجيال".

حين ينقسم التعليم، وهو أحد أهم مؤسسات الدولة الوطنية، فإن ذلك يضعف الروابط المشتركة بين المواطنين ويهيئ الأرضية الذهنية والوجدانية لتقسيم السودان إلى دولتين. وأنه قد بدأت بالفعل تظهر ملامح ما يمكن تسميته بـ"الانفصال الوجداني" بين المجتمعات التي تعيش تحت السلطتين.

يعتقد خضر أن تحييد التعليم وإبعاده عن الصراع يجب أن يصبح الأولوية العاجلة، وفي مقدمة أجندة أي قوى، دولية أو إقليمية، تسعى لتقدم الدعم الإنساني للسودان. بل إن بعض التجارب الدولية تشير إلى أن التعاون في الملفات الإنسانية والتعليمية يمكن أن يشكل مدخلاً لخفض التوتر وتهيئة الأرضية لوقف الحرب.

أصبح التعليم نفسه أحد انعكاسات الصراع وأدواته، بدل أن يكون مساحة محايدة تحفظ تماسك المجتمع ومستقبل أجياله

الأكاديمي وأستاذ الدراسات الإقتصادية والإجتماعية صديق أمبده، استعرض تشريحاً عميقاً للأزمة، خلال تدشين المبادرة الوطنية لإنقاذ مستقبل طلاب الشهادة السودانية، واصفاً ما يحدث حالياً بأنه استمرار لمظالم تاريخية وفجوات تعليمية هيكلية؛ إذ استدعى أرقاماً صادمة تعود الى منتصف الثمانينات ولا تزال مستمرة، تظهر تفاوت نسب الاستيعاب بين الأقاليم، محذراً من أن حرمان هؤلاء الطلاب اليوم سيعيد إنتاج ذات المظالم، ويغذي جذور الصراع المستقبلي. ونوه إلى أن نسبة استيعاب التلاميذ في المرحلة الثانوية في الخرطوم والإقليم الشمالي تبلغ 40 ٪ من جملة الأطفال في سن الدراسة، بينما بلغت النسبة في كافة أقاليم دارفور 9 ٪.

احصائيات في زمن الحرب

تكشف بيانات أعداد الجالسين لامتحانات الشهادة السودانية عن مسار متقلب يعكس بوضوح تأثير الحرب على العملية التعليمية؛ إذ انخفض العدد من 510,938 طالباً في عام 2022 - تاريخ آخر امتحان قبل الحرب - إلى 343,644 في 2024 – بعد نحو عام ونصف من اندلاع الحرب - بنسبة تراجع بلغت نحو 32.7٪، ثم واصل الانخفاض الحاد إلى 209,272 في 2025 بنسبة 39.1٪، وهو ما يعكس ذروة تأثير الاضطرابات الأمنية والنزوح وتعطل المؤسسات التعليمية.

شهد العام الجاري قفزة استثنائية بارتفاع عدد الطلاب المسجلين لأداء الامتحان إلى 544,274 طالباً، بنسبة زيادة تجاوزت 160٪ مقارنة بالعام السابق، في مؤشر على عودة أعداد كبيرة من الطلاب، ربما نتيجة تراكم دفعات مؤجلة أو محاولات استدراك الفاقد التعليمي.

ورغم أن المحصلة الإجمالية تُظهر زيادة طفيفة مقارنة بعام 2022، فإن هذا التذبذب الحاد يكشف أن التعليم في السودان بات رهينة مباشرة لتقلبات الحرب، وليس مساراً مستقراً يخضع للتخطيط التربوي الطبيعي.