تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 12 يوليو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
ثقافة

العطب الأفريقي المركب: قراءة في دروس إدغار موران

4 يونيو, 2026
الصورة
العطب الأفريقي المركب: قراءة في دروس إدغار موران
Share

كان رحيل إدغار موران المفكر الفرنسي البالغ من العمر مئة وأربع سنوات؛ في التاسع والعشرين من ماي/أيار 2026، انطفاء شاهد طويل على القرن العشرين، وعلى أحلامه وانكساراته الكبرى، وأوهامه التي خرجت من رحمها كوارث السياسة والعلم والتقنية والإيديولوجيا.

لقد كان موران مقاوما للنازية ومثقفا خرج من الشيوعية، وسوسيولوجيا لم يقبل أن تُسجن الظاهرة الإنسانية في علم واحد، وفيلسوفا جعل من "التعقيد/التركيب" رؤية للعالم. وقد عُرف خصوصا بعمله الضخم المنهج، الذي بلور فيه مفهوم "الفكر المركب" بوصفه مقاومة للاختزال والفصل والتبسيط.

إن القيمة الحقيقية لموران أنه يزعجنا. يزعج الأفريقي كما يزعج الأوروبي. يزعج المتشائم الذي يريد أن يرى أفريقيا مقبرة للممكنات، ويزعج المتفائل الذي يريد أن يحولها إلى إعلان تجاري كبير عن قارة المستقبل. لقد كان جوابه الشهير، حين سئل عن أفريقيا، أنه ليس "أفرو-متشائما" ولا "أفرو-متفائلا"، وإنما هو "متفائل-متشائم". إن هذه الصيغة بالنسبة له موقف معرفي: أن ترى الخطر كاملا، وأن تترك مع ذلك مكانا للامحتمل.

من هنا تبدأ قيمة موران بالنسبة إلينا نحن الأفارقة. إنه يقدم لنا شيئا أعمق وأقسى؛ منهجا ضد الكسل الذهني، والكسل الذهني هو أول أمراض الكلام عن أفريقيا. فمنذ زمن طويل تُحاصر القارة بين صورتين متقابلتين، لكنهما تنتميان إلى العائلة نفسها: صورة القارة العاجزة، وصورة القارة الواعدة. الأولى تقول: أفريقيا فقر وحروب وفساد وتخلف. والثانية تقول: أفريقيا شباب وسوق وموارد وطاقة ونمو. الأولى تقتلنا باسم اليأس، والثانية تبيعنا باسم الأمل. وفي كلا الحالتين لا نرى أفريقيا كما يحتاج الآخرون/القوى الكبرى أن يروها.

القيمة الحقيقية لموران أنه يزعجنا؛ يزعج الأفريقي كما يزعج الأوروبي

تملك أفريقيا موارد طبيعية وطاقات بشرية وتنوعا ثقافيا وخيالا اجتماعيا واسعا. وليس الداء أيضا في العقل الأفريقي، كما أوحت بعض الخطابات الاستعمارية القديمة والجديدة. فهذا تشخيص عنصري مقنع بلغة الثقافية. الداء أعمق: إنه في اختلال العلاقة بين المعرفة والسلطة، وبين الدولة والمجتمع، وبين التنمية والكرامة، وبين الذاكرة والمستقبل.

إننا من خلال استثمارنا للإطار النظري لإدغار موران يمكن أن نعبر بكل صدق؛ إذا قلنا إن سبب الداء الأفريقي هو الاستعمار وحده، وقعنا في تبسيط. وإذا قلنا إن سببه النخب المحلية وحدها، وقعنا في تبسيط آخر أسوء منه. وإذا قلنا إن سببه الفساد وحده، أو القبيلة وحدها، أو الدين وحده، أو الحدود المصطنعة وحدها، فإننا نبدل تبسيطا بتبسيط. أما الفكر المركب فأن نملك الشجاعة لنقول: إن الداء يتكون من تفاعل هذه العناصر جميعا؛ من تاريخ استعماري لم ينتهِ تماما، ومن دول ورثت خرائط لم تصنعها، ومن اقتصاد عالمي يطلب من أفريقيا المواد الخام أكثر مما يطلب منها المعرفة، ومن نخب محلية تُتقن أحيانا إدارة التبعية أكثر مما تُتقن صناعة السيادة، ومن مجتمعات أُنهكت بين قوة الجماعة وضعف المؤسسة.

ولعل من أخطر مظاهر الداء الأفريقي أن القارة غالبا ما عُولجت بمنطق "التنمية" بدلا من منطق "التحرر". إن التنمية، في صورتها التقنية الضيقة: كالطرق والسدود والموانئ والاستثمارات والمؤشرات والنمو. تبدو كلها ضرورية، غير أنها لا تصنع وحدها إنسانا حرا ولا مجتمعا عادلا. لقد كان موران ناقدا لهذا التصور الاختزالي للتنمية؛ فقد رأى أن اختزال التقدم في الاقتصاد والتقنية يجعلنا ننسى المعارف المحلية، وفنون العيش، والحكمة الاجتماعية، وأن تسمية مجتمعات بكاملها "متخلفة" تحمل حكما قدحيا يخفي غرور المركزية الغربية.

لكن، بوصفنا أفارقة، يجب أن ننتبه إلى الفخ المقابل. نقد التنمية الغربية لا نروم به تمجيد التخلف، ونقدنا للحداثة لا نعني به عبادة الماضي كعجل السامري. نعم، في مجتمعاتنا أشكال عميقة من التضامن والتكافل والدفء العائلي والجماعي. وقد رأى موران أن على أفريقيا ألا تنسى ثقافتها، وأن تجمع أفضل ما في ذاتها بأفضل ما في الغرب. وقد حضر هذا المعنى في حديثه بمناسبة المهرجان الكتاب الأفريقي لعام 2024.

الداء أعمق: إنه في اختلال العلاقة بين المعرفة والسلطة، وبين الدولة والمجتمع، وبين التنمية والكرامة، وبين الذاكرة والمستقبل

لهذا كان موران مهما في الدرس السوسيولوجي؛ لأنه لم ينظر إلى الإنسان بوصفه كائنا متشابكا اقتصاديا وسياسيا ورمزيا، فيه العقل والوهم، المصلحة والحب، الخوف والمعرفة، الفرد والجماعة، النظام والفوضى.

من هذا المنظور، فإن سؤال سبب الداء الأفريقي ينبغي أن يطرح هكذا ومن غير اختزال ممل: كيف تضافرت بنى التاريخ والاقتصاد العالمي والاستبداد المحلي والهشاشة المعرفية وسوء التربية السياسية والاختلال البيئي لتنتج قابلية مستمرة للعطب؟

أول عناصر هذا الداء هو فقر المعرفة بذاتنا، فأزمة أفريقيا في ضعف تحويل الذاكرة إلى معرفة نقدية قادرة على تفكيك الصور التي صُنعت عنها، وإعادة بناء سؤالها من داخل تجربتها التاريخية. وهنا يلتقي موران، من جهة دعوته إلى الفكر المركب، مع مفكرين أفارقة لا بد من استدعائهم معه: ففالنتان-إيف موديمبي بيّن أن "أفريقيا" كما تداولتها العلوم الاستعمارية كانت بناء معرفيا صاغه الرحالة والمبشرون والإثنوغرافيون والإداريون داخل ما سيُعرف لاحقا بـ"المكتبة الاستعمارية"؛ أي شبكة من الخطابات التي جعلت أفريقيا موضوعا للمعرفة الغربية قبل أن تكون ذاتا منتجة للمعرفة عن نفسها. أما بولين هونتونجي فقد حذّر من اختزال الفلسفة الأفريقية في "إثنوفلسفة" جماعية صامتة، تُنسب إلى الشعوب لا إلى مفكرين، وإلى روح جمعية لا إلى نقاش نقدي مكتوب ومسؤول؛ ولذلك دعا إلى تحرير الفكر الأفريقي من الغيتو الفولكلوري ومن النظرة التي تمنعه من المشاركة في الكونية. وربط جوزيف كي-زيربو التاريخ بالتحرر، لأن الأمة التي لا تمسك بتاريخها لا تملك شروط المبادرة في حاضرها، ولا تستطيع أن تنتج تنمية نابعة من ذاتها. وكشف أشيل مبيمبي، في تحليله لـما بعد الاستعمار، عن استمرار العنف في بنى السلطة والخيال السياسي بعد الاستقلال، حيث إنتاج السيطرة في علاقة الدولة بالجسد، والطاعة، والرمز، والاقتصاد السياسي. أما فيلوين سار فقد دعا، في أفروتوبيا، إلى تخيّل مستقبل أفريقي ينطلق من إمكانات القارة الروحية والثقافية والاجتماعية لصوغ أفق مغاير للحداثة والتنمية.

ثاني عناصر الداء هو الدولة التي لم تتحول دائما إلى وطن.ففي أجزاء واسعة من القارة، وُجدت الدولة قبل أن يكتمل العقد الوطني. جاءت الإدارة، والحدود، والعلم، والنشيد، والجيش، والبيروقراطية؛ لكن المواطنة ظلت هشة. وحين تضعف المواطنة، يعود الناس إلى الروابط الأقرب: القبيلة والعائلة والطائفة والزعيم والزاوية والحزب-العصبية.

لا خلاص لأفريقيا في تقليد الغرب، ولا خلاص لها في الهروب إلى ماضٍ متخيل

ثالث عناصر الداء هو الاقتصاد الذي يجعل أفريقيا موضوعا لا فاعلا. ما تزال القارة في مواضع كثيرة تُرى كمخزن للمواد الخام، أو كسوق استهلاكية، أو كمجال تنافس جيوسياسي. لكن الأخطر أن بعض النخب الأفريقية قبلت هذا الدور، أو وجدت فيه مصلحة. فصار السؤال: كيف نجذب الاستثمار؟ أكثر حضورا من السؤال: كيف نصنع قدرة داخلية؟ كيف نبني معرفة؟ كيف نحمي السيادة الغذائية؟

خامس عناصر الداء هو العجز عن الجمع بين الفرد والجماعة.الغرب الحديث بالغ أحيانا في تقديس الفرد حتى مزق روابطه. وبعض مجتمعاتنا بالغت أحيانا في تقديس الجماعة حتى ضيقت خناقها على الفرد. وما نحتاجه هو بناء صيغة ثالثة؛ فرد حر داخل جماعة عادلة، وجماعة قوية لا تسحق حرية الفرد. ولعل هذا هو المعنى الأعمق لعبارة موران عن جمع أفضل ما في الغرب وأفضل ما في أفريقيا.

لهذا كله، لا ينبغي أن يكون رثاؤنا لموران رثاء رجل أوروبي أحب أفريقيا أو تعاطف معها. فهذا أقل من قيمته، وأقل من حاجتنا. ينبغي أن نقرأه بوصفه مرآة قاسية. هو يقول لنا: لا تفكروا في أفريقيا بمنطق السبب الواحد. لا تبحثوا عن حل جاهز. لا تقدسوا الغرب ولا تسبوه فقط. لا تقدسوا التراث ولا تهربوا منه. لا تصدقوا من يقول إن المستقبل مضمون لأن الشباب كثير، ولا من يقول إن الانهيار حتم لازم لأن الأزمات كثيرة. التاريخ لا يمشي كالقطار. التاريخ يتعثر ويلتف ويمرض ويشفى وينتكس ويفاجئ.

لقد مات إدغار موران، ويبقى الدرس الذي ينبغي أن نتعلمه حقيقة بوصفنا أفارقة؛ هو أن أفريقيا، إن أرادت أن تخرج من أزمتها، فعليها أولا أن تتحرر من السؤال الكسول: هل نحن قارة فاشلة أم قارة واعدة؟ والسؤال الأجدر هو: كيف نصنع معرفة ودولة ومدرسة واقتصادا وثقافة سياسية، تجعل الإنسان الأفريقي قادرا على أن يكون فاعلا في تاريخه لا مادة في تاريخ غيره؟