الأربعاء 12 أغسطس 2026
أعلنت المملكة العربية السعودية عن مبادرة لتشكيل تحالف دفاع بحري متعدد الجنسيات يهدف إلى تعزيز أمن البحر الأحمر وحماية حرية الملاحة الدولية، في خطوة تأتي في ظل تصاعد التهديدات التي تواجه حركة السفن التجارية وخطوط إمدادات الطاقة في أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
بحسب الإعلان الصادر عن وزارة الدفاع السعودية، والذي نقلت تفاصيله وكالة رويترز، يهدف التحالف إلى تعزيز الأمن البحري، وحماية حرية الملاحة، وتأمين طرق التجارة الدولية وخطوط إمدادات الطاقة، إضافة إلى حماية المصالح البحرية المشتركة للدول المشاركة في منطقة البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.
أفادت رويترز بأن ممثلين عن 43 دولة والاتحاد الأوروبي شاركوا في اجتماع ناقش المبادرة، فيما أعلنت 14 دولة تأييدها للتحالف، من بينها تركيا وباكستان ومصر والسودان وجيبوتي والصومال. كما أشارت الوكالة إلى أن السعودية ستكون الدولة المؤسسة والقائدة للتحالف، وأنها ستستضيف مقره.
يأتي الإعلان عن التحالف في وقتٍ تشهد فيه منطقة البحر الأحمر تصاعدا في المخاطر الأمنية، بعد هجمات استهدفت سفنا تجارية، وأثّرت على حركة الملاحة في واحد من أكثر الممرات البحرية أهمية للتجارة العالمية.
ذكرت رويترز أن المبادرة السعودية جاءت في أعقاب تصاعد التهديدات المرتبطة بهجمات الحوثيين على الملاحة، والتي دفعت الرياض إلى البحث عن إطار تعاون دولي لحماية حركة الشحن والطاقة في المنطقة.
يعكس توقيت الإعلان انتقال ملف أمن البحر الأحمر من كونه قضية مرتبطة بحماية السفن فقط إلى ملف أوسع يتصل بالتوازنات الإقليمية، وأمن الطاقة، واستقرار سلاسل الإمداد العالمية.
يُعد البحر الأحمر أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يربط بين البحر المتوسط والمحيط الهندي عبر قناة السويس ومضيق باب المندب، ويشكل طريقا رئيسا لحركة التجارة بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط.
إن أي اضطراب أمني في هذه المنطقة يتجاوز تأثيره الدول المشاطئة، ليصل إلى الأسواق الدولية، وهو ما يفسر اهتمام القوى الإقليمية والدولية بإيجاد ترتيبات أكثر فاعلية لحماية الملاحة
تنبع أهمية باب المندب من موقعه الجغرافي بوصفه نقطة عبور استراتيجية بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، ما يجعل أمنه مرتبطا مباشرة بحركة التجارة العالمية وشحنات الطاقة؛ ولهذا فإن أي اضطراب أمني في هذه المنطقة يتجاوز تأثيره الدول المشاطئة، ليصل إلى الأسواق الدولية، وهو ما يفسر اهتمام القوى الإقليمية والدولية بإيجاد ترتيبات أكثر فاعلية لحماية الملاحة.
يمثل إنشاء التحالف محاولة سعودية لتعزيز الدور الإقليمي في إدارة أمن البحر الأحمر، عبر بناء إطار متعدد الأطراف يضم دولًا ترتبط مصالحها مباشرة باستقرار هذا الممر البحري.
تمنح الجغرافيا المملكة موقعًا محوريا في هذه المعادلة، باعتبارها دولة مطلة على البحر الأحمر، وذات ارتباط مباشر بأمن خطوط الملاحة والطاقة في المنطقة.
يعكس توقيت الإعلان انتقال ملف أمن البحر الأحمر من كونه قضية مرتبطة بحماية السفن فقط إلى ملف أوسع يتصل بالتوازنات الإقليمية، وأمن الطاقة، واستقرار سلاسل الإمداد العالمية
كما أن طبيعة التحالف المقترحة تشير إلى رغبة في الانتقال من التعامل مع التهديدات البحرية بصورة منفردة أو ظرفية إلى بناء آلية تعاون تشمل تبادل المعلومات والتنسيق بين الدول المشاركة.
غير أن نجاح هذا الإطار سيعتمد على وضوح مهامه، وطبيعة التزامات أعضائه، وقدرته على الحفاظ على توافق سياسي وعسكري بين دول تختلف أحيانًا في أولوياتها الإقليمية.
رغم الأهداف المُعلنة للتحالف، فإنّ بناء منظومة أمن بحري متعددة الجنسيات يواجه تحديات معقدة؛ أبرزها ما يتعلق بتحديد طبيعة الدور العملياتي للتحالف، وما إذا كان سيقتصر على حماية الملاحة والتنسيق الأمني، أم سيتطور إلى دورٍ عسكري أوسع في مواجهة التهديدات البحرية.
كما أنّ أمن البحر الأحمر لا يرتبط فقط بالقدرات البحرية، بل يتأثر أيضًا بالأوضاع السياسية والأمنية في الدول المُطلة عليه، خصوصًا اليمن والسودان ومنطقة القرن الأفريقي.
ويتمثل التحدي الأكبر في الحفاظ على طابع دفاعي واضح للتحالف، بما يضمن حماية الملاحة الدولية دون أن يتحول إلى طرف مباشر في صراعات إقليمية أوسع.
يُثير غياب إريتريا عن قائمة الدول الأربع عشرة المؤيدة للتحالف تساؤلات جِدّية، بالنظر إلى موقعها الاستراتيجي على البحر الأحمر، وامتلاكها ساحلًا طويلًا عليه، إضافة إلى علاقاتها السياسية المُتنامية مع كلٍّ من السعودية ومصر خلال السسنوات الأخيرة.
إن أي اضطراب أمني في هذه المنطقة يتجاوز تأثيره الدول المشاطئة، ليصل إلى الأسواق الدولية، وهو ما يفسر اهتمام القوى الإقليمية والدولية بإيجاد ترتيبات أكثر فاعلية لحماية الملاحة
لغياب تصريحات رسمية، حتى الآن؛ تُفسِّر موقف أسمرة؛ فإن قراءة أسباب عدم انضمامها للتحالف تبقى في نطاق التحليل. وقد يرتبط ذلك بالنهج الإريتري التقليدي القائم على الحفاظ على هامش واسع من الاستقلالية في السياسة الخارجية والامتناع عن إصدار تصريحات متعجّلة، أو بالرغبة في انتظار وضوح أكبر حول هيكل التحالف وأهدافه وطبيعة دوره قبل اتخاذ قرار نهائي.
لا تشير المعطيات المتاحة إلى أن غياب إريتريا يمثل بالضرورة خلافًا مع الرياض أو القاهرة، خصوصًا في ظل استمرار العلاقات الثنائية والتنسيق الإقليمي بين الأطراف المختلفة.
يمثل تحالف الدفاع البحري متعدد الجنسيات بقيادة السعودية محاولة لإعادة صياغة مقاربة الأمن في البحر الأحمر في مرحلة تتزايد فيها أهمية الممرات البحرية في الحسابات الدولية.
وسيكون الاختبار الحقيقي للتحالف في قدرته على تحويل الإعلان السياسي إلى آلية عملية للتعاون البحري، تجمع بين حماية الملاحة الدولية وإدارة التعقيدات السياسية والأمنية المحيطة بالمنطقة.
وفي ظل استمرار التنافس على النفوذ في البحر الأحمر، قد يصبح هذا التحالف أحد مكونات المشهد الأمني الجديد للمنطقة، إذا نجح في بناء توافق طويل الأمد بين الدول المشاركة، وتحويل أهدافه المعلنة إلى ترتيبات عملية قابلة للاستمرار.