تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 9 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
فكر

الثقافة بوصفها بنية تحتية: ملامح التحوّل القاري في أفريقيا المعاصرة

29 نوفمبر, 2025
الصورة
الثقافة بوصفها بنية تحتية: ملامح التحوّل القاري في أفريقيا المعاصرة
Share

ما الذي يعنيه أن تقف أفريقيا اليوم أمام مرآتها، لا لتستعيد ملامحها القديمة، بل لتسائل صورتها المقبلة؟ وهل يمكن لقارةٍ لطالما حُمّلت بروايات الآخرين - استعمارًا، وتأويلًا، وتخييلًا - أن تستعيد طريقتها الخاصة في رواية ذاتها، وأن تجعل من السياحة والثقافة بوابتين لإعادة ترتيب علاقتها بتاريخها ومستقبلها؟

تبدو هذه الأسئلة ملحّة أكثر من أي وقت مضى. فالقارة التي تمتدّ من "كيب تاون" إلى "طنجة"، ومن "لومي" إلى "نيروبي"، تحمل في داخلها طاقة بشرية هائلة، وإرثًا ثقافيًا متشعبًا، واقتصادًا إبداعيًا يتسع يومًا بعد يوم. ولكن هل يكفي هذا الفيض لخلق نهضة؟ أم أن النهضة لا تولد من الموارد وحدها، بل من قدرتها على أن تُجمع، وأن تُمنح وجهة، وأن تُصاغ في مشروع قاري يعيد ترتيب الأولويات ويمنح للتاريخ معنى جديدًا؟

وفي ظل هذا المشهد، يبرز سؤال آخر لا يقل إلحاحًا: هل يمكن لمفاهيم مثل "السياحة الإصلاحية" أن تُحدث نقلة نوعية، تُعيد إلى المجتمعات الأفريقية دورها المركزي في إدارة تراثها وصوره ومعانيه؟

إن هذه اللحظة التي تعيشها أفريقيا ليست مجرد نشاط جديد في أجندة ثقافية؛ هي لحظة تساؤل عميق حول الكيفية التي تريد القارة أن تُرى بها، وحول القدرة على تحويل مخزونها الثقافي والإنساني إلى قوة ناعمة تبني وتوحّد، وتُسهم في إعادة توازن السردية العالمية. ومع كل خطوة نحو هذا المسار، يظل السؤال مفتوحًا: هل ستتمكن أفريقيا من تحويل هذا التساؤل إلى فعل، وهذا الوعي إلى رؤية، وهذه الرؤية إلى مستقبل يصنعه أبناؤها بأيديهم؟

في هذا السياق يشكل "Africa Celebrates 2025" واحدا من أبرز الفعاليات القارية التي تجمع الإبداع الأفريقي في فضاء واحد، تلتقي فيه الموضة بالفن، والتراث بالموسيقى، والدبلوماسية الثقافية بالاقتصاد الإبداعي، في حدث يُراد له أن يكون مرآة لوجه أفريقيا الجديد. تنظم هذه الفعالية تحت رعاية لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا (UNECA)، وتعمل على إبراز ثراء القارة وهويتها المعاصرة من خلال منصات للعرض، وحلقات نقاش، وشراكات دولية وإقليمية. تهدف المبادرة إلى تعزيز التعاون الثقافي بين الدول الأفريقية، وتطوير الصناعات الإبداعية تحت راية «صُنع في أفريقيا»، وبناء جسور بين أفريقيا وشتاتها حول العالم.

لقد قدم دين بوراِيما، رئيس المجلس الدولي الأفريقي للسياحة والاقتصاد خطابًا بمثابة "دعوة ثقافية" لإعادة تخيّل القارة. بدا كمن يضع لبنة جديدة في سردية أفريقيا باعتبارها فضاءً إنسانيًا يبحث عن جسر بين الكرامة والذاكرة، وبين الرؤية الاقتصادية والهوية الثقافية. لقد كان حديث بوراِيما يتجاوز لغة الأرقام والتوقعات؛ كان يستنطق روح أفريقيا، ويدعوها إلى أن تحكي ذاتها من جديد، وأن تستعيد موقعها في العالم ليس بوصفها مكانًا يزوره الآخرون، بل كقوة قادرة على صياغة معايير السياحة، ومعاني حضور الإنسان في أرضه وتاريخه.

لعل القوة الحقيقية لأفريقيا اليوم تكمن في جرأتها على التساؤل… وفي قدرتها على تحويل السؤال إلى رؤية، والرؤية إلى مستقبل

لا شك أن خطاب دين بوراِيما مجرّد مجموعة من الرسائل المتفرّقة كان محاولة لرسم خريطة فكرية تُعيد أفريقيا إلى مركز روايتها. ففي حديثه عن الثقافة والسياحة، بدا واضحا أنّه لا ينظر إليهما بوصفهما قطاعين منفصلين، وإنما بحسبانهما بنية واحدة، تُشكّل في مجموعها "النسيج الحيّ" لهوية القارة. فالثقافة في تصوّره ليست زينة تُعرض على الهامش، وإنما بنية تحتية للذات الأفريقية، قادرة على وصل ما انقطع بين شعوب القارة، عبر لغاتها المتعدّدة، موسيقاها العابرة للحدود، طقوسها الممتدة في الزمن، وأساطيرها التي ما تزال تحفظ ذاكرة مشتركة تتردد أصداؤها من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهندي. إنّه يرى في الثقافة قوة توحيدية، يمكن أن تصبح السياحة أحد منافذها الكبرى نحو العالم.

يلفت بوراِيما في محور ثانٍ، الأنظار إلى قوة الاقتصاد الإبداعي، ذلك القطاع الذي يتنامى بصمت لكنه يشكّل اليوم أحد أعمدة النهضة الأفريقية. أما الرسالة الثالثة، فهي الأكثر جرأة: مفهوم "السياحة الإصلاحية" أو "السياحة المُرمِّمة"، الذي يطرحه بوراِيما بوصفه إطارًا نظريًا جديدًا للحوار القاري. هذا النموذج لا يهدف إلى الترفيه وحده، بل يذهب إلى معالجة الأسئلة المؤلمة في تاريخ أفريقيا: آثار الاستعباد والجروح الاستعمارية ومسارات الشتات الأفريقي. يسعى هذا التصوّر إلى ربط القارة بأبنائها حول العالم، لا من موقع الحنين فقط، بل من موقع الندية والمسؤولية المشتركة. كما يدعو إلى إعادة توزيع الموارد السياحية بما يخدم المجتمعات المحلية، ويحوّل الذاكرة من عبء تاريخي إلى رأسمال ثقافي واقتصادي يساهم في صناعة مستقبل مختلف.

بهذا، يُقدّم بوراِيما نموذجًا للسياحة لا يتهرّب من التاريخ، بل يشتبك معه، ولا يكتفي بتجميل صورة أفريقيا، بل يستعيد كرامة الإنسان الأفريقي أينما كان.

ساحة للتجريب والابتكار: حين تتحوّل الفعالية إلى مختبر قاري

لم تكن فعالية "Africa Celebrates 2025"مجرد احتفال عابر، بل بدت أشبه بساحة واسعة تُختبر فيها إمكانيات القارة الإبداعية، وتلتقي داخلها مسارات متباينة لبناء رؤية ثقافية جديدة. فقد جمعت المنصة بين مُصمّمي الموضة الذين يحملون جماليات أفريقيا المتحوّلة، والفنانين الذين ينسجون قصصها بألوانهم وأصواتهم، وصنّاع السياسات الذين يبحثون عن إطار مؤسسي لهذه الحيوية الثقافية، إلى جانب المؤسسات الدولية، وممثلي الدول الأفريقية، والشتات الذي لطالما حمل ذاكرة القارة خارج حدودها الجغرافية.

الثقافة ليست زينة تُعرض على الهامش، وإنما بنية تحتية للذات الأفريقية، قادرة على وصل ما انقطع بين شعوب القارة، عبر لغاتها المتعدّدة، موسيقاها العابرة للحدود، طقوسها الممتدة في الزمن، وأساطيرها التي ما تزال تحفظ ذاكرة مشتركة تتردد أصداؤها من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهندي

هذا التنوع لم يكن مجرد زخرفة تنظيمية؛ لقد جاء في إطار رؤية ترعاها UNECA، تسعى إلى تحويل هذه التوليفة البشرية والمؤسساتية إلى مشروع استراتيجي متكامل. رؤية تضع أمامها أهدافًا واضحة: تعزيز التعاون الثقافي بين أكثر من أربعين دولة أفريقية؛ دعم الصناعات الإبداعية تحت شعار «صُنع في أفريقيا»؛ بناء دبلوماسية ثقافية ذات حضور عالمي عبر شراكات مع اليونسكو والاتحاد الأفريقي؛ وتفعيل اتفاقيةZLECAF في بعدها الثقافي، بما يتيح انسياب المبادلات الفنية والمعرفية داخل القارة.

وفي قلب هذا الحراك، جاء نداء دين بوراِيما واضحًا: أن تستعيد أفريقيا حقها في صياغة رؤيتها السياحية، وأن تتحرر من الروايات الجاهزة التي رسمها الآخرون عنها. فالقارة - كما يشير - قادرة على أن تقدّم للعالم نموذجًا مختلفًا للسياحة، يستند إلى الابتكار والكرامة والذاكرة، ويُعيد رسم صورتها بوصفها قوة حضارية تتقدم إلى المستقبل بثقة واتزان.

لماذا يكتسب هذا الخطاب أهميته؟

تتجلّى أهمية خطاب دين بوراِيما حين يُوضع ضمن المشهد الأفريقي الراهن، مشهد يتشابك فيه الواعد بالمعطل، والقوي بالمنفلت، والطاقة الكامنة بغياب الإطار المنظّم. فالقارة اليوم تقف أمام معطيات ديمغرافية وثقافية واقتصادية غير مسبوقة: أكثر من ٪60من سكانها دون سن الخامسة والعشرين، بحسب البنك الأفريقي للتنمية (2023)، ما يعني أن أفريقيا تُعدّ أصغر منطقة عمرية في العالم وأكثرها قابلية لإنتاج المستقبل. وفي الخارج، يمارس الشتات الأفريقي دوره بوصفه امتدادًا اقتصاديًا وثقافيًا للقارة، إذ يضخّ سنويًا أكثر من 95 مليار دولار وفق بيانات البنك الدولي (2024)، مما يجعل منه أحد أكبر منابع رأس المال الاجتماعي والمالي المتاح للنهضة.

لن تولد النهضة الأفريقية من الموارد وحدها، وإنما من القدرة على جمعها، ومنحها وجهة، وصياغتها في مشروع واحد لقارة تتسع لأحلامها

تحتضن أفريقيا على المستوى الثقافي، الكثير من المهرجانات السنوية، إلا أن هذا هذا الزخم لا يتحوّل دائمًا إلى سياسة مستدامة أو إلى منظومة اقتصادية قادرة على توليد القيمة داخل المجتمعات المحلية. ومن هنا تنبع أهمية خطاب بوراِيما. فهو لا يكتفي بتعداد هذه الحقائق، بل يسعى إلى تحويلها إلى كتلة فاعلة، إلى طاقة مؤسسية قادرة على صياغة مشروع سياحي وثقافي متكامل.

أي مستقبل تكتبه أفريقيا لنفسها؟

بعد كل ما طُرح، يبقى السؤال معلقًا في فضاء القارة كما لو كان دعوة للتأمل: هل ستتمكن أفريقيا من تحويل هذه الطاقات المتناثرة؛ شبابها الواسع، شتاتها الفاعل، اقتصادها الإبداعي، وثراء ذاكرتها؛ إلى مشروع واحد متماسك يعيد لها مركزية صوتها في العالم؟ وهل تستطيع فعالية مثل Africa Celebrates 2025، ومعها خطاب دين بوراِيما، أن تكون أكثر من احتفال سنوي؛ أن تتحول إلى بوصلة تعيد رسم علاقة القارة بذاتها، بصناعاتها الثقافية، وبسياحتها التي لم تعد تُختزل في المشاهد الطبيعية، بل باتت مرآة لكرامة الإنسان الأفريقي وذاكرته؟

ثم ماذا عن السياحة الإصلاحية التي دعا إليها بوراِيما؟ هل ستجد طريقها إلى مؤسسات القارة، أم ستظل فكرة جريئة تنتظر إرادة سياسية واقتصادية قادرة على تحويلها إلى واقع؟ وهل تستطيع أفريقيا أن تكتب روايتها بنفسها بعدما طالما كُتبت عنها من الخارج؟

إن الأسئلة أكثر من الإجابات، لكن ربما تكمن القوة الحقيقية في هذا المسار: أن تتجرأ القارة على السؤال، وأن تجعل منه مدخلًا لبناء مستقبلٍ يليق بثقافاتها، بإبداعها، وبالإنسان الذي يحمل اسمها وذاكرتها عبر العالم.