السبت 7 مارس 2026
أصبح القرن الأفريقي خلال السنوات الأخيرة واحدًا من أكثر الأقاليم حضورًا في دوائر الاهتمام السياسي والأمني الدولي، بعدما تداخلت فيه الصراعات الداخلية مع التنافس الإقليمي والدولي على النفوذ والممرات البحرية والموارد. فقد أفرزت الحروب الممتدة، وتعدد مراكز القوة، وضعف قدرة الدول على فرض سيادتها الكاملة، واقعًا سياسيًا معقدًا جعل الإقليم ساحة مفتوحة لإعادة تشكيل موازين القوة في محيطه القريب وخارجه.
في هذا الإطار، صدر كتاب "السياسة الواقعية في القرن الأفريقي: المال، الحرب، وأعمال السلطة"، من تحرير الكاتب أليكس دي وال، عن دار بولتي برس عام 2015، ليقدّم معالجة تحليلية لطبيعة الحكم والصراع في دول القرن الأفريقي. يضم الكتاب مجموعة من الدراسات التي تتناول أوضاع كل من السودان وجنوب السودان والصومال وصوماليلاند وإريتريا وإثيوبيا، مع التركيز على الكيفية التي تُدار بها السلطة في ظل النزاعات الممتدة، وتشابك المصالح الداخلية والخارجية.
ينطلق الكتاب من فكرة أساسية مفادها أن فهم السياسة في القرن الأفريقي لا يمكن أن يقتصر على قراءة الدساتير أو الهياكل الرسمية للدولة، بل يتطلب النظر إلى أنماط الممارسة الفعلية للسلطة، حيث تتداخل موارد المال والسلاح والتحالفات في تشكيل القرار السياسي. ويبرز الكتاب كيف تتحول الصراعات المسلحة إلى جزء من منظومة الحكم، وكيف تُستخدم الأزمات كوسيلة لإعادة ترتيب مراكز النفوذ بدل العمل على إنهائها.
تهدف هذه القراءة إلى استعراض المحاور الرئيسية التي يعالجها الكتاب، وتحليل إسهامه في تفسير واقع القرن الأفريقي، وبيان أهميته لفهم التحولات الجارية في الإقليم، خصوصا في ظل تصاعد التنافس الدولي وتزايد هشاشة الأوضاع السياسية والأمنية في عدد من دوله.
ينطلق الكتاب من محاولة تفكيك الكيفية التي تُمارَس بها السلطة فعليًا في دول الإقليم، بعيدًا عن الصور الرسمية التي تقدمها الدساتير أو الخطابات السياسية. ويركز على فكرة أساسية مفادها أن الحكم في القرن الأفريقي لا يقوم على مؤسسات مستقرة بقدر ما يقوم على إدارة شبكات النفوذ، والتحكم في الموارد، وبناء التحالفات المتغيرة وفق موازين القوة.
يرى المؤلف أن السلطة لا تُمارَس من خلال أجهزة الدولة وحدها، بل عبر منظومة واسعة تضم قادة عسكريين وزعماء محليين ورجال أعمال ووسطاء سياسيين، يتقاسمون النفوذ، ويتنافسون عليه في الوقت نفسه. وفي هذا السياق، تصبح القدرة على تعبئة الموارد المالية، أو السيطرة على أدوات العنف، أو تأمين الدعم الخارجي، عناصر حاسمة في تثبيت الموقع السياسي لأي فاعل داخل هذه المنظومة.
مستقبل القرن الأفريقي سيظل رهينًا بالقدرة على إعادة تشكيل سوق الولاءات والتحالفات المحلية والإقليمية، وأن أي محاولة لبناء الدولة أو تحقيق الاستقرار تتطلب فهم البنية العميقة للسلطة
يبرز الكتاب كيف يؤدي هذا النمط من الحكم إلى تآكل فكرة الدولة بوصفها إطارًا جامعًا، حيث تتحول مؤسساتها إلى أدوات تُستخدم لخدمة توازنات القوة بدل أن تكون مرجعًا لتنظيمها. كما يوضح أن الولاءات السياسية في هذا السياق ليست ثابتة، بل تخضع لإعادة ترتيب مستمرة تبعًا لتغير مصادر التمويل أو موازين القوة العسكرية أو المواقف الإقليمية والدولية.
يؤكد أن هذا الواقع لا يمكن فهمه باعتباره خللًا مؤقتًا، بل هو نتيجة تراكم طويل لتجارب الحكم والصراع في الإقليم. فبدل بناء سلطة مركزية قادرة على احتواء التعدد، جرى ترسيخ نمط حكم يقوم على إدارة الانقسامات والاستفادة منها. وبهذا، تصبح الأزمات وسيلة لإعادة إنتاج السلطة، لا تهديدًا وجوديًا لها.
في هذا المحور نكتشف أن الحروب في الإقليم تمثل جزءًا من الآليات التي يُعاد من خلالها ترتيب السلطة والنفوذ. فالكاتب يرى أن الصراعات المسلحة، سواء في السودان أو جنوب السودان أو الصومال، تُدار وفق أهداف سياسية واضحة، وتستخدم لإعادة توزيع الموارد، وتثبيت الولاءات، وضمان استمرار تأثير النخب المسيطرة.
ويشير الكتاب إلى أن هذه الحروب غالبًا ما تتداخل فيها مصالح الفاعلين المحليين مع استراتيجيات القوى الخارجية، بما يشمل الدعم المالي أو العسكري أو الدبلوماسي، وهو ما يجعل النزاع امتدادًا طبيعيًا للسياق السياسي، وليس حالة استثنائية خارجة عن النظام السياسي. هنا، تتحول الميليشيات والفصائل المسلحة إلى أدوات للحكم، حيث يقوم كل طرف بتوظيف النزاع لتعزيز موقعه السياسي والاقتصادي، وتثبيت نفوذه على المناطق والموارد الحيوية.
كما يوضح الكتاب أن الحرب في القرن الأفريقي غالبًا ما تُدار بطريقة تحقق مصالح محددة للنخب، بدل أن تكون وسيلة لتحقيق السلام أو التنمية. فالديناميكيات الحربية تُصاغ بحيث تسمح بمرونة التحالفات، وإمكانية التكيف مع التغيرات المفاجئة في موازين القوة، بما يضمن استمرار دورة النزاع دون انهيار النظام بأكمله. ويضيف أن الفاعلين يستخدمون التوترات المستمرة لضمان استمرار الدور الخارجي، مثل المساعدات الدولية أو التدخلات العسكرية، التي تعزز من قدرة النخب على التحكم بالموارد والسلطة.
من خلال هذا التحليل، يسهم الكتاب في توضيح سبب استمرار النزاعات في الإقليم رغم مرور عقود من المحاولات الدولية لحلها. فهو يظهر أن الحرب أصبحت جزءًا من المنظومة السياسية نفسها، لا عاملًا خارجيًا مهددًا لها، مما يفرض على الباحثين وصانعي السياسات إعادة النظر في استراتيجيات التدخل والمساعدة، بعيدًا عن الحلول السطحية التي تركز على إعادة بناء المؤسسات الرسمية فقط.
في الكتاب دراسة معمقة لكل من السودان وجنوب السودان، باعتبارهما مثالين واضحين على كيفية إدارة السلطة والصراع في الإقليم. فالسودان يمثل حالة يمكن من خلالها ملاحظة كيف تتداخل الهياكل الرسمية مع شبكة من الولاءات المتغيرة والتحالفات التي تعتمد على المال والموارد، فيما يُظهر جنوب السودان كيف يمكن أن تتحول الموارد الطبيعية، وبشكل خاص النفط، إلى أداة أساسية في إعادة ترتيب النفوذ وتثبيت مواقع القوة.
في السودان، يوضح الكتاب أن الدولة لم تُنهِ الأزمات الداخلية من خلال بناء مؤسسات قوية، بل عملت على إدارة النزاعات كوسيلة لضمان ولاء الأطراف المختلفة. وقد تجلّى هذا بوضوح في أزمة دارفور، حيث استخدمت الحكومة الوسائل العسكرية والاقتصادية للتحكم في الولاءات المحلية، وتحقيق توازن بين الفصائل المختلفة، بما حافظ على استمرار النظام، رغم هشاشة مؤسساته. ويشير إلى أن هذا النمط من الحكم أدى إلى بروز "سوق سياسي" متكامل، تتحكم فيه النخب في توزيع الموارد والسلطة، وهو ما يفسر استمرار الصراعات لفترات طويلة دون أن تهدد الدولة نفسها بالانهيار الكامل.
هذا النمط من الحكم أدى إلى بروز "سوق سياسي" متكامل، تتحكم فيه النخب في توزيع الموارد والسلطة، وهو ما يفسر استمرار الصراعات لفترات طويلة دون أن تهدد الدولة نفسها بالانهيار الكامل
أما في جنوب السودان، فيبرز الكتاب تأثير الموارد النفطية على النظم السياسية الناشئة. فقد أتاح النفط للقيادات السياسية تمويل ولاءات ميليشياتها، وتشكيل تحالفات استراتيجية، إلا أن تذبذب العائدات واندلاع النزاعات المسلحة أدى إلى تفكك هذه التحالفات، وتجدد الصراع الأهلي. ويُظهر الكتاب كيف أن الاعتماد على مصدر وحيد للموارد جعل الدولة الهشة أكثر عرضة للانقسامات، كما كشف محدودية قدرة المؤسسات الرسمية على إدارة النزاعات أو توفير الأمن للمواطنين.
من خلال دراسة السودان وجنوب السودان، يتبين أن الصراعات الممتدة جزء من آلية لإعادة إنتاج السلطة، حيث تتقاطع مصالح النخب المحلية مع دعم القوى الإقليمية والدولية، لتبقى الولاءات والسيطرة على الموارد محور اللعبة السياسية. وتُعد هذه الحالات نموذجًا لفهم كيف يمكن للسياسة والاقتصاد والنزاع أن تتشابك في تكوين نمط حكم مستمر رغم الأزمات.
يقدّم الكتاب مقارنة دقيقة بين حالة الصومال وصوماليلاند، باعتبارهما نموذجين متباينين لفهم إدارة السلطة والصراع في الإقليم. ففي الصومال، يوضح الكتاب أن انهيار الدولة المركزية خلق فراغًا سياسيًا سمح بظهور شبكة معقدة من القوى المحلية والميليشيات والفصائل المسلحة، التي تدير الموارد والتحالفات وفق مصالحها الخاصة. ويبرز أن هذه البيئة أوجدت سوقًا سياسيًا تتنافس فيه الولاءات على أساس القدرة على السيطرة على المال والعنف والتحالفات الإقليمية والدولية، بعيدًا عن أي إطار مؤسسي ثابت.
في المقابل، تقدم صوماليلاند حالة مغايرة نسبيًا، حيث نجحت القيادات المحلية في بناء نوع من الترتيبات السياسية القائمة على توافقات محلية وشبه مؤسسية، رغم غياب الاعتراف الدولي. ويشير الكتاب إلى أن هذا النموذج أتاح نوعًا من الاستقرار النسبي مقارنة بالصومال، لكنه في الوقت نفسه يظل مرتبطًا بمنطق السوق السياسي، حيث تظل الولاءات والتحالفات قابلة لإعادة التشكيل وفق المصالح الاقتصادية والسياسية.
ويستخلص الكتاب من هذه المقارنة أن غياب الدولة الرسمية أو الاعتراف الدولي لا يمنع نشوء ترتيبات سياسية مستقرة نسبيًا، لكنه يوضح أيضًا أن الاستقرار في الإقليم غالبًا ما يكون هشًا، ويعتمد على موازين القوى الداخلية والخارجية. كما يسلط الضوء على أن الأسواق السياسية المتطورة في مناطق النزاع تعمل على إعادة إنتاج السلطة بصورة مستمرة، مما يجعل الأزمات جزءًا من النسيج السياسي، وليس أحداث منفصلة.
من خلال هذا التحليل، يعزز الكتاب فكرة أن السياسات التقليدية لبناء الدولة وإرساء المؤسسات الرسمية لا تكفي لفهم الواقع الإقليمي، وأن دراسة الصومال وصوماليلاند معًا توفر فهمًا أعمق لكيفية تفاعل القوى المحلية مع التحديات الخارجية في إطار متشابك من النفوذ والموارد والتحالفات.
إن الصراعات في الإقليم لا يمكن فهمها بمعزل عن التأثيرات الإقليمية والدولية. فالتدخلات الخارجية، سواء عبر المساعدات الاقتصادية أو الدعم العسكري أو النفوذ الدبلوماسي، غالبًا ما تُغذّي شبكة الولاءات والتحالفات المحلية، مما يعزز من استمرارية أنماط الحكم القائمة على توزيع الموارد والسيطرة على مناطق النفوذ.
ويشير الكتاب إلى أن القوى الإقليمية والدولية، بدوافع تتراوح بين المصالح الاستراتيجية والأمنية والاقتصادية، تتفاعل مع الأسواق السياسية المحلية بطرق تؤثر على ميزان القوى الداخلي. ففي حالات عديدة، أتاح الدعم الخارجي للنخب المحلية القدرة على تثبيت مواقعها، وهو ما ساهم في إبقاء الصراعات مستمرة دون حل جذري، وأظهر مدى ضعف قدرة التدخلات الدولية في معالجة جذور النزاع.
إن السياسات التقليدية لبناء الدولة وإرساء المؤسسات الرسمية لا تكفي لفهم الواقع الإقليمي، وأن دراسة الصومال وصوماليلاند معًا توفر فهمًا أعمق لكيفية تفاعل القوى المحلية مع التحديات الخارجية في إطار متشابك من النفوذ والموارد والتحالفات
كما يسلط الكتاب الضوء على أن هذه الديناميات الإقليمية والدولية تجعل من القرن الأفريقي ساحة تتشابك فيها المصالح، بحيث تصبح الأزمات السياسية والأمنية أدوات ضمن لعبة النفوذ الإقليمي والدولي، لا نتائج داخلية للأوضاع المحلية. ويظهر أن الفاعلين الخارجيين، أحيانًا دون إدراك كامل، يعيدون إنتاج السوق السياسي ويؤثرون في استقرار الأنظمة، بدل المساهمة في تحقيق الاستقرار الدائم.
يخلص الكتاب إلى أن فهم القرن الأفريقي يتطلب تجاوز النظرة المحلية الضيقة، والاعتراف بأن الصراعات تمتد إلى ما هو أبعد من الحدود الوطنية، وأن أي تحليل شامل يجب أن يربط بين الواقع الداخلي للدولة وبين التفاعلات الإقليمية والدولية، بما يتيح رؤية أكثر دقة لكيفية إدارة السلطة والصراع في الإقليم.
يقدم المؤَلف قراءة لطبيعة الحكم والصراع في الإقليم، بعيدًا عن المقاربات التقليدية التي تركز على المؤسسات الرسمية أو الخطابات السياسية المثالية. إذ يوضح الكتاب كيف تتحول السلطة إلى شبكة معقدة من الولاءات والتحالفات التي تُدار وفق المصالح المتغيرة، ويبرز دور المال والحرب والتحالفات الخارجية في إعادة إنتاج السلطة والسيطرة على الموارد.
وتكمن أهمية الكتاب في أنه لا يكتفي بوصف الواقع السياسي أو سرد النزاعات، بل يسلط الضوء على البنية الأساسية التي تُدار من خلالها الدولة في ظل الصراعات الممتدة. فالدول مثل السودان وجنوب السودان توضح كيف يمكن للموارد، سواء المالية أو الطبيعية، أن تصبح أداة لإدارة الولاءات والصراعات الداخلية، بينما توضح حالة الصومال وصوماليلاند كيف يمكن لغياب الاعتراف الدولي أن يولد ترتيبات سياسية مستقرة نسبيًا، رغم هشاشتها، عندما تُدار السلطة بمرونة وتحكم تحالفات محلية.
كما يبيّن الكتاب تأثير القوى الإقليمية والدولية في إعادة إنتاج أنماط الحكم القائمة، مؤكداً أن أي فهم شامل للقرن الأفريقي لا يمكن أن يتم بمعزل عن التدخلات الخارجية، سواء كانت داعمة أم مضرة، وأن هذه التدخلات غالبًا ما تساهم في استمرار الأزمات بدل إنهائها.
وبناءً عليه، يظهر أن مستقبل القرن الأفريقي سيظل رهينًا بالقدرة على إعادة تشكيل سوق الولاءات والتحالفات المحلية والإقليمية، وأن أي محاولة لبناء الدولة أو تحقيق الاستقرار تتطلب فهم البنية العميقة للسلطة كما يقدّمها الكتاب.
يوفر الكتاب إطارًا ضروريًا للباحثين وصانعي القرار لفهم التفاعلات المعقدة بين الحرب والسياسة والمال، ويُعد مرجعًا لا غنى عنه لكل من يسعى لاستيعاب ديناميات القرن الأفريقي الراهنة ومستقبلها المحتمل.