تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 13 فبراير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

الطفولة المسلوبة: واقع الأطفال الأفارقة في الصراعات المسلحة

18 أبريل, 2025
الصورة
Geeska cover
Share

في ظل الصراعات المزمنة التي تشهدها القارة الأفريقية والنزاعات العسكرية والحروب الأهلية المشتعلة بين أبناء البلد الواحد، برزت ظاهرة أكثر خطورة، ألا وهي، تجنيد الأطفال في الصراعات المسلحة، وتُعد هذه الظاهرة واحدة من أكثر الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، حيث تُستغل الطفولة البريئة في حروب لا ناقة لها فيها ولا جمل. ويتحول آلاف الأطفال إلى أدوات في أيدي الجماعات المسلحة، سواءً كانت ميليشيات متمردة أو حتى قوات حكومية في بعض الحالات. 
تتصدر أفريقيا المشهد العالمي في عدد الأطفال المجندين، وتحتوي على 40٪ من الأطفال المجندين في العالم، يُجبرون على حمل السلاح، والعمل كجواسيس، ناهيك عن تعرضهم للاستغلال الجنسي والعنف الجسدي والنفسي. تُظهر الإحصائيات أن دولًا مثل: الصومال والسودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومالي تسجل أعلى معدلات تجنيد الأطفال، وسط غياب آليات حماية فعالة. 


تجنيد الأطفال بين شرق أفريقيا والساحل الأفريقي

يقدر التقرير السنوي للأمين العام للأمم المتحدة بشأن الأطفال والصراعات المسلحة، الذي نُشر في يونيو/حزيران 2024 عدد الأطفال الأفارقة الذين جُندوا للمشاركة في النزاعات الأفريقية عام 2023 بـ 8655 طفلًا. والمثير أن من بين هؤلاء من لا تتجاوز أعمارهم خمس سنوات، ممن أُجبروا على الانضمام.
تزايد عدد الأطفال المجندين في دول شرق أفريقيا، في السنوات الأخيرة، بشكل مُطرد من قبل الجماعات المسلحة، وأحيانًا الجيوش النظامية. وكان النزاعات المشتعلة في المنطقة وهشاشة الحكومات عاملا يساعد على تغذيتها، في تجاهل تام لكافة القوانين الدولية والإنسانية المعنية بحقوق الأطفال. 


لجأت حركة الشباب إلى تكثيف تجنيد الأطفال المحليين بعد تراجع أعداد المقاتلين الأجانب وفقدانها لسيطرتها على بعض المناطق. كما وسعت من نطاق استهدافها ليشمل أبناء المجتمعات الموالية للحكومة


تُعد الصومال أحد أكثر الدول تأثرًا بظاهرة تجنيد الأطفال في شرق أفريقيا، حيث تشكل الفئة العمرية بين 12 و24 عامًا الغالبية العظمى من المجندين الجدد في صفوف حركة الشباب المصنفة إرهابيًا، والتي تنشط عملياتها الإرهابية في منطقة القرن الأفريقي، ولا سيما في الصومال. فقد أفاد تقرير صادر عام 2018، عن منظمة هيومن رايتس ووتش، أن مسلحي حركة الشباب الصومالية يجبرون المجتمعات الريفية في الصومال على تسليم أطفال تصل أعمارهم إلى 8 سنوات التدريب العسكري.
تشير البيانات إلى أن الحركة كانت مسؤولة عن 75٪ من حالات تجنيد الأطفال المسجلة، بين يناير/ كانون الثاني ويونيو/ حزيران 2020، مع تركّز معظم هذه الحوادث في مناطق جوبا الوسطى وشبيلي السفلى وباي. تعززت الظاهرة بشكل لافت بين يناير/ كانون الثاني ومارس/ أذار 2022، حيث قام الحركة 177 حالة تجنيد، و192 حالة اختطاف وجميعها مرتبطة بعمليات التجنيد. ويُجبر الأطفال المجندون على أداء مجموعة واسعة من المهام، تتراوح بين المشاركة المباشرة في القتال، والدعم في العمل كمساعدين وجواسيس وطهاة، أو تقديم الدعم اللوجستي.
لجأت الحركة إلى تكثيف تجنيد الأطفال المحليين بعد تراجع أعداد المقاتلين الأجانب، وفقدانها لسيطرتها على بعض المناطق. كما وسعت من نطاق استهدافها ليشمل أبناء المجتمعات الموالية للحكومة، حيث يتم اختطافهم وإجبارهم على الانضمام للحركة. وتستخدم الحركة أساليب ضغط متعددة، منها إجبار العائلات التي لم تتمكن من دفع "الضرائب" (الدينية) لحركة الشباب على تسليم أطفالها للحركة. كما استهدفت جهود التجنيد التي شنتها حركة الشباب الأطفال الأيتام وأطفال مخيمات النازحين داخليًا.


فقد تم استخدم جيش جبهة تحرير شعب تيجراي الأطفال الجنود في إثيوبيا كدروع بشرية، ووضعهم على خطوط المواجهة في ساحة الحرب


في جمهورية الكونغو الديمقراطية، نجد الأطفال يُجنّدون قسرًا، ويُسلّحون وأحيانا يُعدمون في شرق الجمهورية، في تصعيدٍ مروّع للعنف، حيث أدى تقدم حركة "23 مارس" المدعومة من رواندا إلى جنوب كيفو إلى إدخال المنطقة في أزمة أمنية وإنسانية معقدة، مما أدى إلى نزوح آلاف السكان. وقد أكّدت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وقوع حالات إعدامٍ ميدانيٍّ للأطفال، على يد قوات حركة "23 مارس" عقب دخولها بوكافو، في فبراير/ شباط 2025.  كما أشار تقرير آخر إلى استخدام الأطفال كمقاتلين لدعم العمليات المسلحة للحركة في جمهورية الكونغو.
إلى الجارة الإثيوبية، لم تغب ملامح تجنيد الأطفال عن مجريات الحرب الأهلية في إثيوبيا التي بدأت 2020، واستمرت لعامين، فقد استخدم جيش جبهة تحرير شعب تيجراي الأطفال الجنود في إثيوبيا دروعا بشرية، ووضعهم على خطوط المواجهة في منطقة الحرب. لكن الجبهة تنفي جبهة أيا من هذه الاتهامات المُثبتة، مُؤكدةً أن الأطفال يُستخدمون فقط لجمع الأسلحة المُتبقية.
تم تجنيد الأطفال من قبل الميليشيات والحكومة في حربهما المزعومة، وذلك ووفقًا لتقرير إثيوبيا لعام 2022 حول ممارسات حقوق الإنسان في إثيوبيا، الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية، إلا أن الحكومة الإثيوبية نفت هذه المزاعم. يعد معظم الأطفال المتضررين الذين اختُطفوا وجُنِّدوا قسرًا من فتيات تعرضن للاغتصاب والعنف الجنسي، وتم شراؤهن وبيعهن والاتجار بهن.
لا يختلف الوضع كثيرًا في منطقة الساحل الأفريقي، بل يزداد سوءًا، وأحيانًا كثيرة تعد منطقة الساحل هي البؤرة الأكثر زخمًا بالأطفال المجندين، فقد أوضحت منظمة اليونيسيف أنه خلال الفترة (2010- 2019) تضاعف عدد الأطفال المجندين في غرب أفريقيا لأكثر من 3 مرات، وأن جماعة بوكو حرام وحدها استخدمت أكثر من 135 طفلاً لتنفيذ عمليات إرهابية في نيجيريا.
مؤخرًا، نشر الأمين العام تقريره الخامس عن حالة الأطفال والنزاع المسلح في مالي، في يناير/ كانون الثاني 2025، والذي يغطي الفترة من أبريل/نيسان 2022 إلى مارس/ آذار 2024. تحققت الأمم المتحدة، خلال هذه الفترة، من 2091 انتهاكًا جسيمًا ضد 1782 طفلاً. وقد ظل تجنيد الأطفال، واستخدامهم أبرز الانتهاكات الجسيمة.

تجنيد الأطفال ولعنة الحرب في السودان

ارتبط تجنيد الأطفال ارتباطًا وثيقًا بمجريات الحرب الأهلية في السودان، حيث تسبب الصراع الدائر في السودان على خلفية الحرب الأهلية بين القوات المسلحة السودانية بقيادة البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة حميدتي منذ أبريل/ نيسان 2023 في أزمة حادة في حماية الأطفال. فقد تعرّض ملايين الأطفال السودانيين لعنف وحشي نتيجة الهجمات العشوائية والمتعمدة التي شنتها القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع على المدنيين والبنية التحتية المدنية. وشهد الكثيرون منهم مقتل عائلاتهم، وتدمير منازلهم، وإبادة قرى بأكملها. كما تعرض أكثر من200  طفل للاغتصاب.
لقد أدت هذه البيئة المعادية، إلى جانب الأزمة الإنسانية المتفاقمة، إلى جعل الأطفال عرضة للعصابات الإجرامية المنظمة، وخطر التجنيد من قبل الأطراف المتصارعة. وبدأت القوات المسلحة السودانية بتسليح الأطفال في الوقت الذي يتجه فيه الصراع إلى حافة الحرب الأهلية الشاملة، بحسب ما ذكرته مصادر لصحيفة التلغراف. وفي الآونة الأخيرة، تم تسليم بنادق آلية لأطفال، ربما لا تتجاوز أعمارهم عشر سنوات، في ولاية نهر النيل في البلاد. 


قد يرى الأطفال الانضمام إلى جماعة مسلحة طريقا لتحسين وضعهم المعيشي، وتعزيز أمنهم الشخصي. كما تلعب العادات والتقاليد دورًا هامًا في تشجيع الأطفال على الانضمام إلى الجماعات المسلحة


كما أن هناك تزايدا في وتيرة تجنيد الأطفال من قبل قوات الدعم السريع، حيث تم توثيق 200 حالة تجنيد للأطفال منذ منتصف أبريل/ نيسان 2023 عندما اندلعت الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع. وبحسب ضابطان في الاستخبارات العسكرية السودانية فإن عدد الأطفال المجندين في قوات الدعم السريع يقدر بما يتراوح بين 8 آلاف و10 آلاف طفل.
وثّق المركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام، وهي منظمة حقوقية غير حكومية في السودان، تجنيد 20 طفلاً من قبل قوات الدعم السريع في جنوب دارفور، فضلاً عن إطلاق سراح 30 طفلاً مجندًا من قبل القوات المسلحة السودانية، وتسليمهم إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر في 15 سبتمبر/أيلول 2023.
علاوة على ذلك، تستخدم قوات الدعم السريع طريقة تزوير وثائق هوية للأطفال الجنود لتظهرهم بأعمار أكبر من مظهرهم الجسدي، حيث قام المجلس القومي لرعاية الطفولة واليونيسيف بزيارة معسكرات تدريب تابعة لقوات الدعم السريع في ولايات شمال وجنوب ووسط دارفور وجنوب كردفان في عام 2019، وكشفوا عن 30 حالة تم فيها تزوير وثائق هوية للأطفال الجنود.

لماذا الأطفال بالتحديد؟

تتنوع العوامل الكامنة وراء تورط الأطفال في الأنشطة العسكرية على صعيد القارة الأفريقية، وتأتي الظروف المحيطة بهؤلاء الأطفال وراء دفعهم إلى هذا السبيل، وفي مقدماتها الفقر الذي يجبر الأسر على تقديم أطفالها إلى الجماعات المسلحة مقابل الغذاء أو المال. قد يرى الأطفال الانضمام إلى جماعة مسلحة طريقا لتحسين وضعهم المعيشي، وتعزيز أمنهم الشخصي. كما تلعب العادات والتقاليد دورًا هامًا في تشجيع الأطفال على الانضمام إلى الجماعات المسلحة، كما هو الحال في قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية. 
من جهة أخرى، يفتح غياب الأمن وضعف أجهزة إنفاذ القانون والاستخبارات في بعض الدول الأفريقية المجال أمام الجماعات المسلحة لتجنيد الأطفال دون محاسبة. كما أن بعض الحكومات المتورطة في صراعات داخلية قد تغضّ الطرف عن هذه الممارسات أو تتورط فيها ضمن سياساتها الأمنية. وتستخدم الجماعات المسلحة تجنيد الأطفال ورقة لتفاوض أو الضغط السياسي. لأن وجود الأطفال في صفوفهم يجعل من الصعب على الحكومات أو المنظمات الدولية شن عمليات عسكرية ضدهم دون إثارة إدانات دولية أو اتهامات بارتكاب جرائم حرب، مما يوفر حماية غير مباشرة لتلك الجماعات.
على صعيد آخر، تستنزف الصراعات الطويلة أعداد كبيرة من المقاتلين، وبالتالي قد تلجأ الميليشيات إلى تجنيد الأطفال لتعويض الخسائر البشرية، مما يسمح باستمرار العمليات القتالية دون الحاجة إلى موارد خارجية. فضلاً عن أن تجنيد الأطفال وتربيتهم على الولاء للجماعة، يجعل منهم عناصر أمنية مستقبلية مضمونة. فهم يشكّلون نواةً لأجيال جديدة من المقاتلين المؤدلجين، ما يضمن استدامة التنظيمات المسلحة. علاوة على ذلك تستخدم الجماعات المسلحة الأطفال كـ "قنابل بشرية" لقلة جاذبيتهم للشبهات. وللمساعدة في أنشطة غير قتالية، مثل استخراج الموارد .

الجهود الدولية المبذولة

اتبعت الحكومات والمنظمات الدولية وهيئات المجتمع المدني عدة استراتيجيات، تبدأ بتعزيز القوانين والسياسات. فقد شرعت العديد من الدول الأفريقية في تحسين أطرها القانونية لمنع تجنيد الأطفال، من خلال مواءمة تشريعاتها الوطنية مع الاتفاقيات والمعاهدات الدولية. وأبرز الأمثلة على ذلك "خارطة الطريق" التي وقّعتها الحكومة الصومالية مع الأمم المتحدة، بهدف إنهاء تجنيد الأطفال، وإعادة دمجهم في المجتمع.
نص الميثاق الأفريقي لحقوق الطفل ورفاهيته، الذي أصبح نافذًا عام 1999، على التزام الدول الأفريقية بعدم تجنيد الأطفال. كما صنّف ميثاق روما المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية تجنيد الأطفال دون الخامسة عشرة من العمر جريمة حرب، تستوجب محاكمة المسؤولين، سواء أكانوا دولًا أم جماعات مسلحة. وفي هذا الإطار، نجحت منظمة اليونيسف خلال الفترة من 2013 إلى 2021 في الإفراج عن 3785 طفلًا، كانوا مجندين لدى الأطراف المتحاربة في جنوب السودان، وعملت على إعادة دمجهم في مجتمعاتهم.
مؤخرًا؛ انعقد مجلس السلام والأمن التابع للاتحاد الأفريقي في أديس أبابا الشهر الماضي، موجهًا نداءً قويًا لإنهاء هذه الممارسة. ولم يقتصر هدف الجلسة رفيعة المستوى على مواجهة الواقع المرير لتجنيد الأطفال فحسب، بل سعى أيضًا إلى رسم مسار نحو حلول دائمة، ومعالجة مخاطره المباشرة وعدم الاستقرار المتجذر الذي يُغذيه في جميع أنحاء القارة.
تُمثِّل أزمة تجنيد الأطفال في أفريقيا وصمة عار على جبين المجتمع الدولي، حيث تحوَّلت الطفولة إلى سلاح رخيص في صراعات الكبار. فبينما تُجفّف منابع التمويل وتُفرض العقوبات على الجماعات المسلحة، تبقى آلاف الحالات تُسجل سنويًا في الصومال والسودان والكونغو ومالي، مما يؤكد فشل الآليات الوقائية الحالية. إن مواجهة هذه الكارثة الإنسانية تتطلب تحولاً جذريًا من سياسة الإدانة إلى استراتيجية فعلية تشمل تعزيز آليات المراقبة الميدانية، وتوفير ملذات آمنة للأطفال المعرضين للخطر، وإشراك المجتمعات المحلية في صناعة الحلول. فالأطفال الأفارقة ليسوا مجرد إحصاءات في التقارير الدولية، بل مستقبلٌ للقارة يستحق الحماية.