تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 13 يونيو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

التعديلات الدستورية في الصومال: صراع الشرعية ومأزق النظام الفيدرالي

16 مارس, 2026
الصورة
التعديلات الدستورية في الصومال: صراع الشرعية ومأزق النظام الفيدرالي
Share

يشهد الصومال أزمة دستورية متصاعدة منذ أن صادق البرلمان الفيدرالي، في 04 مارس/آذار الجاري، على حزمة تعديلات دستورية شاملة، بعد أكثر من اثني عشر عاماً من اعتماد البلاد على مسودة دستور انتقالي تم إقراره عام 2012. ظل هذا الدستور المؤقت محل جدل سياسي مستمر بين القوى الفاعلة في الدولة، بسبب ما يصفه منتقدوه بعدم وضوح مبدأ الفصل بين السلطات وحدود صلاحيات كل منها.

كشفت خطوة المصادقة على التعديلات عن انقسام سياسي واضح بين مختلف القوى السياسية، سواء على المستوى الاتحادي أو في الولايات الأعضاء في النظام الفيدرالي. وفي ظل غياب مؤشرات جدية على توافق سياسي واسع لمعالجة الخلافات، يحذر مراقبون من أن استمرار الأزمة قد يقود إلى مزيد من التعقيد، وربما ينعكس سلباً على الاستقرارين السياسي والأمني، ما لم تتدخل أطراف وسيطة قادرة على تقريب وجهات النظر، وإنهاء حالة الاستقطاب الراهنة.

موقف المعارضة

قوبلت التعديلات الدستورية برفض شديد من قبل أطراف المعارضة الصومالية. فقد أعلن حزب الحلم الوطنية (Himilo Qaran)، بزعامة الرئيس الصومالي الأسبق شريف شيخ أحمد، في بيان صدر في 06 مارس/آذار الجاري، عدم اعترافه بما وصفه بـ"الدستور الجديد"، معتبراً أن صياغته كانت خارج الأطر القانونية، ومن دون مشاورات وطنية كافية مع الجهات المعنية. وأشار إلى أن أي تعديل دستوري يجري في البلاد يجب بنائه على أسس قانونية، وفقا لمواد مسودة الدستور الانتقالي.

شارك عدد من السياسيين المعارضين هذا الموقف، من بينهم السياسي عبد الرحمن عبد الشكور ورسمي، الذي شكك في قدرة الحكومة الاتحادية على فرض تطبيق الدستور المعدل على أرض الواقع، معتبرا أن النصوص الدستورية قد تُكتب وتُعتمد، لكن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرتها على التطبيق الفعلي.

يبدو أن استكمال الدستور يشكل أحد أبرز الأهداف السياسية للرئيس الحالي، الذي يسعى إلى تسجيله كإنجاز سياسي في مسيرته، باعتباره جزءاً من تعهداته الإصلاحية المرتبطة بترسيخ مؤسسات الدولة

كما اعتبر الرئيس الصومالي السابق محمد عبد الله فرماجو، أن تمرير التعديلات الدستورية في ظل غياب توافق سياسي واسع قد يفاقم عوامل الانقسام ويهدد وحدة البلاد، مشيراً إلى أن مقاطعة عدد من رؤساء الولايات وبعض أعضاء البرلمان لجلسات المصادقة تمثل مؤشراً واضحاً على غياب الإجماع السياسي والاجتماعي اللازم لمنح هذه التعديلات شرعية وطنية.

موقف المؤسسات الدستورية

في المقابل، ترى المؤسسات الدستورية في مقدمتها رئاسة الجمهورية أن الانتقال من الدستور الانتقالي إلى دستور مكتمل يمثل خطوة ضرورية لاستكمال بناء الدولة الصومالية. ورغم أن استكمال الدستور ظل عقبة رئيسية أمام الحكومات المتعاقبة منذ عام 2012، فإن الرئيس حسن شيخ محمود يتمسك بشرعية الإجراءات التي اتخذها البرلمان.

وقد وقّع الرئيس على التعديلات الدستورية في 08 مارس/آذار، لتصبح نافذة وفقاً للسلطات الاتحادية. هكذا يبدو أن استكمال الدستور يشكل أحد أبرز الأهداف السياسية للرئيس الحالي، الذي يسعى إلى تسجيله كإنجاز سياسي في مسيرته، باعتباره جزءاً من تعهداته الإصلاحية المرتبطة بترسيخ مؤسسات الدولة.

لكن أحد أبرز نقاط الخلاف التي أثارتها التعديلات الجديدة تتعلق بمدة ولاية المؤسسات الدستورية. ففي حين حدد الدستور المؤقت لعام 2012 مدة الولاية بأربع سنوات، ينص الدستور المعدل على تمديدها إلى خمس سنوات.

في هذا السياق، أعلن رئيس مجلس الشعب في البرلمان الاتحادي آدم محمد نور مدوبي أن المؤسسات الدستورية ستعمل وفق أحكام الدستور المعدل، بما يعني عملياً تمديد ولايتها لمدة عام إضافي.

غير أن هذا التفسير قوبل برفض من قبل المعارضة، التي ترى أن ولاية الرئيس الحالي تنتهي في 15 مايو/ آيار 2026 وفقاً لنصوص الدستور المؤقت. وبناءً على ذلك، لوّحت قوى معارضة بعدم الاعتراف بشرعية الرئيس بعد هذا التاريخ، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام أزمة سياسية حادة وربما فراغ دستوري، وهو سيناريو سبق أن عرفته البلاد خلال أزمات سياسية سابقة.

وقال السياسي المعارض عبد الرحمن عبد الشكور إنهم يحترمون السيد حسن شيخ محمود بصفته رئيسا لجمهورية الصومال الاتحادية ما قبل تاريخ 15 مايو 2026، وهو التاريخ الذي تنتهي فيه ولاية رئيس الجمهورية التي مدتها 4 سنوات، كما هو المنصور في مسودة الدستور الانتقالي 2012م.

توتر العلاقة بين المركز والولايات

لم تقتصر تداعيات التعديلات الدستورية على الخلاف بين الحكومة والمعارضة، بل امتدت أيضاً إلى العلاقة بين الحكومة الاتحادية والولايات الأعضاء في النظام الفيدرالي.

فقد أعلن كل من بونتلاند وجوبلاند رفضهما الاعتراف بالدستور المعدل، معتبرتين أنه تم غير قانوني، وأنه صيغ دون التشاور الكافي مع حكومات الولايات الأعضاء في الدولة الاتحادية، وأنه يفتقر إلى التوافق السياسي والاجتماعي اللازم لاعتماده كدستور دائم للبلاد.

جاء في بيان صحفي صدر في 10 مارس/ آذار، من قصر رئاسة بونتلاند، أن رئيس الولاية سعيد عبد الله دني أجرى اجتماعا موسعا مع أعضاء برلمان الولاية وبعض ممثلي الولاية في البرلمان الفديرالية، حيث جددت بونتلاند كما ورد في البيان عدم اعترافها بالتعديلات التي أجريت في الدستور، ووصفتها بأنها غير قانونية، مشيرة إلى اعتماد بونتلاند على مسودة الدستور الانتقالي 2012.

هذا الشرط إلى ضمان الولاء الكامل للدولة الصومالية، غير أنه يضع عدداً من السياسيين ثنائيي الجنسية في موقف حرج، نظراً لانتشار ظاهرة ازدواج الجنسية بين النخب السياسية الصومالية

من جهتها أصدرت ولاية جوبالاند بيانا جاء فيه أن ممثلي الولاية في البرلمان الاتحادي لم يشاركوا في جلسات التعديلات الدستورية، مشيرا إلى عدم اعتراف جوبالاند بنتائج التعديلات الدستورية؛ إذا لم تكن جزءا ضمن هذه العملية؛ التي تتطلب توافقا، ومن ثم فإن الدستور المعدل لن يصبح ساري المفعول في مناطق الولاية، حسب البيان.

كما أثارت بعض البنود الجديدة تحفظات إضافية لدى الولايات المتصالحة مع الحكومة الاتحادية، خاصة تلك المتعلقة بإعادة تعريف المناصب التنفيذية في الإدارات الإقليمية، حيث ينص الدستور المعدل على استخدام مسمى "حاكم" بدلاً من "رئيس الولاية"، وكذلك استبدال لقب "الوزراء" في حكومات الولايات بلقب "الأمناء". وترى بعض الإدارات الإقليمية أن هذه التغييرات قد تعكس توجهاً نحو تقليص الصلاحيات السياسية للولايات ضمن النظام الفيدرالي.

شرط الجنسية للمترشحين للرئاسة

من بين التعديلات اللافتة أيضاً اشتراط تخلي المرشح لمنصب رئيس الجمهورية عن أي جنسية أجنبية يحملها، في حال فوزه بالمنصب. ويهدف هذا الشرط إلى ضمان الولاء الكامل للدولة الصومالية، غير أنه يضع عدداً من السياسيين ثنائيي الجنسية في موقف حرج، نظراً لانتشار ظاهرة ازدواج الجنسية بين النخب السياسية الصومالية.

أما كيفية الانتخابات، فإن الدستور المعدل يقرر انتخاب أعضاء مجلس الشعب للبرلمان الاتحادي في انتخابات عامة يدلي فيها المواطنون بأصواتهم في الدوائر الانتخابية مباشرة، بيد أن تطبيق إجراء هذه الانتخابات في طول البلاد وعرضها أمر بعيد المنال وشبه المستحيل، نظرا إلى الظروف الأمنية وخضوع سيطرة مناطق شاسعة لمليشيات الشباب الإرهابية. بالإضافة إلى عدم إجراء أية إحصاءات وطنية عامة لمعرفة عدد سكان البلاد بشكل عام، وعدد سكان منطقة بشكل لارتباط الموضوع بصورة مباشرة بقضية إجراء انتخابات عامة.

إن الأزمة الحالية لا تكشف فقط خلافاً على مواد دستورية، بل تفضح المأزق الأعمق لبناء الدولة في الصومال المتمثل بوجود مؤسسات صورية تتحدث باسم الشرعية، في مقابل واقع سياسي لا يزال يفاوض هذه الشرعية نفسها وحدودها وشروطها

ومعلوم أن مقام العاصمة مقديشو كان من أبرز القضايا الخلافية في صياغة الدستور الوطني. ووفقا للدستور المعدل فإن العاصمة مقديشو سيكون لها أعضاء يمثلونها في مجلس الشيوخ من البرلمان الاتحادي، وهي خطوة يرحب بها سكان العاصمة مقديشو رغم اعتراض بعض الولايات على هذا التمثيل، وخاصة ولاية بونتلاند.

يبدو أن الدستور المعدل زاد لقضية مقام العاصمة مقديشو تعقيدا، حيث يحدد هذا المقام بأن يكون للعاصمة مقديشو مجلس قضائي ومجلس برلماني يسمي مجلس العاصمة؛ الذي سيمثل سكان العاصمة مقديشو؛ إذ ينتخب أعضاؤه بواسطة الشعب مباشرة في دوائر انتخابية منتشرة في مديريات العاصمة.

تتمثل مهمة هذا المجلس في سن قوانين البلدية وانتخاب عمدة العاصمة، الذي لا ترتقي صلاحياته إلى اتخاذ قرارات سياسية وأمنية، فدوره ينحصر في الشؤون الاجتماعية والاقتصادية، بما في ذلك النظافة وجمع الضرائب.

فيما تنفرد الحكومة الاتحادية بكل من الملف السياسي والأمني للعاصمة مقديشو، حيث تعين الحكومة ما وصف بـ "مسؤول رفيع" دون تحديد صفته ومسماه القانوني، الأمر الذي يعكس ازواجية واضحة، وأصل المشكلة في هذه الازدواجية هو كيفية توزيع أدوار الحكومة الاتحادية وبلدية العاصمة مقديشو، حيث ينصب اهتمام الحكومة الاتحادية في تحكمها مباشرة بكل من المجالين السياسي والأمني للعاصمة، على خلاف مناطق الولايات الأعضاء في الدولة الاتحادية.

لا تبدو الأزمة الدستورية الراهنة مجرد خلاف إجرائي حول آلية التعديل أو توقيت إقراره، بل تكشف، في جوهرها، هشاشة العقد السياسي الذي قام عليه النظام الفيدرالي منذ اعتماد الدستور المؤقت سنة 2012. فذلك الدستور لم يكن ثمرة تسوية دستورية مكتملة بقدر ما كان إطاراً انتقالياً نشأ في سياق موازين قوى داخلية ورعاية دولية، الأمر الذي جعل أي مساس به مشروطاً، عملياً، بحد أدنى واسع من التوافق بين المركز والولايات والقوى السياسية الأساسية.

من هذه الزاوية، لا يمكن اختزال اعتراض بونتلاند وجوبالاند في كونه مجرّد موقف سياسي معارض، بل ينبغي فهمه بوصفه اعتراضاً على الكيفية التي يُعاد بها تعريف العلاقة بين مقديشو والأطراف، وعلى احتمال أن تتحول التعديلات الدستورية إلى أداة لإعادة تركيز السلطة في المركز تحت غطاء الاستكمال الدستوري. وهو ما نبّهت إليه تقارير عديدة معتبرة أن مستقبل الفيدرالية الصومالية يظل رهيناً بإنتاج تسوية تفاوضية لا بفرض ترتيبات أحادية من العاصمة.

من هنا تكتسب مسألة تمديد ولاية المؤسسات الدستورية خطورتها السياسية أيضًا. فالنزاع هنا لا يتعلق فقط بتأويل نصوص قانونية متعارضة، بل يمسّ طبيعة الشرعية نفسها في السياق الصومالي الحالي؛ هل تكفي الشرعية الإجرائية الشكلية، المتمثلة في تصويت البرلمان وتوقيع الرئيس، لفرض واقع دستوري جديد، أم أن نفاذ أي تعديل يظل معلقاً على مدى قبوله من الفاعلين السياسيين القادرين على تعطيله أو تجريده من المفعول؟ في دولة ما تزال مؤسساتها هشة، وتوازناتها محكومة بالتفاوض المستمر بين فاعلين مختلفين.

واضح أن التعديلات الدستورية الأخيرة في الصومال لا تكشف عن خلاف قانوني فحسب، بل تعكس أزمة أعمق تمسّ بنية النظام الفيدرالي ذاته، حيث لا تزال العلاقة بين المركز والولايات موضع نزاع مفتوح، سواء في أبعادها القانونية أو في توازناتها العشائرية والسياسية الداخلية، وهو ما يتجلى بوضوح في موقفي بونتلاند وجوبالاند. ففي بلد هشّ ومتعدد مراكز القوة، لا تكفي النصوص وحدها لإنتاج الشرعية، ما لم تستند إلى توافق واسع يحوّل الدستور من أداة في الصراع إلى إطار جامع لتنظيمه. لذلك، فإن مصير هذه التعديلات سيتحدد بمدى قدرتها على إنتاج تسوية سياسية تحافظ على توازن الفيدرالية، وتمنع انزلاق البلاد إلى أزمة شرعية جديدة قد تقوّض ما تحقق من مكتسبات الدولة، وتفتح الباب أمام مزيد من التصدعات الداخلية في بلد يرزح أصلاً تحت وطأة الهشاشة والتفكك.