الاثنين 9 مارس 2026
أعلنت الهيئة العليا للاتصال في الغابون، في 17 فبراير/شباط 2026، تعليق شبكات التواصل الاجتماعي فورا على كامل التراب الوطني، مبررة القرار بانتشار محتويات اعتُبرت تشهيرية وكراهية ومهددة للأمن الوطني. يندرج هذا الإجراء ضمن اتجاه متصاعد في أفريقيا يتمثل في تقييد المجال الرقمي، حيث تبرر السلطات قطع الإنترنت أو بالأحرى حجب المنصات بضرورة الحفاظ على الاستقرار السياسي والتماسك الاجتماعي. وإذا كانت هذه التدابير تثير عادة انتقادات دولية، تستند إلى حرية التعبير والحقوق الرقمية، فإن ردود الفعل الداخلية للمواطنين تتسم في كثير من الأحيان بنبرة أكثر التباسا.
يكشف التحليل السوسيو-خطابي لتعليقات مستخدمي الإنترنت الغابونيين عقب هذا القرار تحديدا عن هذه البنية: قبول نسبي للتأطير الرسمي لتعليق الشبكات بوصفه إجراء لحماية الجماعة، على حساب خطاب صريح حول الحريات. يدعو هذا التباين إلى تجاوز الثنائية المبسطة بين الرقابة والحرية، من أجل مساءلة الثقافات السياسية الرقمية والتصورات المحلية للمواطنة في الدول الأفريقية المعاصرة.
اعتمد بيان الهيئة العليا للاتصال معجماً معيارياً كثيفاً: "الكرامة الإنسانية" و"التماسك الاجتماعي" و"استقرار المؤسسات" و"الأمن الوطني"... والذي ينتمي إلى سجل حماية أخلاقية وسياسية يُقدَّم فيه تنظيم المجال الرقمي كضرورة لصون النظام الاجتماعي. يتوافق هذا التأطير مع ما تصفه أدبيات حوكمة الإنترنت في أفريقيا بمنطق السيادة المعلوماتية، حيث تدّعي الدولة مسؤولية التحكم في الفضاء الرقمي لمنع المخاطر السياسية أو الاجتماعية المرتبطة بتداول المعلومات.
يدعو هذا التباين إلى تجاوز الثنائية المبسطة بين الرقابة والحرية، من أجل مساءلة الثقافات السياسية الرقمية والتصورات المحلية للمواطنة في الدول الأفريقية المعاصرة
تعيد ردود الفعل المؤيدة من مستخدمي الإنترنت الغابونيين إنتاج هذا التأطير إلى حد بعيد. فقد وصفت عدة تعليقات المنع بأنه "قرار من أجل الصالح العام" أو إجراء يهدف إلى "الحفاظ على التماسك الاجتماعي". يشير هذا التقارب المعجمي إلى ظاهرة اصطفاف خطابي، إذ يُعاد تبني لغة السلطة التنظيمية داخل الفضاء الاجتماعي، بما ينتج شرعنة عبر الاستيعاب.
إلى جانب سجل الصالح العام، تستحضر التعليقات على منصات إكس: المسؤولية المدنية. إذ تشير إلى "النضج المواطني" و"اليقظة" و"احترام القرارات المتخذة جماعياً". ويُبنى المواطن الرقمي هنا لا بوصفه صاحب حقوق فردية يجب الدفاع عنها، بل فاعلاً أخلاقياً مكلفاً بالمساهمة في النظام الاجتماعي.
تتوافق هذه البنية مع تصور معياري للمواطنة قريب مما يسميه بعض علماء الاجتماع المواطنة الانضباطية: حيث يُطلب من الفرد تنظيم سلوكه حفاظاً على الانسجام الجماعي. وفي هذا المنظور لا يبدو تعليق الشبكات انتقاصاً من الحرية، بل تذكيراً بالواجبات الملازمة لاستخدام المنصات الرقمية.
يجسد تعليق يقول إن: "إظهار النضج المواطني هو معرفة احترام القرارات المتخذة جماعياً" هذه النزعة بوضوح. فشرعية الإجراء لا تستند إلى تقييم قانوني أو سياسي، بل إلى معيار أخلاقي قوامه الامتثال للقرار العمومي.
تكشف هذه السمة اختلافاً مهماً عن الخطابات السائدة في النقاشات الغربية حول قطع الإنترنت، حيث تشكل حرية التعبير عادة المرجع المركزي. ففي الحالة الغابونية، ضمن هذا المتن، نادراً ما تُستحضر الحرية؛ بينما تتصدر المسؤولية والاستقرار المشهد.
يبرز في التعليقات سجل خطابي ثالث هو الحماية الاجتماعية-الاقتصادية. إذ يبرر بعض المستخدمين التعليق بضرورة "حماية الشركات والأسر من مناخ توتر دائم". ويُنظر إلى الرقمي هنا كناقل محتمل للصراع الاجتماعي أو الاضطراب الاقتصادي، وإلى تقييده كوسيلة لصون بيئة آمنة.
يُظهر المثال الغابوني أن تقييد الاتصال قد يُفهم محلياً كآلية صون، ضمن اقتصاد أخلاقي للأمن يقبل تقليص الحريات مقابل حماية شروط العيش الجماعي
يرتبط هذا السجل بما تسميه الأنثروبولوجيا السياسية الاقتصاد الأخلاقي للأمن: حيث يقبل السكان التقييد النسبي للحريات إذا عُد ضرورياً لحماية شروط العيش الجماعي. ففي سياقات أفريقية عديدة ترتبط شبكات التواصل بنشر الشائعات السياسية أو التعبئة الاحتجاجية أو الاستقطاب الإثني والحزبي، ما يجعل تعليقها يُفسَّر أحياناً باعتباره إجراء لخفض التصعيد.
تشير أهمية هذا السجل إلى أن تصور المنصات الرقمية ليس إيجابياً بالكامل؛ فهي تُرى في آنٍ واحد أدوات تعبير ومصادر اضطراب. وتفسر هذه الازدواجية جزئياً الاستقبال الأقل صدامية للقيود مقارنةً بمناطق أخرى من العالم.
من أبرز نتائج التحليل ضعف حضور السجل التحرري في التعليقات المدروسة. فمفاهيم مثل: "الرقابة" و"الحقوق" و"حرية التعبير" أو "إساءة استعمال السلطة" تكاد تكون غائبة.
لا ينبغي تفسير هذا الغياب على أنه انعدام للمعارضة في المجتمع الغابوني، بل مؤشرا خطابيا داخل فضاء التعليقات المرصود، حيث لا يهيمن النقد بلغة الحريات الفردية. ويمكن تفسير ذلك بعدة عوامل: أولاً، قد تحد المعايير الثقافية القائمة على احترام السلطة والسعي إلى الاستقرار من التعبير العلني عن الاعتراض. ثانياً، تسهم السياقات السياسية الأفريقية التي تتكرر فيها التوترات الانتخابية أو الأمنية في تعزيز قيمة النظام. وثالثاً، قد يؤدي استبطان الخطابات الرسمية حول أخطار الرقمي إلى تصور التنظيم بوصفه ضرورة.
تظهر الدراسات المقارنة حول قطع الأنترنت في أفريقيا أن ردود الفعل تختلف باختلاف السياقات الوطنية، إذ تعبّر بعض المجتمعات عن اعتراض أكبر، خاصة عندما ترتبط القيود بأزمات انتخابية.
من جهة أخرى، ساد الاستياء والإحباط في جميع أنحاء الغابون، وتجلى ذلك بوضوح في منشورات وسائل التواصل الاجتماعي والنقاشات المحتدمة في مختلف قطاعات المجتمع. وقد قوبل قرار الهيئة العليا للاتصالات بتعليق خدمات وسائل التواصل الاجتماعي "حتى إشعار آخر" برفض شديد من المواطنين الغابونيين، وخاصة أولئك الذين يعتمدون في كسب رزقهم على الأنترنت.
لا يكشف ضعف الخطاب التحرري عن غياب المعارضة، وإنما عن بنية سوسيو-خطابية تُقدّم الاستقرار بوصفه القيمة السياسية العليا في المجال الرقمي
قالت كريول، وهي مغنية وكاتبة أغاني غابونية يتابعها أكثر من مليوني شخص، في مقطع فيديو نشرته صباح على صفحتها على فيسبوك: "أعيش من وسائل التواصل الاجتماعي، أشتري دقيق الكسافا (غاري)، وأكسب قوتي. أبيع الموز، وأروج لموسيقاي عبر حساباتي على فيسبوك وتيك توك، أعيش بفضل وسائل التواصل الاجتماعي".
وأضافت أنها لا تفهم سبب اتخاذ السلطات لهذا القرار، لكنها تطالب بمنحها مهلة قبل تطبيقه. وتابعت: "سأغادر هذا المكان. أخبرونا أين أخطأنا". "مجرد انخراط شخص ما في جانب من البلاد في أنشطة غير قانونية لا يعني أننا جميعًا سنعاني من العواقب"، هكذا عبّرت عن أسفها، قبل أن تؤكد أن هذا لا يبشر بالخير "للطلاب الذين يتغيبون عن الدروس بسبب إضراب المعلمين، ويحاولون اللحاق بها عبر الإنترنت".
تكشف قضية تعليق شبكات التواصل الاجتماعي في الغابون وردود الفعل عليها عن بنية سوسيو-خطابية مميزة: شرعنة تقييد رقمي عبر سجلات الصالح العام والمسؤولية المدنية والحماية الاجتماعية. ويشير الغياب النسبي للخطاب التحرري إلى أن حرية التعبير على الإنترنت ليست دائماً المرجع المركزي في تصورات المواطنين للرقمي.
لا ينبغي اختزال هذه الوضعية في قبول بسيط للرقابة، بل هي تعبير عن تصور للمواطنة الرقمية تُعد فيه القيم المرتبطة بالنظام الاجتماعي والاستقرار السياسي أولويات. وفي هذا الإطار قد يُفهم تنظيم الدولة للمنصات كآلية صون لا كانتهاك للحقوق.
يتمثل التحدي التحليلي في فهم كيفية تفاوض المجتمعات الأفريقية مع التوتر بين الاتصال والتماسك، وبين التعبير والأمن. ويُظهر المثال الغابوني أن هذا التوتر يُحسم أحياناً لصالح الاستقرار، ليس بفعل الدولة وحدها، بل أيضاً بفعل قبول - صريح أو ضمني - لدى جزء من السكان.
تدعو هذه البنية إلى إعادة التفكير في نقاشات حوكمة الأنترنت في أفريقيا خارج الأطر المعيارية الكونية الصرفة، مع مراعاة الثقافات السياسية المحلية والمتخيلات الاجتماعية للأمن والجماعة. كما توحي بأن المواطنة الرقمية في القارة تتشكل أقل حول المطالبة بحقوق فردية، وأكثر حول المشاركة في نظام جماعي يُنظر إليه باعتباره هشاً ويستوجب الحماية.