تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأربعاء 20 مايو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
ثقافة

الصوت الأردني القادم من السودان

27 أبريل, 2026
الصورة
الصوت الأردني القادم من السودان
Share
  • غابة الأبنوس

  • شعر: صلاح أحمد إبراهيم

  • نشر: مكتبة الحياة، 1967.

أسوأ مافي الكتب الجيدة، الكلمة التي يكتبها الناشر عن المؤلف على قفا الغلاف، أولاً لأن الناشر لا يكتبها بل المؤلف، وثانياً لأن المؤلف قد تأكد أن الناشر سيوقعها، يقوم بفش خلقه وحلحلة عقده فيسكب لنفسه المديح دون حساب، ويتحدث مطولاً عن مبلغ عمقه وإبداعه، ويتوج نفسه ما أحسن من عليها، ويسبق النقاد بسيف الناشر، فلا نستطيع أن نشتمه لأنه مادح نفسه، ولا تستطيع أن نشتم الناشر لأننا نعرف أنه لم يكتب الكلمة وربما لم يقرأها!

وهذا هو الحال مع صلاح أحمد إبراهيم، شاعر سوداني ممتاز، وضع له "الناشر" على قفا الغلاف مديحاً كأنه إعلان زواج: "شاب وديع هادئ، واسع الثقافة عميق الفكر" والبقية من عندنا: "يطلب الزواج من فتاة، شقراء طويلة، مثقفة، ربة بيت، ومن عائلة محافظة".

ومثل هذا الكلام جدير بأن يمسك الإنسان الكتاب، بكل اهتمام وتركيز، ويسقطه من النافذة.

ولكن ما يستوقفك هو قصة كيف وصل لك الكتاب، فنحن نثق بأن السودان منجم القلم الموهوب الباسل، ومع ذلك "فغابة الأبنوس" يبدو كتابا نشر منذ زمن غير معروف، فالناشر الذي تذكر أن "يكتب" صفحة عن المؤلف، نسي أن يكتب سطراً عن تاريخ النشر، وفجأة تجد الكتاب بين يديك كأنه نبع نبعاً، كيف وصل؟

يبدو أن كمية من نسخ هذا الكتاب وقعت ولست أدري كيف في أيدي الطلاب، وقد استعملوها الاستعمال الفذ الجدير بها. إنهم طلاب يقومون بجمع الأموال لزملائهم الطلاب الأردنيين الذين انقطعوا عن تمويل عائلاتهم في الضفة الغربية، هكذا يدق الطالب منهم أبواب المنازل، وكي يتجنب الإحراج يعطي نسخة للمتبرعين.

وتفتح أنت "غابة الأبنوس" فتساءل، فيما إذا كانت الصدفة وحدها هي التي نغمت هذا التوافق النبيل: فالديوان شعر ملتزم جميل وباسل، وقريب حد الالتصاق من عذاب الجماهير، وقد وصل إلى يديك عبر تلك المهمة الملتزمة والباسلة التي حملها طلاب شرفاء على أكتافهم.

ويرن في أذنك - عند ذاك - الرمز مكتملاً من هذه الصدفة الغريبة وأنت تقرأ مختصراً المسافات والأسماء:

" وأخي عثمان

ما زال هناك حتى الآن

في "كفرة " في الصحراء الغربية

في بقعة أرض منسية

كانت "ميدان " كالعظم الممصوص اليقق،

انقض عليه في الصحراء، الغربية

كلبان:

الجيش الثامن، والألمان"

كيف يدخل النبي إلى بيتك دون توقع منك، فوق كف طالب أردني مهجور و "غابة الأبنوس"؟

اقرأ كيف:

" سامح! إن أحسست بيأس فاذكرني

لا تغرق قلبك في نهر الأحزان

لا تستسلم، لا تحن الظهر تقحم لهب البركان"

وأنت تقرأ، وتسمع خطوات ذلك الطالب يدق على الطريق قرب شباكك، وهو يمضي في طريقه الصعب وتأخذ الكلمات معنى مضاعفاً:

" ….. لو أنت أهديت لي المنديل

أطويه في جوانحي، أنشره لواء

أغشى به مندفعاً كالسيل

مراكز الأعداء..

سيدتي: مهما استطال الليل

مهما رمانا الناس

عقيرتي تجيش أغنيات عاشق، ترقق الغناء:

يا ليتني رصاصة تطلقها الجزائر

أو شمعة ساهرة تؤنس ليل ساهر

أو "كلمة سر " تقود ثائراً لثائر

أو خنجر طي فدائي خفي ماكر"

ها هو ذا صلاح أحمد إبراهيم في "غابة الأبنوس"، نغمة سودانية أصيلة ولذلك فهي جميلة وملتزمة، عنيفة حين يكون العنف ضرورياً ليمزج الشكل بالمضمون ورقيقة إلى حد الشفافية حين يكون الموضوع يستلزم ذلك.

هنالك شيء خاص فيما يتعلق بالأدب السوداني، وكذلك الرسم، إن الانتساب للأرض السودانية واضح وضوحاً لا يخطئ. ثمة شروش راسخة و أصالة قل أن يستطيع أديب عربي آخر في البلدان الأخرى أن يصل إلى مستواها و أنت حين تقرأ للفيتوري مثلاً، أو لصلاح إبراهيم، أو لسيد أحمد الحردلو، أو للطيب صالح فأنت تتلمس إذن بيديك أرض السودان وشعبه و تاريخه تلمساً مباشراً.

ويضيف "غابة الأبنوس" الى هذه الحقيقة الخاصة برهاناً جديداً، فهو شعر نادر.

إلا أن هذا كله لا يمنع، أن يلاحظ القارئ في بعض المقاطع عرقلة في الأوزان وكلمات غير مناسبة، مباشرة بصورة فظة تقطع الانسياب الهادئ للشعر، وكذلك الإسراف في "الترميز" واستعمال التعبيرات الأسطورية بمناسبة ودون مناسبة.

ومع ذلك فهذا الصوت يجمع الالتزام إلى الجمال، اسمعوه إنه شيء نادر في شعرنا المعاصر الذي يجزر الواحدة ليسقي بدمها الأخرى!

  • نشرت المقالة في كتاب فارس فارس المنشور عن دار الآداب - بيروت . مؤسسة غسان كنفاني الثقافية - الطبعة الأولى (1996 ) - صفحة (28 - 30 )