تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 18 يناير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
فكر

السيرة المبتورة: أليكس هايلي وتشكيل سيرة مالكوم إكس

24 أغسطس, 2025
الصورة
السيرة المبتورة: أليكس هايلي وتشكيل سيرة مالكوم إكس
Share

في يونيو/حزيران عام 1963، بدأ مالكوم إكس وأليكس هايلي العمل على الكتاب الذي سيُعرِّف مساري حياتهما. كان الترتيب بسيطًا: كان مالكوم يصل منهكًا إلى شقة هايلي مساءً بعد يوم طويل من العمل، لتبدأ بينهما جلسات حوار تمتد حتى الفجر، يناقشان السياسة والدين والعرق على وقع أكواب لا تنتهي من القهوة الرخيصة. في صباح اليوم التالي، كان هايلي، بعينين مرهقتين، يحوّل ملاحظاته إلى مسودة أولية، محاولًا إعادة خلق الصوت المميز لمالكوم. هذه المسودة ستتحول لاحقًا إلى السيرة الذاتية لمالكوم إكس (1965)، وهي عمل كلاسيكي في الأدب الأميركي، وأحد أكثر السير الذاتية مبيعًا على الإطلاق.

أحدث هذا النجاح تأثيرًا ثقافيًا دائمًا للسيرة الذاتية. ألهمت كلمات مالكوم احتجاجات وحملات سياسية حول العالم، وتسرّبت إلى الموسيقى والفنون من نيويورك إلى نيروبي. لكن في السنوات الأخيرة، بدأ مؤرخون في انتقاد تأثير كاتب الظلّ على النص. فعلى الرغم من أن هايلي ادّعى أنه مجرد "راوٍ محايد"، إلا أنهم يشيرون إلى أنه بالغ في بعض جوانب حياة مالكوم، وتجاهل جوانب أخرى. ومع انزياح مسيرة مالكوم في اتجاهات غير متوقعة، لجأ هايلي حتى إلى السرقة الأدبية والاختلاق لملء الفجوات في السرد. والنتيجة كانت مذكرات ليست بالكامل لمالكوم، ولا بالكامل لهايلي، بل شهادة على علاقتهما المتوترة والظروف المعقدة التي وُلد فيها هذا الكتاب.

تشكّل النصّ: لقاء بين صوتين

انبثقت السيرة الذاتية من لحظة شديدة الدراماتيكية في نضال الحقوق المدنية. ففي يونيو/ حزيران 1963، وبينما كان مالكوم وهايلي يجلسان في نيويورك للعمل على النص، كان الكونغرس يناقش المسودة الأولى لقانون الحقوق المدنية – تشريع تاريخي يَعِد بإنهاء الفصل العنصري وتجريم التمييز العرقي. في أنحاء البلاد، كان النشطاء والمنظّمون منهمكين في التحضير لـ"مسيرة واشنطن"، وهي تظاهرة غير مسبوقة دعماً للحقوق المدنية والاقتصادية. في المقابل، صعّد المتفوقون البيض من حملات الترهيب والعنف. ففي ألاباما، احتج الحاكم جورج والاس أمام جامعة حكومية لمنع الطلاب السود من حضور أول أيام الدراسة. واغتيل الناشط الحقوقي ميدغار إيفرز في مسيسيبي، على يد أحد أعضاء منظمة "كو كلوكس كلان" العنصرية.

كان مالكوم إكس واعيًا تمامًا بهذا العنف. فقد نشأ في فقر مدقع في منطقة الغرب الأوسط الأميركي، حيث عاشت المجتمعات السوداء في ظل الخوف من الميليشيات العنصرية. وتعلم كيف يتنقل عبر الأحياء المفصولة عرقيًا في بوسطن ونيويورك، متفاديًا الخدمة العسكرية الإلزامية، وجنى المال من جرائم صغيرة قبل أن يقضي فترة في السجن. هناك، وجد العزاء في جماعة "أمة الإسلام"، وهي حركة دينية دعت الأميركيين السود إلى العودة إلى الإسلام بوصفه دين أجدادهم. ومن على منبر في هارلم، دعا مالكوم جمهوره إلى رفض الاندماج، مشيرًا إلى أن السبيل الوحيد لحماية السود هو الانفصال الكامل عن المجتمع الأبيض. وقد عبّر عن ذلك مازحًا بقوله: إن القهوة والكريمة هما الشيئان الوحيدان اللذان يحب اختلاطهما.

أما هايلي، فكان يختلف معه جذريًا. فقد وُلد في أسرة سوداء في شمال ولاية نيويورك، وكان ليبراليًا يؤمن بالاندماج، ويدعم حركة الحقوق المدنية السائدة. خدم في خفر السواحل الأميركي خلال الحرب العالمية الثانية، وكان يكتب القصص في فترات الراحة بين نوبات العمل الطويلة في المطابخ، ثم عمل لاحقًا في العلاقات العامة للجيش الأميركي لأكثر من عقد. وبحلول عام 1963، أصبح اسمه معروفًا بكونه صحفيا متخصصا في المقابلات الصريحة مع الشخصيات المثيرة للجدل. كما بدأ حينها بوضع خطط لمشروع جديد طموح: تأريخ تاريخ أسرته عبر الأجيال، وهو المشروع الذي سيتحوّل لاحقًا إلى رواية الجذور (Roots) عام 1976. وعد هايلي مالكوم بأنه لن يظهر في المخطوطة شيء – "سواء جملة أو فقرة أو فصل" – دون موافقته الشخصية.

أجرى هايلي أول مقابلة مع مالكوم إكس عام 1960 لصالح مجلة ريدرز دايجست، في تقرير عن جماعة أمة الإسلام. وقد ساد التوجس العلاقة بينهما في البداية: اتهم هايلي مالكوم بالتحريض على العنف، بينما اشتبه مالكوم في أن هايلي عميل حكومي. ولم تكن هذه الشكوك بلا أساس: ففي سيرته عن مالكوم التي نُشرت عام 2011، يكشف المؤرخ مانينغ مارابل أن أحد مقالات هايلي حول جماعة أمة الإسلام احتوى على معلومات مستمدة من ملفات مراقبة تابعة لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، تم تمريرها إلى شريكه في التأليف، ألفريد بالك. لكن مع مرور الوقت، كسب هايلي ثقة مالكوم – ولو على مضض. وكما أشار المؤرخ روبرت جيه نوريل عام 2015، كان هايلي من أوائل الصحفيين في التيار العام الذين أخذوا ما كان يُعرف آنذاك بـ"حركة المسلمين السود" على محمل الجد. وكما كتب هايلي في مجلة ريدرز دايجست، فإن الخطاب المتشدد لأمة الإسلام كان بمثابة إنذار شديد اللهجة بشأن ما يمكن أن يحدث، إذا فشلت الحكومة الأميركية في استيعاب الأميركيين السود.

في مايو/أيار 1963، أجرى هايلي مقابلة ثانية مع مالكوم لصالح مجلة بلاي بوي، وسأله عمّا إذا كان يرغب في التعاون على تأليف سيرة ذاتية. كان مالكوم مترددًا في البداية، إذ كان يخشى أن يصرف هذا المشروع الأنظار عن زعيم أمة الإسلام المتسلّط، إليجا محمد. فسافر هايلي إلى منزل محمد في أريزونا للحصول على دعمه الشخصي للمشروع. وبعد أن نال مباركته، وقّع الرجلان عقدًا مع دار النشر "دابلداي" بقيمة 20,000 دولار. وبناءً على طلب مالكوم، أُبرم عقد إضافي ينص على أن أي محتوى في الكتاب – "سواء جملة أو فقرة أو فصل" – لن يُنشر دون موافقته الشخصية. في المقابل، احتفظ هايلي بحقه في كتابة خاتمة يشرح فيها وجهة نظره الخاصة.

كانت الجلسات الأولى من المقابلات متوترة. فوفقًا لهايلي، كان مالكوم غالبًا ما يدخل شقته في نيويورك وهو يردّد: "اختبار – واحد، اثنان، ثلاثة!"، كما لو أنه يخاطب ميكروفونًا خفيًا. كان متحفظًا في الحديث عن حياته الشخصية، حتى أن هايلي اضطر إلى ترك قصاصات ورقية مبعثرة قرب مقعد مالكوم على أمل أن يدون عليها ملاحظات عشوائية. لكن مع مرور الوقت، تطورت العلاقة إلى شراكة عمل مستقرة. بدأ مالكوم يتحدث عن طفولته في ولاية ميشيغن، وعن الفقر الذي عاشه بعد وفاة والده. وراح يسرد ذكرياته عن شبابه في بوسطن ونيويورك، وكان ينهض من مقعده ويصفّق بأصابعه ليشرح بعض حركات الرقص. كما تحدّث بتفصيل عن ماضيه الإجرامي، وتحوله الفكري داخل السجن بعد انضمامه إلى أمة الإسلام. وكان هايلي متحمسًا، يضغط عليه من أجل مزيد من التفاصيل لسد ثغرات السرد. كتب له في أغسطس 1963: "أعرف تمامًا ما أحتاج إليه، وسأنتقل مباشرة من نقطة إلى أخرى بحيث يمكنك أن تزودني بما يخطر في بالك بعفوية". بدأ الاثنان مراجعة النص سويًا، مستخدمَين حبرين مختلفين: الأحمر لاقتراحات مالكوم، والأخضر لملاحظات هايلي.

أتاحت هذه الشراكة لكل من مالكوم وهايلي أن يوجّها السرد وفقًا لمصالحهما. ويتضح هذا بجلاء في الفصلين الأول والثاني، اللذين اكتمل إنجازهما في سبتمبر/أيلول 1963. يروي الفصلان طفولة مالكوم وسنوات مراهقته، دون أن يذكرا شيئًا عن نشاط والدته السياسي، ويكتفيان بإشارة عابرة إلى والده. والحقيقة أن كليهما كان ناشطًا في "رابطة تحسين أوضاع الزنوج العالمية" التي أسسها ماركوس غارفي، وهي حركة قومية سوداء دعت إلى عودة أبناء الشتات الأفريقي إلى القارة الأم لبناء مجتمعات مكتفية ذاتيًا. لقد تأثر مالكوم بشدة بأفكار غارفي حول العرق والتاريخ والتنمية المجتمعية، وظل يتحدث عنها طيلة حياته. ووفقًا لمعارفه في نيويورك، فقد قرأ أيضًا الأدبيات الشيوعية في شبابه، وحضر أحيانًا اجتماعات حزبية. أما السيرة الذاتية، فتنسب يقظته السياسية إلى مصدر واحد فقط: أمة الإسلام. ويقترح المؤرخ مانينغ مارابل في سيرته، أن هايلي شجّع على هذا الإغفال لتبسيط الحبكة. وبالنسبة لمالكوم، كان هذا الترتيب يضمن أن تُنسب كل إنجازاته السياسية إلى معلمه إليجا محمد.

مع اقتراب نهاية عام 1963، كان هايلي قد أنفق مقدم عقد النشر، وكان يخطط لإنهاء المشروع سريعًا، والانتقال إلى مشاريع أخرى، الأمر الذي جعله يضغط على مالكوم لتقديم مزيد من القصص حول ماضيه، حتى لو على حساب الدقة أو التعقيد السياسي.

يشير مارابل أيضًا إلى أن مالكوم ربما بالغ في تصوير نشاطه الإجرامي خلال الفصول من الثالث حتى التاسع من السيرة. لكن هذه قد تكون مبالغة مضادة. فبفضل مقابلات مع أصدقاء مالكوم في بوسطن ونيويورك، أثبت المؤرخان ليس وتمارا باين أنه عمل كتاجر ماريجوانا، ومشغّل شبكات غير قانونية، وسارق مسلح قبل إدانته بجريمة سرقة. ومع حلول أواخر 1963، بدأ هايلي يضغط على مالكوم ليروي مزيدًا من القصص عن عالم الجريمة ليُظهر "التحوّل الصاعق والجذري" الذي خاضه داخل السجن. وفي بعض الأحيان، بدت تلك الروايات بعيدة عن الحقيقة. فعلى سبيل المثال، يصوّر الفصل التاسع مالكوم وهو يلعب "الروليت الروسية" لتخويف زملائه في العصابة، في حين أنه في الواقع كان قد أخفى الرصاصة في يده قبل الضغط على الزناد. وطلب من هايلي أن لا يذكر هذه التفصيلة، قائلاً: "كثيرون سيظنون فورًا أنني أستخدم الحيلة ذاتها اليوم – الخداع".

تشظّى الصوت: الانقسام والانعتاق

بدأت هذه العلاقة التعاونية تتفكك حين بدأت حياة مالكوم تأخذ مسارات غير متوقعة. كان الموعد النهائي لتسليم الكتاب الأصلي محددًا في أكتوبر/تشرين الأول 1963، أي بعد أقل من خمسة أشهر على توقيع العقد مع "دابلداي". لكن في ديسمبر/ كانون الأول من العام نفسه، فُرض الصمت على مالكوم من قبل قيادة أمة الإسلام، بعد أن ألقى خطابًا ألمح فيه إلى أن الرئيس الأميركي الراحل جون كينيدي قد نال ما يستحق. قال لجمهور خطبته: "أنا نفسي فتى نشأ في مزرعة، ولم يحدث قط أن حزنت عندما تعود الدجاجات إلى أعشاشها". لكن قرار إسكاته عكس أيضًا التوترات المتصاعدة بينه وبين إليجا محمد، والتي بلغت ذروتها بعدما اكتشف مالكوم أن معلمه كان يقيم علاقات جنسية مع سكرتيراته في منزله بأريزونا. تلقى هايلي هذا النبأ بشكل سيئ. وبحلول تلك المرحلة، كما يكشف مارابل، كان هايلي قد أنفق كل نصيبه من مقدم العقد، وكان يخطط لإنهاء الكتاب بسرعة. وفي السر، سافر إلى أريزونا لمقابلة إليجا محمد، وتوسّل إليه أن يرفع العقوبة عن مالكوم. فوعده محمد بأنها مؤقتة، لكن مالكوم لم يعد قط إلى جماعة أمة الإسلام.

بدلاً من ذلك، بدأ مالكوم في توسيع رؤيته الفكرية. وفي رسائل إلى أصدقائه، عبّر عن فقدانه للثقة بمعلمه السابق. ومن خلال نقاشاته مع شقيقته غير الشقيقة، إيلا كولينز، بدأ يشكك في تعاليم أمة الإسلام. وشرع في وضع خطط لعمل سياسي طموح، يسعى فيه إلى توحيد الناشطين المعتدلين والراديكاليين في جبهة موحدة ضد العنصرية. كان لهذا التحول وقعٌ مزدوج على هايلي؛ فمن جهة قرّبه ذلك من مالكوم سياسيًا، لكنه من جهة أخرى جعله يواجه صعوبة في دفع مالكوم للحديث عن ماضيه، إذ أصبح منشغلًا تمامًا بتخطيط مستقبله. قال مالكوم لهايلي في مارس/ آذار 1964: "كيف للمرء أن يكتب سيرته الذاتية في عالم يتغيّر بهذه السرعة؟".

تعمّقت مشكلة هايلي حين قرر مالكوم القيام بجولة في أفريقيا وآسيا بين أبريل/ نيسان ومايو/ آيار 1964. في المملكة العربية السعودية، تخلّى مالكوم نهائيًا عن أمة الإسلام، واعتنق الإسلام السني. كما تخلّى عن أفكار تفوق السود، وصلى إلى جانب مسلمين بيض، وأصبح يروّج لرؤية دينية عالمية. كتب من مكة: "طوال الأسبوع الماضي، كنت مبهورًا تمامًا بالعطف الذي رأيته من أناس من كل الألوان". كذلك، وسّع أفقه السياسي، فقضى وقتًا مع ناشطين في مصر ونيجيريا وغانا. ومع تقدم القارة الأفريقية نحو الاستقلال، بدأت الحملات الناجحة ضد الاستعمار تبدو أكثر فأكثر نموذجا يُحتذى به للنضال داخل الولايات المتحدة.

كتابة من الظلال: بين الحذف والانتحال

كان هايلي يتلقى مستجدات هذه الرحلة من زوجة مالكوم، بيتي شباز، وحصل لفترة وجيزة على حق الاطلاع على أوراقه الشخصية. بعض فصول الكتاب من 17 إلى 19، بما في ذلك الانطباعات الأولى لمالكوم عن مكة، وتجربته المتواضعة في تعلّم الصلاة، استُمدت مباشرة من دفتر يوميات رحلته. غير أن هايلي، في مواضع أخرى، بدا وكأنه أعاد استخدام مواد من كتاباته السابقة. فملاحظات مالكوم عن المغنية الروحية ماهاليا جاكسون في الفصل 15، كما يشير المؤرخ غاريت فيلبير، مقتبسة حرفيًا من مقال سابق لهايلي نُشر في ريدرز دايجست. وقد لجأ هايلي أيضًا إلى وسائل أكثر غرابة لملء الفجوات في السرد. ففي يونيو/ جزيران 1964، أرسل إحدى بطاقات مالكوم البريدية إلى محلّل خط يد، خلص إلى أن خطه "يكشف عن شعور واضح بالهدف، لكنه لا يدل على تفكير عميق". أعلن هايلي نيته نشر نتائج هذا التحليل في الخاتمة، بل وسأل مالكوم عن ساعة ميلاده لتحديد "نمطه الفلكي".

في الواقع كانت مقتبسة حرفيًا من أربعة مقاطع مختلفة من رسالة ويندوم. لم يُؤخذ أي من هذا المحتوى بإذن منها، بل ولم تكن تعلم باستخدامه أصلًا

مع تصاعد يأسه من المواد، لجأ هايلي إلى السرقة الأدبية من كاتبة أخرى. أليس ويندوم، كانت عاملة اجتماعية تبلغ 28 عامًا من سانت لويس، ميزوري. وفي عام 1962، وتحت تأثير الحركات القومية الأفريقية، هجرت حياتها في أميركا، وانتقلت إلى غانا المستقلة حديثًا. وبحلول عام 1964، أصبحت جزءًا من شبكة راديكالية من الأميركيين السود، تقيم مع النقابية فيكي غارفين والكاتبة مايا أنجلو. وعندما زار مالكوم مدينة أكرا في مايو/ أيار 1964، شكّلت ويندوم، مع غارفين وأنجلو، لجنة استقبال غير رسمية، عرّفته على الدبلوماسيين والسياسيين وساعدته على التأقلم مع المدينة. وبعد الزيارة، كتبت رسالة من ست صفحات إلى أصدقائها في أميركا، أرادت بها أن ت counter أي تغطية إعلامية سلبية للزيارة. وكتبت بوضوح: "هذه الرسالة ليست للنشر، لكن يمكن استخدامها بأي طريقة أخرى تراها مناسبة".

ظهرت 56 جملة من رسالة ويندوم بحرفيتها في السيرة الذاتية لمالكوم إكس. فالوصف الذي قدّمته عن خطبه في غانا، والأشخاص الذين قابلهم، والفعاليات التي شارك فيها، كما يلاحظ المؤرخان إريك ماكدفّي وكوموزي وودارد، يبدو مستلًا بالكامل من كتابتها. في بعض المواضع، اكتفى هايلي بتحويل الضمير من الغائب إلى المتكلم، لينسب ملاحظاتها إلى مالكوم نفسه. وفي مواضع أخرى، أجرى تعديلات بسيطة لإخفاء المصدر، فاستبدل عبارات مثل: "منذ أن وصلت إلى غانا" بـ"منذ أن جاء الدكتور دبليو إي بي دو بوا إلى غانا". وفي نقطة ما، أشار إلى أربع قصص من "الصحافة الأفريقية" عن فترة مالكوم في أكرا. لكنها في الواقع كانت مقتبسة حرفيًا من أربعة مقاطع مختلفة من رسالة ويندوم. لم يُؤخذ أي من هذا المحتوى بإذن منها، بل ولم تكن تعلم باستخدامه أصلًا. وحين تحدثت إلى ماكدفّي وودارد بعد عقود، اعترفت بأنها لا تعرف حتى كيف وصلت رسالتها إلى يد هايلي.

عاد مالكوم إلى الولايات المتحدة في 21 مايو/ آيار، والتقى هايلي في اليوم نفسه. وواصل الاثنان عملهما على السيرة الذاتية لفترة وجيزة، لكن سرعان ما بات واضحًا أن فكر مالكوم منشغل بأمور أخرى. فقد استُلهم من تجربته في مكة، وأصبح يرغب في تحويل أتباع أمة الإسلام إلى الإسلام السني، وربطهم بـ"إخوتهم وأخواتهم" في العالم الإسلامي. كما أراد تعزيز الروابط بين الأميركيين السود والحركات المناهضة للاستعمار، من خلال إنشاء "منظمة الوحدة الأفريقية الأميركية" (OAAU)، التي تتيح لمجموعات الحقوق المدنية إقامة "اتصالات مباشرة مع الحكومات الأفريقية". في الوقت ذاته، كان مالكوم يتلقى تهديدات بالقتل من أنصار إليجا محمد، وأدرك أصدقاؤه وعائلته أن حياته في خطر، فحثوه على مغادرة البلاد طلبًا للسلامة. وكان هايلي من بينهم. كتب إليه في يونيو/ حزيران 1964: "فكر في ملايين السود في أميركا الذين يحترمونك ويصغون إليك... تبًا، فكر فيّ أنا! لم يسبق لي أن فقدت صديقًا مقرّبًا".

أخذ مالكوم بنصيحة هايلي، وغادر الولايات المتحدة في يوليو/تموز عائدًا إلى مصر. وقد عاد ذلك بالفائدة على نشاطه السياسي. ففي القاهرة، شارك في قمة منظمة الوحدة الأفريقية، وهي الهيئة الجامعة للدول المستقلة حديثًا، والتي ألهمت تأسيسه لمنظمة  OAAU . وفي الممرات والكواليس، قدّم نفسه ممثلا غير رسمي للسود في أميركا، وضغط على رؤساء الدول لدعم حقوق الإنسان للناشطين من أبناء الشتات. وفي غانا، كلّف ويندوم وصديقاتها بتمثيل المنظمة في إفريقيا. أما في تنزانيا، فقد التقى بثوريين رفضوا المعونات الأميركية وفضّلوا عقد تحالفات استراتيجية مع دول أخرى حول العالم. وفي نيويورك، كانت منشورات OAAU  تعد بجرأة أن الحركة ستجمع "كل من يعاني من نظام قمعي... في أي مكان في العالم".

ساعدت فترة الغياب عن الولايات المتحدة أيضًا في بلورة رؤيته الدينية. ففي رسالة مؤرخة بـ22 سبتمبر/أيلول 1964، كتب: "أعلن وبكل وضوح أنني لم أعد داخل قفص إليجا محمد، ولا أنوي أن أستبدله بآخر ينسجه شخص غيره". وفي مصر، حصل على شهادة من "المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية" تخوّله "نشر الإسلام". كما أمضى وقتًا مع خصومهم في "رابطة العالم الإسلامي" بالسعودية، والتي يراها المؤرخ إدوارد إي. كيرتس الرابع محاولة لتوحيد العالم السني دعمًا للأميركيين السود. وقد عرضت كلتا المؤسستين لاحقًا منحًا دراسية للأميركيين السود للدراسة في الجامعات الإسلامية، وهو ما كان مالكوم يأمل أن يقوّض به تأثير أمة الإسلام. كتب في رسالة إلى الصحفي آرت بيترز: "كان بإمكان إليجا محمد أن ينال دعمًا عالميًا لصالح نضال الزنوج، لكنه لم يكن مهتمًا بالزنوج أصلًا، بل بنفسه فقط". وفي حوار مع الصحفي إم. إس. هاندلر في سبتمبر، أوضح أنه يأمل قريبًا في أن "يعكس الصورة الحقيقية للإسلام، بحيث لا يستطيع أحد بعد الآن أن يستغل هذا الدين لخداع شعبنا".

استنادًا إلى مراسلاته، من الواضح أن مالكوم كان ينوي تضمين هذا النشاط في السيرة الذاتية. كان يرسل تقارير عن عمله الديني إلى أصدقائه في أنحاء الولايات المتحدة، ويذيّلها دومًا بطلب أن تُمرّر نسخ منها إلى هايلي "كي يحتفظ بسجلّ لأفكاري". لكن هذه المواد لم تجد طريقها إلى النص النهائي. فبحلول خريف 1964، كان هايلي يمرّ بضائقة مالية، وأصيبت دار "دابلداي" بالإحباط من تأخر المشروع. كتب هايلي إلى وكيله في أكتوبر/تشرين الأول قائلاً: "أنا منزعج قليلًا... [مالكوم] قد أفسد المشروع من جهتين: أولًا، بابتعاده الطويل، وثانيًا، بتحوّله الفكري الجديد". وانتهى المطاف بالنسخة المنشورة من السيرة إلى تلخيص النصف الثاني من عام 1964 في بضع صفحات فقط ضمن الفصل الأخير، وتجاهلت بالكامل أنشطته الدينية. ويُرجَّح أن هذه الإغفالات تعكس تحيّزات هايلي الذاتية. إذ كان مصممًا على إنهاء الكتاب، حتى لو كلّفه ذلك حذف مواد مهمة أصر مالكوم على تضمينها. والنتيجة كانت سردًا ناقصًا لتحوّل مالكوم – رحلة شخصية داخلية، جرى اختزالها على حساب السياق الدولي الثري الذي جرت فيه.

كما أن هايلي كان انتقائيًا في عرض المعتقدات السياسية لمالكوم. فالسيرة المنشورة تسعى بكل جهد إلى تقديمه صوتا عالميا شموليا. مستندة إلى مفكراته ورسائله إلى أصدقائه، تسرد اعتقاده بأن الإسلام "يتجاوز الألوان"، وتقتبس أقواله: "أنا مع الحقيقة، أيًا يكن من ينطق بها" و"مع العدالة، أيًا يكن المستفيد أو المتضرر منها" – وكلها مأخوذة من رسالة إلى هاندلر تعود إلى سبتمبر/أيلول 1964. في المقابل، لا تقول السيرة الكثير عن راديكالية مالكوم المستمرة. فالفصل قبل الأخير يتضمن نداءً مقتضبًا لقادة السود الأميركيين بأن "يفكروا عالميًا"، لكنه يتجاهل تمامًا المنظمات التي صمّمها مالكوم لتمكين هذه الصلات. فذكر "منظمة الوحدة الإفريقية الأميركية (OAAU) بالكاد يرد، ولا يظهر عمله في قمة "منظمة الوحدة الأفريقية" مطلقًا. ويُعتقد أن هايلي خطط لنشر دفتر سفر مالكوم في كتاب مستقل، وربما تعمّد استبعاد تلك المواد من أجل المشروع التالي. لكن، وكما يرى المؤرخ موشيك تمكين، فإن غياب التفاصيل حول سياسات ما بعد الاستعمار في السيرة هو مثال واضح على تأثير هايلي السياسي في النص. فقد خصّص وقتًا لاستكشاف رفض مالكوم للنزعة القومية السوداء لأنه ينسجم مع رؤيته الليبرالية، في حين لم يُبدِ اهتمامًا يُذكر بالبعد الدولي الأسود الذي تبلور لاحقًا.

كان مصممًا على إنهاء الكتاب، حتى لو كلّفه ذلك حذف مواد مهمة أصر مالكوم على تضمينها. والنتيجة كانت سردًا ناقصًا لتحوّل مالكوم – رحلة شخصية داخلية، جرى اختزالها على حساب السياق الدولي الثري الذي جرت فيه

كان لهايلي تأثير آخر على النص النهائي. إذ إن الرجلين خططا في الأصل لاختتام المخطوطة بسلسلة مقالات تشرح الفلسفة السياسية لمالكوم. واستقر رأيهما على ثلاثة مقالات مثيرة للجدل، حملت عناوين: "الزنجي"، و"عشرون مليون مسلم أسود"، و"نهاية المسيحية". لكن أياً منها لم يظهر في النسخة المنشورة. زعم هايلي أن ذلك جاء بناءً على طلب من مالكوم، لكن يبدو أن هذه نصفُ حقيقة فقط في أفضل الأحوال. ففي عام 2018، حصلت مكتبة نيويورك العامة على مسوّدة من مقال "الزنجي" من المقتني الخاص غريغوري ريد، وأتاحت نشره للمرة الأولى. ويشرح غاريت فيلبير أن هذا النص يستعرض تحليلات مالكوم لوظيفة العنصرية النفسية، وازدراءه لحركة الحقوق المدنية السائدة، التي وصفها بـ"جسد أسود برؤوس بيضاء". ومن المحتمل أن مالكوم طلب حذف هذا المقال بعد خروجه من جماعة أمة الإسلام، حين بدأ بتبنّي نهج تصالحي أكثر. لكن طموحه لتأسيس جبهة موحدة لم يمنعه أبدًا من انتقاد المعتدلين السود. ففي القاهرة مثلًا، لم يتوانَ عن توجيه سهام النقد لقادة الحقوق المدنية الذين دعوا السود إلى "ضبط النفس" في مواجهة الإهانات العنصرية.

كما أن رسائله المفصّلة إلى الصحفيَّين بيترز وهاندلر تعزز فكرة أنه كان يرغب في أن يختم هايلي السيرة الذاتية بنقاش موسّع حول رؤيته الدينية والسياسية المتطوّرة.

وبينما كان هايلي ينتظر عودة مالكوم من أفريقيا، شوّه صورة صديقه في العلن بطريقة بالغة التأثير. ففي أكتوبر 1964، عاد هايلي إلى مجلة بلاي بوي لإجراء مقابلة مع مارتن لوثر كينغ الابن. وخلالها، طرح سلسلة من الأسئلة عن إيمان كينغ، وعائلته، ومسيرته الطويلة في الكفاح، وبالطبع، عن رأيه في مالكوم. لكن، كما يُظهر المؤرخ جوناثان إيغ في سيرته عن كينغ الصادرة عام 2023، فإن هايلي تلاعب بالإجابات. ففي المقابلة المنشورة، ورد أن كينغ قال: "لقد أساء مالكوم إلى نفسه وإلى شعبنا"، لكن هذا الاقتباس لا يظهر في التسجيلات الأصلية. كما يبدو في النسخة المنشورة أن كينغ اتهم مالكوم بـ"الخطابة النارية الديماغوجية"، لكن التسجيلات تظهر أن كينغ كان يتحدث عن المتشددين السود بشكل عام، لا عن مالكوم تحديدًا.

والحقيقة أن مالكوم كان قد تواصل مع كينغ قبل ذلك بأربعة أشهر، عارضًا أن يرسل أنصاره لحماية كينغ خلال حملته السلمية في فلوريدا. وفي صيف العام نفسه، كما يكشف ليس وتمارا باين، شارك مالكوم في اجتماع سري مع حلفاء كينغ واقترح عليهم حملة منسقة ضد التمييز العنصري. وفي ضوء ذلك، يبدو تلاعب هايلي بتفاصيل اللقاء مرفوضًا بشكل خاص. ويرجح أنه حرّف كلمات كينغ لأجل مقال مثير يجذب القراء لمجلة بلاي بوي، ويروّج لاحقًا لكتابه عن مالكوم.

ما تبقّى من السيرة: ظلال مالكوم الأخيرة

أتم هايلي المسودة الكاملة للمخطوطة في فبراير/شباط 1965. وكان مالكوم متحمسًا للنص، خاصةً لأنه رأى فيه مصدر دخل محتمل لعائلته في حال وفاته. لكن بحلول ذلك الوقت، كانت التهديدات على حياته قد بلغت مستوى خطيرًا. ففي 14 فبراير/ شباط ، أُلقيت قنابل حارقة على منزله من قبل مجهولين. قال للمصور غوردون باركس من مجلة لايف عقب الهجوم: "لقد حان وقت الشهداء، وإذا قدّرت لي الشهادة، فستكون في سبيل الأخوّة". وبعد أيام قليلة فقط، في 21 فبراير/ شباط، اغتيل مالكوم على منصة مسرح "أودوبون" في مدينة نيويورك. وكان يبلغ من العمر 39 عامًا.

وقد سادت الفوضى بعد اغتياله. فقد كان هايلي مكلومًا بوفاة صديقه، لكن وضعه المالي البائس لم يسمح له بخسارة مشروع السيرة الذاتية. وبعد ساعتين فقط من الاغتيال، كما يذكر مانينغ مارابل، كتب هايلي إلى وكيله يطلب تأكيدًا بأن الكتاب سيُنشر رغم كل شيء. وبعد خمسة أيام، أعلنت "دابلداي" انسحابها من المشروع، خوفًا من ردود فعل عنيفة في مكتباتها ومكاتبها. وبقيت المخطوطة معلّقة عدة أشهر قبل أن تتبناها دار النشر الصغيرة Grove Press  ذات التوجه الراديكالي. لكن في بيتها الجديد، تجاوزت السيرة الذاتية لمالكوم إكس كل التوقعات. كانت "دابلداي" قد قدّرت سابقًا أن المبيعات لن تتجاوز 20,000 نسخة. لكن الكتاب باع مليوني نسخة بين عامي 1965 و1969، وأكثر من 6 ملايين بحلول 1977.

استثمر هايلي هذا النجاح لتأمين عقد نشر لروايته "الجذور"، مشروعه الحلمي. وقد جلب له هذا الكتاب، مع نسخته التلفزيونية، شهرة مستدامة. لكن الاتهامات بالسرقة الأدبية وعدم الدقة ظلت تلاحقه طوال حياته. ففي عام 1978، اختار تسوية دعوى قضائية أقامها الكاتب هارولد كورلاندر، معترفًا بأن عدة مقاطع من رواية "كورلاندر The African (1967) "وجدت طريقها" إلى نص هايلي.

ظل هايلي يُنكر دومًا أنه لعب دورًا كبيرًا في تشكيل رواية السيرة الذاتية. والحقيقة أن مالكوم شارك بفاعلية في كتابة وتحرير الأجزاء الأولى من المخطوطة، وساعد هايلي في تشكيل قصته ضمن قالب السيرة الذاتية الجذّاب. لكن هذا التعاون انهار بعد خروجه من أمة الإسلام وجولاته في إفريقيا والشرق الأوسط. تُرك هايلي حينها وحيدًا لإنهاء الكتاب، فجمع مادته من رسائل ويوميات وكتابات الآخرين، في محاولة يائسة لإتمام المشروع. والنتيجة كانت سردًا ظل متمسكًا برؤية هايلي الليبرالية للسياسة الأميركية، حتى في الوقت الذي كان فيه مالكوم ينخرط في نشاطات أكثر راديكالية في إفريقيا وآسيا. ولا تزال الفصول الأولى، التي تتناول العنصرية والتطرف الديني والإيمان، مؤثرة وراهنة حتى اليوم. أما الفصول الأخيرة، فتعرض صورة لمالكوم إكس جذابة، لكنها تظل ناقصة في جوهرها.

كتب هايلي عام 1971: "كان بوسع مالكوم أن يكتب سيرته بنفسه... بل كان يمكنه أن يصبح كاتبًا بالغ التأثير... كان العنصر الوحيد الذي يفتقده – وغالبًا ما تحسّر عليه – هو الوقت". وبعد ستين عامًا، لم يبقَ للمؤرخين سوى أن يتكهنوا بما كان يمكن لمالكوم أن يبدعه لو أُتيحت له تلك الفرصة.

 

نُشر هذا المقال بالإنجليزية في مجلة Aeon